تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


الرشــــدية بذرة العلمانيــــة الأولى

ملحق ثقافي
5/2/2008م
عقبة زيدان

وحينما تصبح الفلسفة هي النقيض التاريخي للأسطورة، ويصبح الشكل المنطقي للعقل هو النقيض التاريخي للشكل الخرافي للأساطير القديمة، حينئذ تتبلور الإشكالية التالية:

استخراج ماهية الشيء من ظواهره، هي المهمة المركزية للمعرفة الفلسفية. ومن أجل استخراج تلك الماهية (أو الجوهر)، وضبطها وعزلها، لجأت الفلسفة إلى تجريدها من الظواهر الحسية للشيء، أي فصل الماهية (التي يفترض أنها ثابتة)، عن كل ارتباطاتها العابرة وغير الضرورية والموجودة بالصدفة. إن دفع ذلك التجريد إلى حده الأقصى (الذي تعتبره الفلسفة، الطريقة الوحيدة الممكنة لتخليص جوهر الأشياء من الارتباطات الحسية، المعيقة للإمساك بذلك الجوهر ومن ثم اكتشافه)،‏

سيؤدي إلى جعل نقطة الانطلاق للبحث الفلسفي هي: الوجود الخالص، أي الوجود العام بوصفه كائناً خالصاً، متجرداً من كل ما هو زائل وحسي. وإذاً، فإن الأساس المنهجي الذي أقامت عليه الفلسفة تأملاتها، يتحدد في التساؤل التالي: ما هي الطبيعة النهائية لكل الكائن؟ بمعنى أن جميع الكائنات لها جوهر واحد مشترك، وبالتالي يجب اكتشافه لإدراك كنه وسر الوجود. إن البحث في المطلق.. وإن علم الوجود الخالص (الأنتولوجيا) هو إذاً الموضوع المركزي لفلسفة الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة). وهذه الإشكالية الميتافيزيقية، قد استغرقت ألفي سنة من النقاش الفلسفي، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل. والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها. فشلت الميتافيزيقا في طرح العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره، طرحاً سليماً.. لم تستطع حل التناقض بين الماهي القابل للإدراك بواسطة العقل، وبين الظاهرة القابلة للإحساس بواسطة الحواس. إن هذا الإشكال الفلسفي المستعصي على الحل، دفع الميتافيزيقا إلى إقامة فصل تام وقاطع، بين جوهر الشيء، وظاهره.. بين عالم الإدراك العقلي، وعالم الإحساس. والخلاصة التي انتهى إليها ذلك المنطق، هي أن جوهر الأشياء لا ينتمي إلى الأشياء ذاتها، أي إلى الظواهر الحسية نفسها، بل إلى عالم خارجها ومستقل عنها. وهذا العالم هو عالم الفكر أو الروح. وهكذا نشأ الاتجاه المثالي داخل الفلسفة. فالفلسفة المثالية، بالتالي، لا تعني شيئا آخر، غير انتماء ماهية الأشياء وجوهرها إلى عالم الفكر والروح، لا إلى عالم تلك الأشياء الحسية نفسها. فإذا كان الاتجاه المثالي، يؤكد على أن الجوهر له وجود فعلي، وأن واقعه واقع فكري؛ فإن الاتجاه المادي، على العكس، ينكر أي وجود للجوهر. وبالنسبة إليه، فإن مفاهيم الجوهر والماهية، هي مجرد تجريدات ذهنية فارغة، لا أساس لها في الواقع. والأشياء الوحيدة التي يعترف بوجودها، هي الأشياء الحسية الملموسة والعينية. إن الاتجاه المادي أراد أن يتجاوز تناقضات الاتجاه المثالي، عن طريق إلغاء مفهوم الجوهر من الفكر المنطقي الواقعي. فهل أفلح في ذلك؟ إن الفلسفة المادية بدورها، عجزت عن تجاوز تناقضاتها البنيوية. وهكذا ظل الصراع قائماً بين الاتجاه المثالي، الذي كان يتزعمه سقراط وأفلاطون، وبين الاتجاه المادي، الذي كان يتزعمه ديمقريط وأبيقور، إلى أن جاء أرسطو. انتقد أرسطو الفلسفة المثالية، لأنها زعمت بأن الجوهر لا ينتمي إلى العالم المحسوس، وانتقد الفلسفة المادية، لأنها أنكرت أصلاً وجود الجوهر. وعلى هذه الطريق الوسطى بين النقيضين، قام ببلورة مفاهيمه الفلسفية الخاصة. وقد قامت فلسفته برمتها على الأساس التالي: علة العلاقة بين الصورة والمادة. فبالنسبة إلى أرسطو، يمثل الجوهر بالنسبة للكائن، ما تمثله الصورة بالنسبة للمادة. فكما أنه لا يمكن تصور وجود صورة بدون مادة، فكذلك لا يمكن تصور وجود كائن ملموس، واقع محسوس، بدون جوهر. إن الصورة تعطي للمادة شكلها المتميز، والجوهر يعطي للكائن الملموس هويته الخاصة. لكن أرسطو، بتأكيده على الوحدة بين الصورة والمادة، فإنه مع ذلك لا يطابق بينهما: فالصورة لها وجود متميز، حتى وإن توحدت بالمادة، حتى ولو منحتها شكلاً. والسبب في ذلك أنه من جهة، حين يتم التعميم بين عدة أشياء، فإن جميع المميزات الخاصة لتلك الأشياء، يتم إهمالها لكي تبقى الصورة المجردة عن الكل وفوق الكل؛ ومن جهة ثانية، فالأشياء المادية تزول وتفنى، بينما الصور التي كانت ملتصقة بها، تبقى بعد ذلك الفناء. إن هذه المنظومة الفلسفية التي بناها أرسطو، والتي حاول من خلالها أن يحل التناقضات التي كانت تعصف بالفلسفتين المثالية والمادية معاً، قد استطاعت فعلاً أن تهيمن وتصمد عدة قرون، إلى أن جاء ابن رشد. إن عبقرية ابن رشد، تكمن في اكتشافه للخطأ النظري العميق، الذي قامت عليه منظومة أرسطو. وهذا الخطأ يتجلى في التمييز الجوهري الذي وضعه أرسطو بين المادة والصورة. إذ، في رأي أرسطو، فإن الأشياء المادية معرضة للزوال والفناء، بينما الصورة باقية وغير فانية. والإسهام الأساسي الذي أتى به ابن رشد، لتطوير الفلسفة البشرية، هو أولاً، تأكيده على أن الطرح الأرسطي للعلاقة بين المادة والصورة، بالشكل الذي طرحها به، (أي تمييزهما عن بعضهما البعض تمييزاً جوهرياً)، يؤدي حتماً إلى انشطار المنظومة الأرسطية من الداخل، إلى شطرين متناقضين. وهكذا، فقد اكتشف ابن رشد بأن فلسفة أرسطو قابلة بنيوياً لتأويلين متناقضين: تأويل مثالي، وتأويل مادي. أما الإسهام الثاني، وهو الحاسم، فهو أن ابن رشد قد عمل على تطوير مفاهيمه الفلسفية انطلاقاً من التأويل المادي لفلسفة أرسطو. قام منطق ابن رشد على التساؤل التالي: كيف يعقل أن المادة التي تشكل مع الصورة وحدة عضوية، تفنى، بينما الصورة تبقى؟! فإذا كانت المادة فانية، فإن الصورة هي الأخرى فانية بالضرورة. كيف يعقل أن الكائنات المادية تستمد صورها من واقع غير مادي؟! ولذلك انتهى ابن رشد إلى هذه الخلاصة الحاسمة: إن سر الصورة يجب البحث عنه في المادة نفسها. وبهذا الطرح، يكون ابن رشد قد عاد بفلسفة أرسطو إلى الاتجاه المادي. بالإضافة إلى أنه لم يعد الاعتبار للاتجاهات المادية الكلاسيكية فحسب، بل طعمها بتأكيده الصارم الموضوعي والمادي لمفهوم الجوهر (وهو ما لم يفعله لا أرسطو، ولا ديمقريطس وأبيقور، ولا الماديين الآخرين كلهم، الذين كانوا ينكرون أصلاً وجود الجوهر). وهكذا لم تمر على وفاة ابن رشد في مدينة مراكش المغربية سوى سبع وعشرين سنة، حتى ولد في إيطاليا توما الأكويني، الذي تزعم حركة التأويل المثالي لفلسفة أرسطو، داخل الفلاسفة السكولائيين. وأصبحت فلسفة توما الأكويني هي الفلسفة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية في عصر الإقطاع الأوروبي. ولأن فلسفة ابن رشد كانت ذات توجه مادي، وكانت بالتالي تهدد الأيديولوجيا المحافظة، السائدة داخل الكنيسة الكاثوليكية، فقد وجدت نفسها تتعرض إلى حملة واسعة من التضييق في البلدان الأوروبية، وخاصة إيطاليا مركز البابوية، من طرف فلسفة توما الأكويني المثالية. بل إن هذه الأخيرة، لم تظهر في الأصل إلا كرد فعل على فلسفة ابن رشد. فالتأويل المثالي الذي أعطاه توما الأكويني لفلسفة أرسطو، كان الغرض منه محاربة التأويل المادي الذي أعطاه إياها ابن رشد. وهكذا فالصراع الفكري والفلسفي العنيف، الذي شهدته أوروبا في المرحلة ما قبل عصر النهضة، كان في أساسه بين فلسفة توما الأكويني المحافظة، وفلسفة ابن رشد النقدية. ومع دخول أوروبا عصر النهضة، شرعت بخلق نظام الجديد، يتعارض مع النظام الإقطاعي السائد. عندها لم تجد سوى فكر ابن رشد وتأويله المادي لفلسفة أرسطو، ليكون أداة في صراعها مع الإقطاع، وأساساً متيناً لبناء أوروبا حديثة. عُرفت فلسفة ابن رشد، المتوفى العام 1198، في عصر النهضة الأوروبية، بـ"الرشدية اللاتينية"، التي سيطرت على العقل الغربي، لأكثر من ثلاثة قرون. وقد سميت بالحركة الرشدية اللاتينية، لأنها أخذت عن ابن رشد أهم مبادئه الجوهرية في المنطق العقلاني، الخاصة بالفصل ما بين "حقيقة" العقل الخالص (البرهان المنطقي) و"حقيقة" الوحي الميتافيزيقي والإيمان الروحي. وإذا كان ابن رشد قد رشح برهان العقل معياراً للنظر في حقيقة الإيمان، وخلص إلى فكرة ازدواج الحقيقة، بمعنى الإيمان الروحي بـ"الحقيقة الدينية" بالنسبة إلى الشخص كمؤمن متدين من جهة، و"الإيمان" العقلاني بـ"الحقيقة البرهانية" بالنسبة للشخص نفسه ككائن تاريخي. وفي حالة تعارض "الحقيقتين"، فإن على الإيمان أن يلجأ إلى العقل الفعال. ولم يتجرأ المفكرون الرشديون الغربيون، ما بين القرن الثالث عشر والخامس عشر، خصوصاً، على نقل فكر ابن رشد كاملاً، لأنه كان أعمق (عقلانياً) مما يستوعبه الوعي الغربي، الذي كان يتلمس طريقه للخروج من عصور الظلمة. وتعرضت الحركة الرشدية اللاتينية للاضطهاد الفكري من قبل السلطات الكنسية، لأنها مثلت الأساس الفلسفي الذي قامت عليه فكرة الفصل ما بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية الدنيوية. أي الفصل ما بين العقل الغيبي العرفاني والعقل العلمي البرهاني. والخلاصة أن بذرة شجرة "العلمانية"، الوارفة بظلالها على معظم أنظمة الحكم في العالم المعاصر، هي إسلامية الأصل في بذرتها الفلسفية الأولى. انتهت الفلسفة الإسلامية بنفي ابن رشد وحرق كتبه، ودخل العرب والمسلمون في عصور الظلام. وبعد قرون طويلة، من الجهل، استيقظ العرب، ليكتشفوا أن العالم (الغرب الكولونيالي) كان قد امتلك صناعة الحياة، وأقام حياة دستورية متينة. لقد استيقظوا على عصر حديث، أعطى ما للعقل للعقل وما للروح للروح، ووجدوا أنفسهم متأخرين، وقد أصيبوا بذهول، عقد ألسنتهم وعقولهم.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية