تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


متحف حمص .. شفافية في عرض القطع الأثرية

ثقافة
الأثنين 11/7/2005م
سوزان ابراهيم

حين وجد الانسان نفسه منقطعا عن جذور نسبه امتدت يد طاقاته المعرفية الى اعماق الارض مرة والى الفضاء مرة اخرى يستنطق الصمت ويفتح المنغلق ويعيد ترتيب اشياء الكون,

عصور مرت نسخ اللاحق منها سابقه لكن الارض- وكما عادتها - احتضنت كل تلك الأزمنة المعاشة خالدة بين طبقاتها , حافظة مسارات تطور البشرية فهل تريد رحلة عبر آلة الزمن تعود بك الى غابر مضى بقيت آثاره لتشهد انه كان ثمة من عاش , عمل , انجز , عبد, وان ثمة حزنا او فرحا نصرا او هزيمة كان ينبض بالحياة هنا او هناك , هو ذا الشعور الذي ينتابك عندما تتخطى عتبة اي متحف, ما ان تترك ضوء النهار خلفك حتى تستقبلك عصور التاريخ الغارقة في الصمت لكنه الصمت المثرثر بحكايات كان زمان . اذا ان تبني متحفا يعني ان تفتح نوافذك على الماضي العريق لتقرأ وتكتشف وربما تأخذ العبرة بأن الاعمال العظيمة وحدها هي الباقية والخالدة من هنا تنبع اهمية اعادة تأهيل مبنى متحف حمص ذي الطراز الفرنسي والذي بني عام 1929 كدار للبلدية وكذلك اخراج مقتنياته من الظلمة وعرض 700 قطعة وقطعة اثرية في خزائن زجاجية شفافة تمنح المتفرج امكانية الرؤية من الاتجاهات كافة وبطريقة غاية في الاناقة والجمال وبخبرة محلية بحتة عبر كل من زار المتحف يوم الافتتاح- الذي صادف في 30 حزيران المنصرم- عن اعجابه وتقديره لها ودخولا في تفاصيل العمل المنجز.‏

التقت الثورة امينة متحف حمص الآنسة (نداء دندنشي) حيث كان الحديث عن خطة العمل الذ بدأ قبل سنوات ثلاث بتجهيز البنى التحتية ثم تصميم ديكور ذي طابع ريفي فرنسي لصالات الطابقين الارضي والاول اما ديكور البهو فكان شرقيا معاصرا انسجاما مع ديكور القاعات وتلك التصاميم انجزها مهندسو دائرة اثار حمص وعلى وجه الخصوص المهندسة جليلة العطار فيما يتعلق بالعرض الداخلي والعرض المتحفي للقطع الاثرية قد وضعت لها دراسة من قبل وفق تسلسل العصور التاريخية لاضفاء مشهد ثقافي للمتحف يعكس خصوصية تاريخ محافظة حمص وبسبب وجود ثغرات تاريخية في حمص تم السعي الى تداركها من مواقع اخرى,إذ لم تكتشف مواقع للعصر الحجري الادنى القديم في حمص فتم اللجوء الى المواقع الاقرب له في اللطامنة والقرماشي على‏

نهر العاصي وثمة قطع قدمت من متحف دمشق اما مرحلة انسان النياندرتال التي تعود الى 200-100 ق.م فوجدت لها مواقع في سلسلة الجبال التدمرية في مغاور جرف العجلة وكهف الدوار, أما العصر الحجري الحديث (عشرة آلاف سنة ق.م) فغطي بقطع من تل المريبط شمال سورية وباستثناء ذلك فان جميع القطع الاثرية وجدت في محافظة حمص.‏

أما التقسيم التاريخي فكان وفق الموقع والزمن مبتدئا بعصور البرونز فعرضت قطع البرونز القديم من مدافن بحيرة قطينةوالبرونز الوسيط من المشرفة وتل النبي من( قادش) ,والبرونز الحديث من المشرفة تلك الحاضرة التي تعتز بها حمص والتي اغنت المتحف بمجموعة من القطع التي تعتبر من اهم واغنى المجموعات التي يمكن ان يمتلكها متحف ما وتتابع الآنسة (دندشي) القول: من المعروف تاريخيا ان حمص خرجت من نطاق التل الاثري في بدايات القرن الثالث الميلادية ولكن في محلة ( الحميدية ) وتحت السوية المسماة بسوية العصر الروماني اكتشف قبر منفرد يرجع تاريخه الى القرن الرابع والخامس ق.م ( عصر البارثي) وقد عرضت محتوياته نظرا لأهميته . لقد غطيت فترة العصور الكلاسيكية ( 3000ق.م-600م) من مواقع في محافظة حمص فمن ا لقرن الثالث ق.م وحتى القرن الاول الميلادي هناك مجموعة مكتشفات في تل النبي مندو ومدافن تلبيسة اما فترة ازدهار حمص وخروجها عن نطاق التل الاثري ( اي امتداد المدينة بعيدا عن التل) فترافقت بازدهار اقتصادي شمل جميع طبقات المجتمع وتوج ذلك حديثا باللقى الاثرية المكتشفة خلال الحفريات الطارئة لعناصر دائرة آثار حمص فأغنت المتحف بقطع زجاجية من السرج غاية في الجمال وبلقى ذهبية وتماثيل صغيرة لالهة الجمال فينوس .‏

اصبحت حمص مسيحية في منتصف القرن الرابع الميلادي فقبل هذا التاريخ عاش فيها الكثير من المؤمنين المسيحيين بسرية ونلمس ذلك من الاواني وخاصة السرج الفخارية والتي نقش خلفها الصليب بعيدا عن عيون الواشين وقد ترافقت تلك الفترة بهبوط قليل في المستوى الاقتصادي وهذا ما يفسره ضعف ا للقى الاثرية المكتشفة ضمن المدينة .‏

نتابع حتى العصر الاسلامي فالبدايات الاولى لم تصلنا منها اشياء تذكر فقد دمرت المدينة اكثر من مرة بالزلازل والكوارث الطبيعية وما تم اكتشافه يعود الى نهائيات العصر الايوبي وبدايات دخول المماليك الى سورية وما تلاها وقد غطي العصر العثماني - وهو قريب نسبيا- ومن الهدايا التي قدمها ابناء المدينة للمتحف توجت بنسختين من المصحف الشريف ومخطوط الانصاري.‏

وعن اسلوب العرض تقول امينة متحف حمص .‏

بعد انتقاء القطع كانت الخطوة الاهم وهي كيف نقدم عرضا متحفيا متميزا بالمدينة رغم ضيق مساحة المبنى فتم التركيز على القطع الاثرية الاهم وعرضها بشفافية ليكون النظر اليها ممكنا من الاتجاهات كافة ودون ان يبذل الزائر اي جهد وقد نفذت هذه الفكرة المهندسة جليلة العطار ولا ننسى الدقة في اختيار القطع الاثرية استنادا الى عناصر الندرة والاهمية وعدم كثافة العرض وهنا ا ذكر بأن الندرة لا ترتبط بشكل مباشر بجمال القطعة ولكن حين تترافق الندرة مع الجمال فذلك يحقق الغاية القصوى من العرض المتحفي ومن وجهة نظر اي امين متحف وهذا ما تجلى مثلا في تمثال فينوس ربة الجمال.‏

وبما ان الهدف الذي يتوخاه المتحف هو الدور التثقيفي فان ذلك لا يتم فقط عبر العرض التاريخي بل يرافقه نوعية القطع الاثرية واختيارها وبما يثبت وجود علاقات كانت قائمة بين الممالك قديما وهذا ما تم ايضاحه من خلال عرض بعض القطع التي تجسد ذلك (العلاقات القائمة قديما بين مصر وقطنا وبين ماري وقطنا ..).‏

ولابد من الاشارة الى ما قدمه متحف دمشق مشكورا ومنذ افتتاح المتحف في حمص لأول مرة عام 1974 والغاية من ذلك تسليط الضوء على الفرق في صناعة الادوات بين منطقة واخرى منها مثلا معروضات من فخار الرقة الشهير باللون الزنجاري ومرحلة الفخار المزجج ولم تقدم لنا حمص من الفخار الايوبي وعرضنا من العصر المملوكي اوأنها مصنوعة من النحاس ومزخرفة بالعربية الجميلة.‏

ما ينقصنا هو عرض كنز المشرفة المكتشف عام 2002 حيث حفظ بالامانة في متحف دمشق الوطني واستعضنا عن ذلك بمعرض صور ضوئية له في قاعة الفن الحديث ويبلغ عدد قطع هذا الكنز 1200 قطعة بعد الترميم وكان (للثورة) لقاء آخر مع الدكتور عبد الرحمن بيطار استاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعات القطر ورئيس الجمعية التاريخية في حمص وحول المتحف قال:‏

لا بد من القول بأن تجديد واعادة ترميم واحياء متحف حمص يشكل بداية قوية للاهتمام بالمدينة وبتاريخها وتراثها ولاحظت ان اموالا كبيرة انفقت لتجهيز المبنى والمعروضات وبأحدث الطرق الفنية لقد زرت متاحف باريس وعددا اخر من المتاحف خارج سورية ايضا وهذا يدفعني للقول ان ما شاهدته من طريقة العرض في متحف حمص ممتاز وبداية عظيمة لتأسيس متحف ونحن اصحاب تاريخ عريق في كل المجالات لكننا بحاجة الى دراسة لتقييم هذا التاريخ او لتحديد فترات وازمنة ان كلمة ( تاريخ ) كلمة مطلقة تشمل كل ما مضى من تاريخ الانسان.. وحين نقول تاريخنا في العصر الروماني فهل نمجد الامبراطور واذا كنا في يوم من الايام جزءا من الامبراطورية الرومانية فهل نأتي بتمثال لنيرون او لقسطنطين ونضعه في متحفنا ونأتي بطلابنا لزيارة المتحف ليقفوا امامه باحترام!! هذا ما يحتاج الى دراسة .. اذا وجدنا تمثالا لآلهة الحب فينوس هل يتوجب علينا وضعه في مكان مقدس لنباركه طبعا انا لا ارى ما يمنع من الاهتمام بكل جزء من تاريخنا ولكن ان نعطي لكل مرحلة منه حدود اهميتها فلا نغدق الاهتمام على شيء على حساب اشياء اخرى في زيارتي لأحد متاحف باريس وجدت معلمة تشرح لطلابها الصغار عن شيء في خزانة زجاجية فدفعني الفضول بعد ذهابهم للاقتراب فوجدت جمجمة مكتوب تحتها رأس المجرم سليمان الحلبي قاتل الجنرال كليبر اذا للمتحف دور في التثقيف والتوعية وفي بناء وتنمية الشعور القومي .‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية