تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


لبنان 1958 و2007: تاريخ يعيد نفسه

جريدة الاخبار
عالم الصحافة
الاثنين 19/11/2007
علي العطار

ˆ لعلّ أدق تعليق لحالة بلدنا العظيم أنّ السلم في لبنان هو عادةً ما يكون استراحة ما بين حربين. فمنذ إعلان الاستقلال لم يمرّ جيل من دون أن تكون في ذاكرته صور لحرب أهلية قد وُلد فيها, أو وُلِد في الاستراحة ما بين نهاية حرب واندلاع أخرى.

ولكنّ الغريب في هذه الأزمات التي تتجسّد على شكل حروب وصدامات أهلية, أنّها تندلع بظروف تكرّر نفسها, ولا يستطيع نسيج هذا البلد أن يعيها, وإذا وعاها, أن يجد ويطبّق لها الحلول المناسبة.‏

ولعلّ ذلك يعود إلى مصلحة بعض الزعماء وأصحاب رؤوس الأموال في هذا النظام المولّد للأزمات وذلك لاستمرار تحقيق منافعهم (وهم يستغلّون هذه الأزمات للتفاوض وتحسين مواقعهم وأرباحهم). وهذه الوقائع لا يمكن إلا أن توضحها المقارنة التاريخية. فإذا عدنا بالتاريخ إلى أزمة عام 1958, هذه البصمة الشهيرة في حياة اللبنانيين, وقارنّاها بأزمتنا الحالية لوجدنا أنّ الأسماء والمواقع فقط هي التي تختلف في ظروف نشوء الأزمتين.‏

ففي عام 1958 اندلعت الأزمة ما بين حلف كان يقوده الرئيس كميل شمعون المعادي للوحدة العربية (الوحدة السورية المصرية) والموالي للغرب والمؤيّد لحلف بغداد. والجدير بالذكر أنّ هذا الحلف الذي نشأ في عهد رئيس وزراء العراق نوري السعيد الذي كان التزامه الأعمى بالبريطانيين الداعمين للحلف, يمثّل المبدأ الأساسي لحياته السياسية, فجعل العراق يسير على خطّ معادٍ للسوفيات.‏

وكان اقتراح إنشاء هذا الحلف يعود للولايات المتحدة التي وعدت بدعمه, وكان نوري السعيد يأمل من خلاله تقوية الدور القيادي للعراق عربياً وإضعاف مصر وعزلها. مصر التي كانت بقيادة عبد الناصر وثورته التي تحولت في ما بعد إلى نقيض لما وجدت من أجله, ألا وهو تحرير البلدان العربية. فكان من الطبيعي منها أن تعلن العداء لحلف بغداد وأن تعارضه كونه يضعف موقفها التفاوضي بشأن نزاع السويس والقضية الفلسطينية. وفي المقابل لحلف شمعون, كانت هناك معارضة موالية للوحدة العربية ومعارضة لحلف بغداد. تفجّر هذا الصراع بين الفريقين على شكل حرب وأزمات في شوارع لبنان.‏

(ويُقال إنّ شمعون كان يسعى إلى تدويل الأزمة بحجّة أنّه يحارب, إلى جانب المعسكر الرأسمالي الغربي, خطر الشيوعية المتحالفة مع القومية العربية. لكن من السذاجة الاعتقاد بأنّ الأزمة لم تكن مدوَّلة أصلاً بأبعاد ثلاثية دولية إقليمية داخلية).‏

بعد تفجّر الأزمة في لبنان, أبرق شمعون إلى حلفائه مستفسراً عن استعدادهم للتدخّل العسكري في لبنان, ولكن الولايات المتحدة كانت ترى أنه من الخطورة القيام بخطوة كهذه, فأعلمت شمعون بذلك, آملةً منه حلّ الأزمة وترتيب بيته الداخلي, وبالتالي خذلت حليفها الذي كان يتّكئ عليها في حربه الداخلية. وفي عام 2005 (عقب اغتيال رئيس مجلس الوزراء الأسبق رفيق الحريري), اندلعت الأزمة ما بين فريقين: من جهة, موالاة متحالفة مع الغرب ويمثّل وجهها السلطوي رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي يرهن عمله السياسي بالولايات المتحدة حتى في أحلك الظروف: حرب تموز 2006 مثالاً, ومؤيد لحلف معدّل ومُطوَّر يُسمّى حلف المعتدلين العرب .‏

ومن ناحية أخرى, هناك معارضة تعارض حلف المعتدلين وتؤيّد التحالف السوري الإيراني (وإذا كان هناك خلاف بين أهداف وظروف الوحدة العربية وأهداف وظروف التحالف السوري الإيراني إلا أنّ كليهما يشتركان في تأثيراتهما على توازنات الداخل اللبناني).‏

وتفجّرت هذه الأزمة على شكل صدامات أهلية في شوارع لبنان (أحداث الجامعة العربية مثالاً) تماماً كالعام 1958. من هذه المقارنة يظهر استنتاجات عديدة:‏

إنّ الأزمة اليوم تماماً كالعام 1958 دولية إقليمية أساساً, بانعكاس وتطبيق داخلي ثانياً. فلا يمكن رؤية الأزمة اللبنانية بعيداً عن كونها ورقة من أوراق التفاوض الإقليمي الدولي.‏

عام 1958 كان الصراع على موقع لبنان بين الحلفين المتخاصمين واليوم ما يزال كذلك.‏

إنّ أزمة 1958, والتسوية التي تلتها, عادت وتفجّرت عام 1975 على شكل حرب أهلية طاحنة. اليوم أزمتنا إذا وُجِد حلّ لها, كم سيصمد قبل أن يأخذ البلد إلى 1975 جديدة?‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية