تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


السيف الدمشقي.. أســــطورة تاريخيـــة ولغـــــز حيــــر العالـــــم‏‏

ثقافـــــــة
السبت 5-1-2013
تماضر ابراهيم

على الضفة اليسرى من نهر بردى باتجاه الربوة يقع ميدان الخيول التي شدت مرارا للفتح، وعلى الضفة اليمنى بستان هشام بن عبد الملك بن مروان وبين الضفتين بوابة التاريخ وقلب العروبة النابض وبرّ الشام، قلب عاصمة الأمويين التي دانت لها الدنيا ولم تدن لأحد،

الشام التي بنت حضارتها واشتهرت منذ بداية التاريخ بحرفييها وصناعاتها فكان الديباج والزجاج والفولاذ الذي صنعت منه السيوف الدمشقية تلك التي كانت للخلفاء الأمويين، والقادة والأمراء حملوها كأداة حرب على مر العصور، وكانت رمز العزة والفخار جميلة ممشوقة منقوشة بالمعادن الثمينة، لا تقل زهّوا عن ورد الشام وعطر ياسمينها الناصع،‏

سيف حر لا يهان‏

استل صلاح الدين الأيوبي سيفه الدمشقي وقطع قضيبين من الحديد قائلا: إن سيف العرب حر لا يهان.‏

كان ذلك عندما سمع أن ريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الإفرنجية الصليبية قد وصف سيف صلاح الدين بالمهلهل.‏

اشتهر السيف الفولاذي الدمشقي بصلابته ومرونته في آن واحد. وبقوته التي تشبه السحر. ووزنه الخفيف إضافة إلى جمال الشكل وروعة التصميم. كما حمل معه عناصر الجودة والجاذبية.ونسجت حوله العديد من القصص الخيالية والأفلام السينمائية الأوروبية والآسيوية.‏

وقد ارتبطت صناعة السيوف القتالية بمدينة دمشق وأخذت شهرتها وامتيازها من جودتها وصلابتها وسمي المعدن الذي تصنع منه بالأسطوري بسبب عدم معرفة أسراره رغم محاولات الاكتشاف الفاشلة التي أجراها الأوروبيون، واستطاع الدمشقيون أن يحافظوا على الهالة العجائبية التي أحاطت بصناعتهم حين توارثوها ولم يعلموها لغير أبنائهم.‏

ولا يزال السيف الدمشقي رمز العزة الذي لم يشهر إلا في وجه الأعداء الطامعين، لغزاً يحير العالم، وكان له فضل في بعضٍ من أسطر التاريخ حيث سجل العديدمن البطولات، وقد عرفه العرب والفرس والرومان جيدا وأُعجبوا به بقدر ما أرهبهم، فقد كان متفوقاً جداً على ما كانوا يستعملونه من سيوف عريضة تقليدية لذلك حاولوا تقليده ولكن دون جدوى.‏

العجمي - حرفة أهل الشام‏

السيف الدمشقي، هذه الحرفة اليدوية أخذت بالتراجع منذ القرن الخامس الميلادي عندما اجتاح القائد المنغولي تيمورلانك دمشق وأخذ معه إلى سمرقند حوالي 15 ألفا من أشهر حرفيي صناعة السيوف فاشتهر هذا الفن هناك وعرف باسم «العجمي» لينتشر بعدها في أوروبا كلها، وبعد مائة عام أيضا أخذ السلطان العثماني سليم الاول عددا آخر من أشهر المهرة في صناعة السيوف إلى تركيا، من هناك انتقل السيف الدمشقي إلى يد الفرسان العثمانيين حيث تحتفظ المتاحف بالعديد منه و بأقلام الخطاطين نقش على نصالها الآيات الكريمة والأشعار والدعوات، وكان أشهرها البالا واليطقان،‏

السيف السحري‏‏‏

امتازت السيوف الدمشقية عن غيرها بظاهرة فنية عرفت باسم «جوهر السيف» أو فرنده وللجوهر أسماء مختلفة منها الدمشقي ومنها الشامي، تظهر على النصال بأشكال عدة، ومن أهم خصائص الجوهر الدمشقي أنه يمتاز بأشكال البقعة المحكمة، بإشراق مائل إلى البياض مع عدم قابليته للصدأ كسائر أنواع الجوهر، كما يمتاز بلينه ولدانته وثباته ويؤكد بعض صناع السيوف الذين استمروا في المهنة أن النصل الحقيقي للجوهر قد فقد منذ 350 سنة.‏‏‏

ويقول جون فيرهوفن في مقالته حول لغز السيف الدمشقي: إنه نوع واحد من السيوف يريده كل إنسان،هذا النوع صنع في دمشق، شاهده الأوروبيون لأول مرة في أيدي المحاربين العرب المسلمين قبل ألف عام، واليوم بقيت نماذج منه معلقة في أقسام الدروع والأسلحة في معظم متاحف العالم وأضخمها.‏‏‏

للقتال والتباهي‏

إن صناعة سيف واحد تحتاج لمدة أسبوع وقد تصل إلى ثلاثة أشهر، ذلك وفقا للزينة المطلوبة عليه من قبل الزبون، من أهم الأماكن التي تم فيها تصنيع السيوف الدمشقية الشوير ودوما، ومن أشهر السلاحين في دمشق: «بنو السيوفي، جوهر، جوهري، مسابكي، حداد، نحاس، وحفار وطباع»، سيوفهم طافت العالم وردت الأذى والعدوان عن دمشق وبلاد الشام كلها، فهي لم تكن حادة وجميلة فقط، بل شكلت عبر القرون الماضية لغزاً مستعصياً على الحل، وتوالى القادة الأوروبيون يرسلون التجار إلى دمشق لشراء السيوف المميزة بأغلى الأثمان للتباهي بها.‏

للعلم.. لم تكن السيوف الفضلى مبهرجة التصميم، ومع ذلك في المزادات يمكن أن تصل أسعارها إلى خمسين ألف يورو، وسعر كل سيف تحدده الزينة التي تضاف إلى غمده إضافة إلى عمره الزمني.‏

رمز قوة المدينة‏

في مطلع ستينات القرن العشرين رفع الفنانون السوريون نصباً تذكاريا لسيفهم في ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق كرمز لقوة المدينة ومنعتها، ينتصب حاملاً إرثها الحضاري ومختزلاً تاريخاً من الانتصارات والانجازات من خلال المعارك التي خاضها سكان المنطقة في الذود عن حمى الوطن إذ كان إنشاؤه أيضا عرفانا بالجميل وتذكيرا بمهارة الحرفي الدمشقي في صناعته الأسلحة الحربية، هذا النصب، له واجهتان واسعتان متقابلتان من البلاستيك الملون، الواجهة الغربية تطل على ساحة الأمويين نفسها، والواجهة الشرقية تطل على باب معرض دمشق الدولي (أو ما يسمى بباب الأمويين)، وقد تم وضع لوحات من البلاستيك الشفافة، تمثل أعلام الدول المشاركة في المعرض كل سنة، بعص من أهل الشام أطلقوا عليه اسم عمود الوحدة (الوحدة بين سورية و مصر) ومع مرور الوقت درج الناس على تسميته بـالسيف الدمشقي، وهي التسمية الرسمية له، وصار واحداً من أشهر رموز دمشق المعمارية وشعاراً للقناة الأولى في التلفزيون السوري، ومع انتقال معرض دمشق الدولي إلى مدينة أرض المعارض في شارع المطار... فَقَدَ هذا النصب الفكرة التي أنشأ من أجلها لوضع أعلام الدول المشاركة به أي فقد وظيفته بعدها كُلِّف الفنان احسان عنتابي بتجديد واجهتيه اللتين صممهما الفنان عبد القادر أرناؤوط، فاستخدم الزجاج المعشّق، واستبدل الأشكال الهندسية المجردة بشكل زخرفي فني جميل يمزج بين النار والوردة ليكون هذا النصب واحداً من أهم وأكبر واجهات الزجاج المعشق في العالم.‏

**‏

عبد القادر أرناؤوط‏

1936 - ولد في دمشق.‏

1967 - تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة في روما.‏

1973 - دراسات إضافية في المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس.‏

- اهتم بالرسم وكتابة الشعر وتعلم العديد من اللغات‏

- أوفدته وزارة الثقافة الى أكاديمية الفنون الجميلة في روما عام 1963 لدراسة فن الاعلان والديكور.‏

- عام 1972 أوفد إلى فرنسا وحصل على دبلوم الاتصالات البصرية من المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية في باريس.‏

عمل في وزارة الثقافة - مديرية الفنون الجميلة.‏

درّس في كلية الفنون الجميلة، ثم أصبح رئيساً لقسم الاتصالات البصرية حتى وفاته.‏

صمم ملصقات معرض دمشق الدولي وملصقات وشعارات وأغلفة العديد من الكتب.‏

صمم شعارات دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية.‏

أعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية، المتحف الوطني بدمشق، متحف دمّر، وضمن مجموعات خاصة. في روما وباريس وسورية.‏

-ابتكر عبد القادر أرناؤوط أنواعاً من أساليب الخط العربي الحديث والتي ما يزال يستعملها مصممو الاعلان في دمشق.‏

- معلم في فن الإعلان ومجدد ومطور له، إذ أدخل الإعلان الى مجالات الحياة المختلفة كالمسرح والسينما والمعارض والحياة العامة.‏

- توفي عام1992 في دمشق، سورية.‏

**‏

إحسان عنتابي‏

1945 - ولد في حلب، سورية.‏

1969 - تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق / قسم الاتصالات البصرية.‏

1975 - خريج المدرسة الوطنية العليا للفنون الزخرفية باريس.‏

عمل أستاذاً في قسم الاتصالات البصرية كلية الفنون الجميلة دمشق، ورئيساً لهذا القسم لغاية 1994.‏

عمل في مجال الإعلان والتصميم الفني.‏

أعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية - المتحف الوطني بدمشق.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية