تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


يا مال الشام ..... احتفاء بأبي خليل القباني

ملحق ثقافي
14-5-2013
إدريس مراد-يا مال الشام يا الله يا مالي طال المطال يا حلوة تعالي

طال المطال واجيتي عالبال ما يبلى الخال عالخد العالي‏

طال المطال طال وطول الحلوة بتمشي تمشي وتتحول‏

يا ربي يرجع الزمن الأول‏

يوم يا لطيف ما كان على بالي‏

طال المطال وعيوني بتبكي وقلبي ملان ما بقدر يحكي‏

يا ربي يكون حبيبي ملكي يوم يا لطيف ما كان على بالي..‏

ربما لا يعرف الكثير بأن هذه الأغنية التي يرددها العديد من المغنين اليوم هي من كلمات وألحان رائد المسرح السوري والعربي العملاق أبو خليل القباني الذي يستحق أن نحتفل به وبذكراه كل عام بل كل يوم.‏

مسيرة فنية كبيرة‏

ولد القباني في دمشق عام 1833 وتوفي عام 1903، واسمه الحقيقي أبو خليل بن محمد آغا بن حسين آغا آقبيق، يعني هذا أنه من أسرة دمشقية عريقة يتصل نسبها بأكرم آقبيق مستشار السلطان سليمان القانوني. وأحد أجداده هو شادي بك آقبيق الذي بنى مدرسة الشابكية للعلوم الدينية بدمشق مع جامع كبير، ولُقِّب بالقبَّاني لأنه كان يـملك قبّان باب الجابية نسبة إلى القبابـين التي كانت بذلك الزمان ملكاً لفريق من العائلات في كل حي من أحياء دمشق. وأبو خليل القباني هو عمٌّ لأبي الشاعر الكبير نزار قباني وعمّ لأمه أيضاً. وهو رائد المسرح العربي في سورية، وإليه يرجع الفضل الأكبر في وضع أسس المسرح الغنائي العربي، حيث نقل الأغنية من على التخت الشرقي لكي يضعها فوق المسرح التمثيلي، فأصبحت الأغنية بذلك جزءاً من العرض المسرحي.‏

اندفع القباني في نشاطه المسرحي بتشجيع من الولاة الأتراك وخاصة صبحي باشا ومدحت باشا، ولكن حملات الرجعية اشتدت عليه حتى نالت منه، عندما وشوا به إلى السلطان عبد الحميد، وأوهموه أنه يفسد النساء والغلمان، وينشر الفسق والدعارة، فأمر السلطان بغلق مسرحه، فارتحل إلى مصر، حيث أسهم مع زملائه اللبنانيين في نشاط المسرح المصري المزدهر في ذلك الحين، ليعود إلى دمشق قبل وفاته بثلاثة أعوام.‏

احتفالية لذكراه بدمشق‏

لم تمر ذكرى القباني هذا العام بدون الاحتفال بها، حيث أعلن الدكتور علي القيم معاون وزيرة الثقافة من خلال ندوة أقامتها الوزارة في قاعة المحاضرات بمكتبة الأسد الوطنية بدمشق بأن عام 2013 عاماً للاحتفاء بأبي خليل القباني بمناسبة مرور 180 عاماً على ميلاد رائد المسرح الغنائي العربي و110 أعوام على وفاته. وتحدث إلى جانب القيم في هذه الندوة كل من الدكتور خليل موسى والملحن سهيل عرفة والإعلامي عدنان بكرو، وتناول المشاركون جوانب متعددة من سيرة القباني ومسرحه وتلاميذه، وأكد القيم أن الاحتفاء بالقباني سيتضمن مجموعة من النشاطات الثقافية.‏

وهكذا بدأت الاحتفالية بهذا الفنان الكبير قبل أيام وجيزة بحفلة مميزة في دار الأسد للثقافة والفنون «أوبرا دمشق» على مسرح الدراما، حيث جال المغني الشاب سومر نجار وبصوته الجميل بين العالم الغنائي والموسيقي للفنان الراحل أبو خليل القباني ليطغي على الصالة جواً من الطرب الأصيل الذي يفتقده جمهور الغناء اليوم.‏

شيء من تراث القباني‏

بدأت الحفلة بمقطوعة سماعية آلية، ومن ثم أدى نجار مجموعة من الموشحات لحنها وكتبها القباني وهي «راق أنسي، محبوبي اقتصد، شجني يفوق على الشجون، نم دمعي من عيوني، يا من لعبت به الشمول، أنت الممنع يا قمر» وفي القسم الأخير من الحفل قدم فيه وصلة من القدود تضمن «يا مسعدك صبحية، يا طيرة طيري يا حمامة، يا مال الشام».‏

يقول نجار عن هذه الحفلة: “الغاية من هذه الاحتفالية هي تسليط الضوء على هذا الفنان السوري الأصيل والمبدع حيث كان معروفاً بتنوع وتعدد مواهبه في التمثيل والغناء والتأليف للمسرح وكتابة الموشحات والأغاني، فضلاً عن تدريبه لرقص السماح الذي اكتسبه من الأستاذ عقيل المعروف، والشيخ القباني له جهود كبيرة في نشر الفن السوري ولاسيما عندما كان في مصر حيث تتلمذ على يده العديد من الفنانين هناك أمثال كامل الخلعي».‏

وقال أيضاً: «هذه محاولة للتعريف بهذا الفنان السوري الأصيل وتقديم أعمال له، منها مشهور جداً ولكن ربما لا يعرف بعض الناس أنها من مؤلفات الشيخ أبي خليل القباني مثل يا مسعدك صبحية ويا مال الشام وغيرها وهي حالة تقدير لهذا الفنان المتميز».‏

وأنهى نجار حديثه قائلاً: «حاولت في هذه التجربة عدم الابتعاد كثيراً عن أجواء ومزاج هذا الموسيقي من حيث التوزيع الموسيقي وأديتها بأسلوب بسيط، من خلال آلات التخت الشرقي التقليدي مع تطعيمه ببعض الآلات الغربية مثل الكمان والتشيللو والكونتر باص. أتمنى أن أكون قد حظيت بمحبة وإعجاب الحضور».‏

وسومر نجار من مواليد حلب، بدأ دراسة الموسيقا من خلال المعهد العربي في مدينة حلب، اختصاص آلة العود، وفي ذلك الوقت شارك في برنامج المواهب في إذاعة دمشق، وعند تخرجه في المعهد العربي نال المرتبة الأولى في برنامج «طريق النجوم» الذي قدمه التلفزيون السوري وقتذاك، وفيما بعد التحق بالمعهد العالي للموسيقا في دمشق حيث الدراسة الجدية للموسيقا الأكاديمية وتخرج منه عام 2009- اختصاص غناء شرقي.‏

فريق موسيقي ناجح‏

رافق نجار موسيقياً في هذه الأمسية الغنائية فرقة أبي خليل القباني التي تنتمي إلى مجموعة صلحي الوادي للفنون ويشرف عليها الموسيقي جوان قره جولي. وهي فرقة موسيقية مؤلفة من أربعة عشر عضواً، تأسست عام 1997 وتضم مجموعة من طلبة وخريجي المعهد العالي للموسيقا بدمشق، وتهتم بتقديم التراث العربي الموسيقي من موشحات وأدوار وسماعيات وتراث شعبي بين القرنين التاسع عشر والعشرين، كما تقدم بعض المؤلفات الحديثة المبنية على أساس التراث العربي. قدمت الفرقة عشرات الحفلات الموسيقية على مسارح دمشق المختلفة من كنائس ومراكز ثقافية وقاعات موسيقا، توقفت الفرقة عن العروض لمدة ثلاث سنوات متتالية ثم تابعت نشاطها فيما بعد من خلال تقديم الحفلات وقامت بتسجيل أسطوانتين وتحضر لتسجيل الأسطوانة الثالثة.‏

وتضم الفرقة أمهر العازفين والمغنين على مستوى القطر، تضمنت تشكيلتها موسيقياً بهذه الحفلة عدداً من الضيوف ولم تقتصر على عناصرها الأصلية التي اعتدنا أن نراها في نشاطاتها المختلفة، ولكن هذا لم يمنعها أن تقدم مهمتها على أكمل وجه؛ حيث عزفت القطع بكامل أمانة وبتناسق جميل من حيث التوزيع والأداء، وهم كمال سكيكر «عود»، فراس نجار «قانون»، ربيع عزام «ناي»، رشيد هلال «كمان»، موفق الذهبي «تشيللو»، وسيم قاسم «كونتر باص»، عامر دهبر «رق». أما الكورال فقد تألف من سامر جبر، تمام طيفور، ميرفت رافع، ريم رافع.‏

الحنين إلى الماضي الجميل‏

يقول الموسيقي كمال سكيكر الذي قاد الفرقة وفي الوقت ذاته أخذ مهمة العزف على آلة العود: «دائماً نشعر بالحنين للماضي، بعاداته، بتقاليده، بأجوائه..، نبتسم حين تمر بأخيلتنا ذكريات عشناها سابقاً، ونتمنى أن تعود كما هي، بأشخاصها، بأماكنها، بصدقها وعفويتها، فنشعر بالسعادة لمجرد مرورها. ومن هذا المبدأ، لكل شيء ذكريات، حكايات، تعود به إلى البداية، إلى الصدق والبساطة التي بدورها تحولت إلى تراث بالنسبة إليه فيما بعد. ومن هنا فقد قدمنا تراثنا، ذكرياتنا الجميلة، موسيقانا المُطربة التي لا نترك فرصة تعود بنا إليها إلا ونستغلها، لنشعر بأريجها الذي نغرف منه دائما ويمدنا بصدقها الذي يصب في قلوبنا هدوءاً، فينشينا طرباً، والذي ينشلنا من واقعنا وضجيجه، ويعود بنا لزمنه الجميل وذكرياته الحالمة، التي فيها للكلمة معناها الراقي، وللحن مبتغاه الأصيل».‏

لم يتعد الحفل خمسون دقيقة، ولجماليته وانسجام المتلقي مع صوت نجار وموسيقا الفرقة تمنى البعض بإطالته أكثر، وفي هذا السياق يقول مشرف الفعالية الموسيقي جوان قرجولي: «من المعروف أن أبا خليل القباني هو رائد المسرح الغنائي في سورية وقد وظف الغناء في خدمة المسرح، وعليه فإن غالبية موشحاته تميزت بالقصر، إذ إن بعضها لم يتجاوز الدقيقة الواحدة وهذا منطقي من حيث استخدامها في المسرح. وواجهتنا صعوبة المهمة لنبني برنامج موسيقي طويل من مؤلفات هذه الشخصية البارزة، هذا بالإضافة إلى أن عدد من موشحاته غير مستساغ سمعياً في الوقت الحاضر، بمعنى ليست كل أعماله تملك القدرة على جذب المتلقي اليوم وربما تكون صعبة على السمع لأنها كتبت للمسرح الغنائي ومن الممكن أن تقدم بعمل مسرحي، وهذه حقيقة علينا الاعتراف بها، فكان علينا موازنة أعمال أبي خليل القباني مع ذوق الجمهور الغنائي الحالي.. فقمنا بتطعيم البرنامج ببعض المقطوعات أو الارتجالات ومزج بعض الموشحات من مؤلفاته على شكل وصلة فنية. لهذه الأسباب كان البرنامج قصيراً نوعاً ما وملاحظة الجمهور أن الحفل كان قصيراً هي ملاحظة ايجابية فهو يعني أن الأداء كان جيداً من قبل فرقتنا وفناننا سومر نجار الأمر الذي أدى إلى الرغبة بالمطالبة بالمزيد».‏

محاربة الفكر الاستعماري‏

وكان للدكتور علي القيم معاون وزير الثقافة وصاحب مبادرة الاحتفالية كلمة أيضاً تحدث فيها عن المحتفى به حيث قال: «مسيرة أبو خليل القباني الفنية مليئة بشتى الأنواع من الفن الغنائي والموشحات إضافة إلى غنى المسرح لديه؛ حيث كان يعلم في ذلك الزمن الحوار الديمقراطي وحرية الكلمة والشجاعة في الرأي، وعاش هذا الفنان الفريد بشخصيته سبعة عشر عاماً في مصر وهناك نشر فن الغناء والمسرح الشامي حيث كان مصدراً أسياسياً لكبار الفنانين والموسيقيين».‏

وأضاف: «خلال مسرحياته هناك في مصر حارب بجدية سياسة الاستعمار الإنكليزي على هذه الدولة العربية، وضمن هذا السياق عرض العديد من المسرحيات منها «أنس الجليس، عفة المحبين، ناكر الجميل»».‏

وأنهى القيم حديثه قائلاً: «عاد القباني إلى دمشق عام 1900 ووافته المنية عام 1903 قبل أن يقدم العديد من الحفلات الموسيقية الغنائية، واليوم نحن نحتفي بهذا الفنان الكبير من خلال هذه الحفلة وأمسية قدمناها قبل أيام في مكتبة الأسد الوطنية، وألف تحية إلى روح أبي خليل القباني الذي ترك خلفه إرثاً فنياً كبيراً نعتز به».‏

ليس غريباً على موسيقيينا أن يقدموا مادة تليق بهذا العملاق الذي عانى كثيراً من أجل مسرحه وموسيقاه، ونتمنى أن تكون النشاطات القادمة لذكراه بنفس السوية وأن نرى عملاً مسرحياً لشيخ الكار يعاد تقديمه على خشباتنا وفي صالاتنا.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية