تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


بين الحداثة والتهميش رشيد بوجدرة نموذجاً

ملحق ثقافي
16/9/2008م
عمران عزالدين أحمد

رشيد بو جدرة روائي شُنًّ عليه ما يسمى بهجوم مزدوج أكثر من مرة وفي أكثر من حقبة، فهو عندما كتب بالفرنسية،

كانت النخبة المثقفة العربية تهاجمه أينما حلّ وأرتحل، وعندما ترك الكتابة باللغة الفرنسية، وشرع يكتب بالعربية، تعرض لنقد غربي.‏

بدأ بو جدرة تجربته الإبداعية شاعراً، فأصدر مجموعته الشعرية"من أجل إغلاق نوافذ الحلم" عام 1965، ليعدّ بعد ذلك من أهمّ الروائيين في الجزائر والوطن العربي عندما أصدر روايته الأولى " التطليق" 1969التي تعرض فيها إلى مسألة زنى المحارم والأساليب والاستنطاقات البوليسية، ثمَّ روايته" الإنكار" 1972 و" الحلزون العنيد" 1977 و" ألف وعام من الحنين" 1979 و" الفائز بالكأس" 1979ليصدر بعد ذلك روايته " الرعن" ثم " طبوغرافية مثالية لاعتداء موصوف" تخطت شهرة بوجدرة حدود الجغرافيا العربية، ووصلت العالمية، ليصبح في وقت من الأوقات الروائي الأول ـ قراءة ـ في فرنسا، والتي بالرغم من شهرته الكبيرة فيها، لم تمنحه أيّ جائزة، وهو الذي كان ينشر رواياته في أهم دار نشر فيها" دار غراسي" والجوائز التي نالها كانت من إسبانيا ـ ألمانيا ـ إيطاليا ـ أمريكا. المدهش في عوالم الأدب عند هذا الروائي هو كسر رتابة السرد التقليدي، ومن ثمّ التمرد عليه، كان يعيش حالة أشبه بالعصاب، وهو ينشر أعماله باللغة الفرنسية، فهو مُتيم أساساً باللغة العربية. يقول: "عُدت للعربية بالغريزة، كنت منذ عام 1969، عندما بدأت الكتابة بالفرنسية أشعر بعقدة ذنب وحنين للعربية، وكانت علاقة عشق بالمعنى التصوّفي باللغة العربية، وكان انتقالي للعربية ناتجا عن ضغوط نفسية كنت عندما أكتب بالفرنسية أعيش نوعاً من العصاب بسبب عدم الكتابة بالعربية، في بعض الأحيان كنت تحت وطأة كوابيس أراني فيها فقدت النطق بالعربية أمام جمع حاشد." يبرر بوجدرة كتابته لرواياته باللغة الفرنسية، كون الحرية المتاحة له ثمة، من اختراق للدين والجنس والسياسة، هي ما ينشدها.. إذْ أنّ التطرق إلى مواضيع كهذه وباللغة العربية سيعرض الكاتب لتحقيقات ومساءلات هو في غنىً عنها. ارتدّ بوجدرة عن الكتابة باللغة الفرنسية إلى اللغة العربية وهو في أوج عطائه، وذلك في بداية الثمانينيات، حيث كتب بعد ذلك أجمل أعماله الروائية، استهلها برواية " التفكك" 1982والمرث (1984) وليليات امرأة آراق (1985) ومعركة الزقاق (1986) وفوضى الأشياء (1990) وتيميمون (1994). يقدم لنَّا بوجدرة في رواياته تشويقاً وفائدة تفتقد إليها كثير من الروايات الحديثة، وهذا ليس بغريب عنه، فهو كاتب سيناريو أيضاً. يقول بوجدرة: "كتابتي الروائية أصلا هي سينمائية، أكتب من منظور ثم من آخر، ثم من آخر وهكذا، أقدم الأمور بنسبية"، ثمّ إنّ لبوجدرة تجربة سينمائية من خلال مشاركته في كتابة سيناريو وحوار فيلم ”وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد لخضر حامينة، كما كتب سيناريو فيلم ”علي في بلاد السراب” للمخرج أحمد راشدي. ما أثار حفيظة هذا الروائي الكبير، هو ما كان يتداوله ثلة من المدّعين وأشباه المثقفين، ممن لا همَّ لهم سوى الاصطياد في الماء العكر، مِنْ أنَّ زوجة بوجدرة ـ الفرنسية الأصل ـ هي من تكتب له أعماله باللغة الفرنسية، وهذه لعمري مفارقة مضحكة، عن كاتب يكتب منذ ما يقارب الـ "40 " عاماً، وطُرِحَ اسمه لأكثـر من مرة للفوز بجائزة غونكور للأدب الفرانكفوني، وجائزة نوبل للآداب. للمرأة حيز كبير في مجمل رواياته، فهي البطلة والأم والمضطهدة والماجنة والثائرة والمعربدة، تصدى بوجدرة للسلطة السياسية، ففضح وعرّى الفساد في المجتمع الجزائري والعربي ، وهو كاتب حداثوي بامتياز، إذْ نراه أحياناً يقوم بتوظيف مادة التعليق الرياضي على مباراة كرة قدم في فصول رواياته كما في روايته" ضربة جزاء" ووصل التجريب به إلى حدّ عنونة فصول الرواية بنتائج المباراة، فعنوان الفصل الأول: تولوز :صفر _انجي :صفر وعنوان الفصل الثاني : تولوز هدف .انجي :صفر وعنوان الفصل السابع :فترة الاستراحة ما بين الشوطين . ووظف الخبر الصحفي أيضاً في رواياته كما في روايته" تيميمون": "تسبب انفجار قنبلة وضعها الأصوليون في مطار الجزائر العاصمة في مجزرة خلفت تسعة قتلى وأكثر من مائة جريح جلهم في حالة خطرة" يذكر أنَّ بو جدرة تقلد عدة مناصب منها، مستشار بوزارة الثقافة، أمين عام لرابطة حقوق الإنسان، أمين عام لاتحاد الكتاب الجزائريين. وكمّ كبير من الروايات تُرجمت إلى أكثر من 26 لغة عالمية، الغريب والمدهش أنًّ هذا الروائي والمثقف الكبير، لم يُكَرّم ولم يمنح حتى جائزة ما في بلاده أو في أيّ دولة عربية أخرى، باستثناء فوزه بجائزة المكتبيين الجزائريين عن روايته " فندق سان جورج". والسبب في ذلك ـ ربما ـ يعود إلى أفكاره المثيرة للجدل، والتصريحات الجريئة / الغريبة نوعاً ما، التي يطلقها بين فترة وأخرى، إذْ لم يسلم منه نجيب محفوظ عندما قال عنه بأنّه حاز نوبل لأنّه بارك كامب ديفيد وزكّى السادات، والطاهر وطار أيضاً عندما أتهمه بأنّه أصبح كاتباً عقيماً، وكذلك آسيا جبار عندما قال عنها بأنّها تقدم خدمات جليلة لفرنسا من خلال كتاباتها، إلى أن صرّح ذات مرّة قائلاً" أنا الكاتب الكبير والمبدع الوحيد."‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية