تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


فردوس... شركاء... في تنمية المجتمع الريفي

تحقيقات
الأربعاء 15/3/2006
نهلة اسماعيل

عملية التنمية هي تحول واسع في بنية المجتمع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بشكل يلبي حاجاته وتطلعاته المستقبلية

ويتناسب مع البيئة المحيطة. غير أن الوصول للتنمية المستدامة, وإنجازها في المجالات المتعددة ( الاقتصادية , والاجتماعية والثقافية الواسعة النطاق ) تعد مهمة صعبة وباهظة التكاليف لكنها ليست بالضرورة مستحيلة ...‏

وتعتمد التنمية على تعبئة الموارد البشرية رغم أنها تتم ضمن خطوات بطيئة, إذ لايمكن إنجازها بسرعة, لأنها تتطلب درجة عالية وكبيرة من التطور والوعي الإنساني, لذلك كان المطلب الأساسي للتنمية وقبل كل شيء وفي أي مجتمع هو تطوير الإنسان ذاته آخذين بعين الاعتبار أن عملية التنمية تعتمد أساساً على تجاوب الفرد مع ذاته ومتطلباته وبقدر تفهم الفرد وتحديده لهذه المتطلبات وتجاوبه معها تكون عملية التنمية أكثر تسارعاً وفاعلية.‏

من هذا المنطلق كانت استراتيجية الصندوق السوري لتنمية الريف ( فردوس ) منذ تأسيسه في تموز من عام ,2001 حيث عمل على تقديم المساعدة للناس, ليساعدوا بالمقابل أنفسهم, بدءا من تنظيم المجتمعات وتقويتها , وتدريب لجان محلية تستطيع أن تحدد احتياجات القرى التي تمثلها, ومتطلبات تطورها, إضافة إلى خلق شراكة مع المنظمات المحلية والدولية لتحقيق هذه الاحتياجات, اخذين بعين الاعتبار بان فردوس ليس مؤسسة تمويلية, ولا منظمة مطلبية, ولايقوم مقام الدولة, رغم تعاونه مع قطاعاتها المختلفة, ضمن أهدافه العامة في تنمية المجتمعات الريفية, لتحسين نوعية الحياة, وتشجيع المواطن للاعتماد على الذات, و العمل المشترك, بهدف تحقيق الاستقرار في المجتمعات الريفية , والحد من الهجرة إلى المدينة ...‏

وقد استطاع فردوس خلال الأعوام الخمسة السابقة تطوير استراتيجية ضمن المعطيات العامة, و ضمن خصوصية مجتمع له عاداته وثقافته وتراثه. وكان من أولى استراتيجيته التنمية, كما ذكرت السيدة عواطف شورى مديرة تنفيذية في القرية لبرامج الإقراض والتعليم في فردوس, والذي يعد بطبيعته عملية بطيئة, ولكن بمفهومه العام, يهدف إلى تكوين إنسان جديد, بآفاق جديدة, ومهارات جديدة, وأهداف جديدة, تؤدي بالمحصلة لتطوير المجتمع الريفي, ليكون فاعلا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا. وتضيف السيدة شورى: إن ما يسعى إليه فردوس, هو العمل التنموي المتكامل لتعزيز التنمية الريفية في مجالات عديدة, والعمل على التنمية الريفية بمشكلاتها المتعددة رغم اختلاف الطبيعه الجغرافية والبيئية والثقافية والاجتماعية من منطقة لأخرى الذي يزيد من صعوبة تحقيق هذا الهدف.‏

مفاهيم وأهداف طموحة‏

استطاع فردوس خلال مسيرته , ترسيخ مفاهيم تنموية متعددة في المجتمعات الريفية وبطريقة غير مباشرة, ووضحت السيدة شورى أن تحقيق ذلك يتم بتحفيز المجتمعات على البحث والدراسة والتنظيم, فعلى سبيل المثال ضمن برنامج القروض, لم تقدم القروض إلى المستفيدين من القرض مباشرة , وإنما كان فردوس يشترط على المواطن الراغب بالحصول على قرض, أن يقدم مشروعه مرفقا بدراسة الجدوى الاقتصادية له, ووضع الاحتمالات المتعددة للتكاليف والأرباح, على أن يتابع فريق العمل المختص في فردوس الإجراءات اللازمة للتأكد من احتمالات نجاح هذا المشروع.‏

كما قدم فردوس رؤى متجددة لقيم إنسانية نبيلة بقيت متوارثة على مر الأجيال مثل التكامل, والتضامن الاجتماعي والعمل المشترك, والتي تجلت في أكثر من رواية وأكثر من مثال كما تقول السيدة شورى التي تضيف قائلة:‏

هذه هي المعاني التي يسعى فردوس لترسيخها, إضافة لأهداف أخرى متعددة, مثل مساعدة شرائح مختلفة من أبناء القرى على رفع مستواهم المعيشي من خلال مساعدتهم على إقامة مشاريع تنموية, وإحياء التراث الريفي, وتنمية العلاقات الإنسانية السامية المهددة بالاختفاء, وهي جميعاً من الأهداف الإنسانية النبيلة لقرى فردوس.‏

البدايات‏

في عودة للبدايات, نرى أن فكرة فردوس ظهرت بعد سلسلة من الزيارات التي قامت بها السيدة أسماء الأسد إلى عدد من القرى السورية واجتماعاتها المتعددة مع سكان الريف, واستماعها لهم, و لمشكلاتهم, وتطلعاتهم في جو من الصراحة والتواضع والوضوح, واستطاعت من خلال هذه الزيارات تحديد العثرات, والصعوبات, والنقاط الأساسية التي تدفع ابن الريف إلى الهجرة إلى المدينة. ومن هذه الزيارات بدأت الأفكار تتضح لتأسيس منظمة غير حكومية تعنى بدفع عملية التنمية في الريف السوري من خلال تطبيق تجارب رائدة على أن يتم تعميم هذه التجارب على مناطق أخرى من الريف السوري ويتم متابعتها بعد ذلك من قبل الجهات المختصة. وتم على هذا الأساس إنشاء الصندوق السوري لتنمية الريف, فردوس, وتم تحديد أهدافه ومحاور عمله, وبدأ الجميع فيه بالعمل كمتطوعين لتنفيذ مشاريع بسيطة قبل أن يتحول العمل إلى مراحل متقدمة والفريق الصغير إلى منظمة حقيقية, بدأت تلعب دوراً فاعلا في عملية التنمية للريف السوري.‏

وكان من بين الأهداف التي قام عليها فردوس, إحياء القيم الإنسانية والعادات والتقاليد المتوارثة التي تنسجم مع طبيعة المكان والزمان, وتغيير المفاهيم المسيئة للمجتمع, وتفعيل دور المرأة. ولعل هذا الهدف كان الأكثر حضوراً خلال المرحلة السابقة, فقد كان من الصعب جدا مشاركة المرأة, وحضورها الملتقيات, والاجتماعات, والمشاركة في الفعاليات, وإبداء رأيها, باعتبار أن العادات والتقاليد الموروثة كانت تمنعها من ذلك. لقد تبنى فردوس مفهوم مشاركة المرأة التي تشكل نصف المجتمع, لتصبح فيما بعد مشاركة فعالة, لها كلمتها, وحضورها وكيانها, وتشارك الرجال في النقاش, وصنع القرار, ما عزز ثقتها بنفسها ودعم دورها في المجتمع الذي تنتمي إليه.‏

احتياجات‏

على ماذا يعتمد فردوس في نشر وتطبيق أهدافه ? سؤال ليس بالسهل . فعمل فردوس موجه للقرى النامية التي تحتاج إلى الكثير من العناية والدعم والتواصل. ومن هنا تكمن صعوبة العمل وخصوصيته, كيف استطاع فردوس أن يتجاوز هذه الصعوبات? وكيف حقق أهدافه ليشمل عمله على مدى خمس سنوات ستين قرية ???‏

> تقول السيدة عواطف شورى : يعتمد فردوس على لجان التنمية الموزعة في القرى, والتي تنظم لها ورشات عمل تدريبية ,تعطى فيها محاضرات بعناوين مختلفة , لتأهيل أعضاء اللجان, ليقوموا بدورهم في التوعية, والتعريف ببرامج فردوس, وتلخيص أهدافه, وإكسابهم المهارات اللازمة للتواصل مع فريق العمل في فردوس من جهة وأبناء القرية التي ينتمون إليها من جهة أخرى. وعادة يساهم أعضاء اللجان, ومسؤولو القروض في اختيار العناوين ضمن محاور ثلاثة : الأول حول التدريب والتعليم, والثاني حول التمكين الاقتصادي, والمحور الثالث حول التنمية المجتمعية الثقافية والاجتماعية.‏

وعلى هذا الأساس أقام فردوس مؤخراً سلسلة من ورشات العمل بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية في عدد من المحافظات السورية كان آخرها في مدينة اللاذقية وشملت كلا من محافظتي القنيطرة واللاذقية.‏

المحور الاقتصادي‏

لعل المحور الأكثر فاعلية ضمن مجموع الخدمات التي يقدمها فردوس للمستفيدين من أبناء الريف السوري هو المحور الاقتصادي, حيث تم منح حوالى 152مليون ليرة سورية كقروض ل3500 مستفيد من ستين قرية خلال المرحلة السابقة. تم تسديد الأقساط بنسبة 100% ولم يكن هناك أي حالة تسرب, وهذا ما شجع فردوس للمتابعة في هذا المحور, ولكن بالاعتماد على أسس علمية واقتصادية أكثر فاعلية,حيث سيتم توزيع القروض في المرحلة القادمة ليتم استثمارها في مشاريع تعتمد في مضمونها على الحفاظ على الآثار, وإحياء التراث, وتشجيع السياحة, واستثمار الموارد الطبيعية بهدف تحقيق الاستقرار الذاتي لأبناء الريف....‏

ولكن كيف سيتحقق له الاستقرار???‏

تقول السيدة عواطف, يتحقق الاستقرار عن طريق تحسين وضعه الاقتصادي, وتحسين أنماط حياته, وتوعيته اجتماعيا, وثقافيا, وصحيا, وتطبيق برامج لمحو الأمية, ونشر المعلوماتية, والتي تلعب دورا أساسياً في تنمية الأفراد, لأننا لانستطيع الاعتماد فقط على التمكين الاقتصادي لتحسين أنماط حياته ..‏

دور كبير للطالب‏

ماذا حققت قرى فردوس في مجال التوعية ? وما الأسلوب الذي اتبعته? وما الاستراتيجية المستقبلية في هذا المجال??.‏

تقول السيدة عواطف: (العمل في هذا المجال اخذ حيزا كبيرا, نفذ على عدة برامج, أعدت بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية, موجهة لطلاب التعليم الإلزامي, وقد روعي فيها أن يكون للطالب دور كبير من خلال المشاركة في المعلومة, والبحث عنها, إضافة لتعليمه كيفية العمل الجماعي, والذي يقوي من شخصية الطالب, ويعزز ثقته بنفسه).‏

لم يغير فردوس من نمط تفكير المواطنين, وأسلوب حياتهم فقط, وإنما قدم لهم منحا دراسية غيرت الكثير في حياتهم. الطالب احمد ضاهر ضاهر من القنيطرة الذي تلقى منحة دراسية من فردوس يقول : إنها قد غيرت الكثير في حياتي, حتى أن أبناء بلدتي قد أصبحوا يقولون: إن الحصول على منحة فردوس الدراسية هو شيء عظيم لايمكن الوصول إليه من دون العمل والدراسة والتحضير. طبعا فردوس لم يقدم المال فقط, وإنما ساعد المستفيد في الحصول على المراجع, وعينت له من ساعده في كيفية الدخول إلى مجتمع المدينة...هذه المنح جاءت لتقدم فرصة للطلاب المتفوقين الذين لايمكنهم متابعة دراستهم لأسباب مادية , بهدف رفع السوية العلمية, ودعم التعليم في الريف, ولتخفيف الأعباء المادية عن أهالي الطلاب المتفوقين, ولخلق حالة من الوعي بأهمية العلم كجزء من التنمية وبلغ عدد المستفيدين من منح فردوس 70طالبا من أغلب المحافظات .‏

أولويات‏

لكل عمل أولوياته, ولكن في مجال التنمية, وبالتحديد تنمية الريف, وضمن خصوصيات الريف, تبقى الاولويات مختلفة.‏

> عن هذه الاولويات يقول الدكتور عمر سليمان المستشار في قرى فردوس, والذي عمل في منظمة الصحة العالمية على مدى ثلاثة عقود من الزمان, إن التنمية الريفية تبدأ بتنظيم المجتمع, وبمبادرات تعتمد على الرؤية الواضحة له, وان يقوم أفراد المجتمع أنفسهم بتحديد احتياجاتهم , ووضع لائحة بالاولويات المطلوبة. والاهم أن يكونوا مستعدين للعمل الجماعي لتحقيق هذه الاحتياجات. طبعا لابد أن يكون هناك تدريب منهجي للأفراد والمجموعات, وخاصة في مجال المعرفة, واكتساب المهارات, وتمكينهم من تنفيذ هذه الاولويات, والتي تختلف من مجتمع لآخر, ومن قرية لأخرى. ولكن من خلال اطلاعي على واقع هذه المجتمعات, أرى أن البنية التحتية الأساسية التي يمكن أن تنطلق عملية التنمية منها متوفرة. ويبقى الأهم تحسين نوعية الإنسان نفسه, وتطوير أنماط الحياة الايجابية عنده, وتحسين نوعية المؤسسات الخدمية .‏

فردوس..انتشار واسع‏

حقق فردوس خلال السنوات الخمس الماضية انتشارا واسعا. ولكن هل لهذا الانتشار اثر سلبي لتوسيع عمله ? وهل كان من الأفضل أن يحدد عمله في عدد من القرى لتكون الفائدة أفضل?‏

الدكتور سليمان الذي يعتبر نفسه بأنه ليس متابعا لعمل فردوس من بداياته, وإنما هو مستشار يقدم خدماته من وقت لآخر, قال: يمكن أن اقدر حسب معرفتي في سورية, أن فردوس هو أول منظمة غير حكومية استطاعت أن تنتشر بهذا الحجم الضخم, وان تدخل في هذا العدد الكبير من القرى, وان تقوم بالكثير من الأعمال التي تصب في أهدافها. واستطاع فردوس في القرى التي عمل بها, أن يغير من سلوك أفرادها, ويحفز عندهم الاعتماد على الذات, ويدفعهم للعمل على الاكتفاء الذاتي, وتحسين أنماط الحياة, وتحقيق الهدف الأهم في الاستقرار الحياتي . ومن هنا نرى أن فردوس من خلال تحقيق أهدافه الشاملة والمتكاملة, طبق عاملين أساسيين ,هما التنمية والتطوير. أما بالنسبة لتوزيع العمل على قرى متعددة, أرى أن المنظمات غير الحكومية, تتوزع وتنتشر حسب إمكانياتها, ولكن من الصعوبة أن نقول أن هناك منظمة غير حكومية يمكن أن تطرح مشاريع تنموية أو حلولا متكاملة لبلد بالكامل, وإنما تختار بعض المجتمعات الأقل حظا في التنمية, والتي تتجاوب مع البرامج التي توضع لها, وتنفذ فيها هذه البرامج. وبالتأكيد استيعاب هذه البرامج وتنفيذها, يتطلب توفر معايير محددة في اللجان, منها قدرتهم في قيادة العمل التنموي بعد إقامة ورشات تدريبية لهم, مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف البيئة الاجتماعية والثقافية لكل منطقة .‏

أسس النجاح‏

أما عن أفكار فردوس وإمكانية تطبيقها على ارض الواقع ضمن متطلبات واحتياجات المجتمعات بما يتناسب مع الموارد الطبيعية لها يقول الدكتور سليمان: لايعتمد فردوس على تقديم القروض والتي تعد إحدى السبل التي تستغلها لتحسين حياة الناس, بل الأهم أن فردوس يبذل جهوداً لتوجيه المستفيد من هذه القروض في مشاريع تتناسب مع البيئة المحيطة به, ويتم ذلك بتوجيه من لجان التنمية, والخبراء, بالدراسة, ووضع الجدوى الاقتصادية للمشروع, التي تساعده في نجاحه,وتسويق منتجه بطريقة عملية.‏

التحدي‏

التنمية عنوان كبير, والسؤال هو هل إدخال التكنولوجيا والتقنيات العلمية الحديثة إلى المجتمعات النامية التي ينقصها الكثير من الخدمات تعد من الاولويات ???‏

الدكتور سليمان يرى بان التحدي الأكبر في التنمية ,هو عملية التزاوج بين التكنولوجيا والتقنيات الحديثة, وبين الواقع الحياتي في الريف. فمن حق أبناء الريف الاستفادة من التقنيات,إضافة لحقهم في تحديد اهتماماتهم, سواء كانت اجتماعية, أو ثقافية, اوغيرذلك. وفردوس يعمل في كلا الجانبين, التنمية من جهة, ودعم فرصة إدخال تكنولوجيا حديثة تسرع من عملية التنمية, وتسهم في نقل هذه المجتمعات لتواكب مفاهيم العصر الحديث من جهة أخرى.‏

تنمية الموارد الذاتية‏

تنمية الموارد الذاتية والبيئية هي جزء من عملية التنمية, وهي الخطوة الأولى كما وصفها الدكتور سليمان في الشراكة بين أبناء المجتمع الواحد, والتي تكون بتنظيمهم, وتوسيع مداركهم من خلال القيام بأنشطة تدريبية لازمة لهم, وعن طريق تقوية اللجان لاستكشاف الإرث الحضاري, والعمل على تنميتة بإدخال التقنيات الحديثة التي لاتتعارض مع هذا الإرث من ثقافة, وعادات, وتقاليد ايجابية, وبعدها يمكن التدخل في الدعم الذي يحتاجه هذا المجتمع لتقويته, وتنظيمه, وتفعيلة, وتطوير العمل الجماعي بالتعاون والتكامل بين أعضائه, وتحفيزه بطرق متعددة سواء عن طريق الدعم التقني, أو المالي ,أو الفني, أو الإداري, أو البحثي, أو غير ذلك . ولنجاح عملية التنمية, لابد من تحقيق الاحتياجات التنموية الأساسية, واستكشاف واستعمال مداخل مناسبة للمجتمع, وتحديد وتحليل المخاطر المتوقعة, والعمل على حلها, وتحديد العوامل الداعمة للتنمية, وتقويتها. ولايمكن تجاهل احتياجات المواطنين, وتحديد اهتماماتهم ورغباتهم وطموحاتهم لتحقيقها, وغيرها من الأمور الهامة, كتطوير قاعدة بيانات ترتكز عليها التنمية في تطبيقها, إضافة لتنظيم المجتمع وتحديد الأدوار, حيث تقع مسؤولية التنمية على الجميع من لجان التنمية في القرية, إلى القطاعات الحكومية, والمنظمات الشعبية والحزبية وغيرها .‏

هدف مشترك‏

مما سبق يظهر دور الفريق القطاعي الداعم, والذي يتحدث عنه المنسق في قرى فردوس في محافظة اللاذقية السيد معن ابراهيم , ويعرفه بأنه مجموعة الأفراد الذين يمثلون قطاعات الدولة على مستوى القرية, والمحافظة, يقدمون الدعم للمجتمع. ويتألف الفريق من عدة أفراد يجمع بينهم هدف مشترك, يمثلون القطاعات الحكومية ذات العلاقة بالتنمية ( الصحة والتعليم والخدمات الفنية والهاتف والمياه والكهرباء والبلديات والثقافة والسياحة ....) حيث يقدم الممثلون الدعم الفني والإداري والتمثيلي لعمل التنمية...‏

شركاء‏

ليس من السهل تفعيل ممثلي القطاعات الحكومية لتنفيذ خدمات اغلبها ليست ضمن خططهم السنوية, لذلك لابد من طريقة لتفعيل دورهم .‏

> عن الطريقة قال السيد معن ابراهيم: تكون بداية بالاتصال برؤساء الدوائر لهذه القطاعات, وإقناعهم باستراتيجية برامج فردوس لتنمية المجتمع, ودعوتهم ليكونوا شركاء في عملية التنمية. وبعهدها يتم تكوين الفريق على مستوى المحافظة, ومن ثم توجيه ممثليهم على مستوى القرى, لتشكيل فريقهم القطاعي القروي.. طبعا يتم بعدها شرح أهداف ورؤية فردوس, وإشراكهم في تطوير خطة التنمية وتنفيذها.‏

وعن المشاكل التي يمكن أن تعترض عمل الفريق قال : عدة مشاكل يمكن أن تعترض عمل الفريق أهمها عدم قناعة الفريق بشكل عام في المشروع, وقلة الإمكانيات التمويلية لممثلي هذه القطاعات, إضافة لقلة خبرة ومؤهلات ممثلي الفرق.. كما أن عدم قبول أعضاء المجتمع التعاون مع الفريق أو العكس يشكل مشكلة تؤثر على تنفيذ الخطط, وبالتالي على التنمية, إضافة إلى عدم وجود مسؤولي القطاعات على مستوى القرية أو اغلبهم بشكل كاف .‏

مسوحات ميدانية‏

تنوعت المشاريع الخدمية المشمولة برعاية (فردوس)ويختلف تنوعهاحسب احتياجات كل منطقة . عن المشاريع في محافظة اللاذقية وعدد القرى المشمولة في هذه الرعاية تحدث السيد معن : بأن القرى المشمولة بالرعاية 16 قرية ضمن ثلاثة قطاعات بلدية هي :‏

- بلدية بستا في منطقة الحفة.‏

- بلدية ديروتان في منطقة القرداحة.‏

- بلدية عين التينة في منطقة الحفة.‏

ويبلغ مجموع السكان لهذه القرى حوالي 13500 نسمة موزعين على 1500 أسرة أما المشاريع المنفذة فيها فكانت في المجال الخدمي والتعليمي والمعلوماتية اضافة للقروض وغيرها وتم اختيار المشاريع بعد اجراء الدراسات والمسوحات الميدانية للقرى المستفيدة بمشاركة افراد المجتمع المحلي من ممثلي الأحياء ولجان التنمية .ففي مجال المشاريع الخدمية ومن خلال التنسيق مع بعض الجهات في القطاع الداعم نفذت العديد من المشاريع منها إرواء بعض القرى العطشى وشق طرق زراعية وصيانة ثانويتي بستا وديروتان من قبل فردوس بالتعاون مع المجتمع المحلي وافتتح مراكز معلوماتية ثابتة إضافة لإقامة دورات متتالية لمختلف الأعمار في القرى.‏

وعن المشاريع وطبيعتها ومدى نجاحها قال:‏

تم تنفيذ العديد من مشاريع القروض وعلى مرحلتين في هذه القرى وتنوعت حسب رغبة الأسرة وحاجة المجتمع منها مشاريع فردية على مستوى الأسرة ومشاريع جماعية ( مشتركة بين مجموع أسر) ومشاريع مجتمعية تخدم أبناء القرية كافة..وقد حققت اغلب المشاريع نجاحا وخلقت فرص عمل بالقرية اضافة الى توفير بعض ماتفتقده او قد تحتاجه القرية وغير متوفر فيها اوفي محيطها لبعدها عن مراكز المدن ويضيف ان المهم في هذه المشاريع هو استمراريتها وتحسينهامن قبل المستفيدين والذي يتطلب اعادة تقييم لكافة هذه المشاريع في القرى مدى نجاحها - الايجابيات -السلبيات - منعكساتها على الاسرة والمجتمع ...‏

وعن المبادىء الأساسية في عمل فردوس قال: الديمقراطية والمساواة بين المرأة والرجل وقد عمل فردوس على تلك المبادىء عمليا من خلال انتخابات ممثلي الأحياء ولجان التنمية وقد أعطى تمثيل المرأة في هذه اللجان بعدا تنمويا مهما في حياة الأسرة والحي والمجتمع كاملا.‏

-.. وقد قدم فردوس من خلال ورش العمل التي اقيمت مؤخرا في اللاذقية رؤية متطورة لعمله تناسب واقع القرى لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة بين الريف والمدينة لان هناك معادلة مهمة برأيي فما ينتجه الريف تحتاجه المدينة استهلاكا او صناعة وبالعكس, فالتنمية حلقة متكاملة للاستفادة من الموارد الطبيعية والموارد البشرية والمتوفر في الريف وبالتأكيد يرتبط هذا بالصنف والنوع وجودة المنتج -الفرز والتصنيف والتوضيب واخيرا التسويق والذي يتطلب آلية عمل وتأهيل وارشاد ..‏

ولابد اخيرا من تعميق مفهوم التنمية لابناء المجتمعات المحلية وتحفيزهم لاستغلال مواردهم وامكانياتهم بايجابية, والاهتمام اكثر بواقعهم ومساعدة انفسهم وتعاونهم ليتم مساعدتهم لتكون القرية اسرة واحدة, والاهم المحافظة على المشاريع والخدمات التي تقدمها الدولة لهم في كافة المجالات لانها اساس في نهوض عملية التنمية بشكل كامل .‏

تجارب ناجحة‏

بالمحصلة, قدم فردوس على مدى السنوات الخمس الماضية العديد من التجارب الناجحة التي كان لها أثر واضح في عملية التنمية المستدامة في المجتمع الريفي, كما خرج فردوس بالكثير من الدروس والأفكار التي يمكن الاستفادة منها مستقبلاً لتعميم هذه الحالة وجعل كافة القرى السورية هي بمثابة قرى فردوس. وعلى سبيل المثال قام فردوس بالتعاون مع منظمة الاسكوا وهيئة تخطيط الدولة ووزارة الاتصالات والتقانة, بتطبيق مشروع نموذجي, يؤمن زيادة في فرص العمل, ويخفف من حدة الفقر باستخدام عدد من التقنيات الحديثة, مع المحافظة على البيئة. ويتألف المشروع من مكونين الأول يقول عنه السيد سنان سليمان أنه مركز متعدد المهام للتكنولوجيا , ويتمثل دوره في نشر وعي المعلوماتية بين أفراد المجتمع المحلي.. وقد بدأت الدورات للطلاب في المركز في كانون أول العام الماضي بعد تدريب وتأهيل الكوادر اللازمة, والثاني وحدة تصنيع الألبان.. وتعتمد هذه الوحدة التركيز على إعطاء المادة الأساسية (الحليب ) قيمة مضافة باستخدام تقنيات البسترة الصحيحة الحديثة, ونفذ هذا المشروع في قرية القصيبة التابعة لمدينة القنيطرة, وسيبدأ العمل فيه خلال ثلاثة اشهر بعد استكمال إنجازه, وخاصة انه تم تأهيل و تدريب الكوادر التي ستعمل به, والذي من المتوقع أن يبدأ العمل بالفعالية القصوى فيه خلال ال 6 اشهر القادمة... ويستفيد منه نساء قرية القصيبة والقرى المجاورة, وسيشرف فردوس على المشروع لمدة سنة, لتنتقل ملكيته وإدارته لاحقا إلى المجتمع المحلي .. ومن المتوقع أن يقدم هذا المشروع منتجات فريدة من نوعها في السوق.. ولابد من الإشارة إلى أن هذين المشروعين, يشكلان مشروع التجمعات الذكية بحيث يدعمان ويغذيان بعضهما البعض بشكل تكاملي, حيث يتم تغطية تكاليف المشروع الأول من خلال أرباح المشروع الثاني بينما يستخدم هامش الربح لتحقيق الاستدامة للمشروعين سوية من خلال الاكتفاء الذاتي.‏

في النهاية, فردوس يقترب رويداً من الاحتفال بالذكرى الخامسة لتأسيسه, وفيما يبدو أن النشاط الذي قام به فريق العمل خلال المرحلة السابقة سوف يتواصل بوتيرة أعلى, فإن المبادرة الرائعة التي بدأت في تموز من عام ,2001 قد تحولت بالفعل إلى منظمة حقيقية, تعمل بجهد لافت وخطوات متسارعة لتقدم في كل يوم جديد شيئا جديدا يضاف إلى مسيرة هذا الفريق المتنامي, الذي وضع نصب عينيه القيام بدوره كاملاً, كل حسب اختصاصاته وإمكاناته, للعمل كشركاء حقيقيين في عملية التنمية للمجتمع الريفي.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية