تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


أشكال المكان في الرواية السورية

ملحق ثقافي
29/7/2008م
نذير جعفر

لقد أطلق باختين على العلاقة الجوهرية المتبادلة بين المكان والزمان مصطلح chronotope «كرونوتوب» أي «الزمكان».

ويشير هذا المصطلح إلى انصهار علاقات المكان والزمان في العمل الروائي بشكل ُمدرك وُمشخّص. فالزمان «يتكثّف, يتراص, يصبح شيئا فنيا مرئيا, والمكان أيضا يتكثّف, يندمج في حركة الزمن والموضوع بوصفه حدثا أو جملة أحداث التاريخ. وعلاقات الزمان تتكشّف في المكان, والمكان ُيدرك وُيقاس بالزمان. هذا التقاطع بين الأنساق, وهذا الامتزاج بين العلاقات هما اللذان يميزان الزمكان الفنّي»(1). وفي دراسة «المكان» في الرواية السورية, لا بدّ من النظر إليه وفق الفهم والاحتراز الباختيني السابق, أي في سياق ارتباطه العضوي بالزمن الفنيّ. وإلا نكون قد قمنا بعملية فصل متعسّف لوجهي عملة واحدة. والمكان الفنيّ في الرواية بأبعاده الفيزيائية, والهندسية, والجغرافية, والتاريخية, والنفسية, والموضوعية, والذهنية, والجمالية, هو غير المكان الواقعي, حتى لو كان صورة عنه. كما أنه يتميّز عنه بفضائه التخييلي, وديمومته, وخلوده, وإمكانيات تأويله, وسهولة التواصل معه(2). وقد احتفت الرواية السورية أيما احتفاء بالمكان, بدءا من عناوينها, وانتهاء بفضاءاتها الواقعية والمتخيّلة, وإحالاتها الرمزية والأسطورية والدلالية. ـ المكان بوصفه عنوانا: العنوان «علامةٌ لغوية, تتموقعُ في واجهة النّص, لتؤدَّي مجموعة وظائف تخصُّ أُنطولوجية النَّص, ومحتواه, وتداولـه في إطار سوسيو ـ ثقافي خاصَّ بالمكتوب. وبناءً على ذلك, فالعنوان من حيث هو تسميةٌ للنص وتعريفٌ به وكشفٌ له, يغدو علامة سيميائية, تمارس التدليل, وتتموقع على الحدِّ الفاصل بين النصّ والعالم, لتصبح نقطةَ التقاطع الاستراتيجية التي يَعْبرُ منها النصُّ إلى العالم, والعالم إلى النصِّ, لتنتفي الحدود الفاصلة بينهما, ويجتاح كلٌّ منهما الآخر (3). ومن هنا فإن عنونة الرواية بما يحيل على المكان سواء ما دل على اسم واقعي مشخّص أم على معنى ذهني مجرّد, وسواء أكان متعيّنا أم لامتعيّنا, ومنفتحا أم منغلقا,ومعاديا أم أليفا, وضاغطا أم مؤنسا, مدينيا أم ريفيا, فهو يشير إلى الأهمية الجغرافية والتاريخية والرمزية والدلالية لهذا المكان من ناحية, وإلى ما يمثّله في الوعي والذاكرة الجمعية من ناحية ثانية, وإلى ارتباط الشخصيات والأحداث به من ناحية ثالثة, وإلى أهميته لدى الكاتب من ناحية رابعة. وامتثالا لهذا التصوّر ُعنونت بعض الروايات السورية بأسماء أماكن واقعية أو متخيّلة. فقد جاءت الرواية السورية الأولى للكاتب فرنسيس المرّاش «1836 ـ 1873 م» تحت عنوان: «غابة الحق ـ 1865». وهو عنوان يحيل على مكان متخيّل, وتؤدي علاقة الإضافة في صيغته التركيبية بين «المادي» و«المعنوي», أو«المشخّص» و«المجرّد», أو« المكان» و(المفهوم) وظيفة التعريف والتخصيص من جهة, وتحقّق شعرية العنوان الذي يستثير المخيّلة ويبعث على التأمل من جهة أخرى. فـ« الغابة» بوصفها فضاء مكانيا مشخّصا تحيل دلاليا على شريعة التوحش, لكن اقترانها بمفهوم " الحق " المجرّد يوسّع حدود هذه الدلالة لتشمل حلم المؤلف بالانتقال من دولة التوحش إلى دولة الحق والتمدّن. وتتالت الروايات التي اتخذت من المكان عنوانا, ومنها «وداعا يا أفاميا 1960» لشكيب الجابري «1912 ـ 1996» الذي يحيل على الدلالة التاريخية والحضارية لهذه المدينة الأثرية, و«في المنفى1962» لجورج سالم «1933ـ 1977 م», و«شتاء البحر اليابس 1965» لوليد إخلاصي, وهما يحيلان على مكان مجرد يتناغم مع النزعة الوجودية في الروايتين, و«دمشق الجميلة 1976» لأحمد يوسف داوود, و«موزاييك دمشق39ـ 1991» لفواز حداد, اللذان يحيلان على فضاء مدينة دمشق في فترتين تاريخيتين مختلفتين. و«بلد واحد هو العالم ـ 1985» لهاني الراهب, الذي يؤمكن العالم كله في فضاء بلد واحد, و«حدث في بيتاخوـ1995» لحنا مينه التي يشير عنوانها إلى الفضاء الآخر «الغربي», و« مقهى القصر2004» لفيصل خرتش, و«جبل السيّدة2008 » لنيروز مالك, وهما عنوانان لمعْلمين من معالم حلب المكانية. ويمكن للدارس أن يذكر عشرات العناوين التي ترتبط بالمكان, وهي مجال لدراسة خاصة بها في غير هذا المقام. ـ المكان بوصفه فضاء روائيا: كما تخترق العلاقات المكانية / الزمانية الواقع الحياتي والمعيشي للناس فتدخل في نسيج وعيهم ولاوعيهم, وتشكل الفضاء الرحب للحلم والذاكرة, فإنها تخترق البرنامج السردي أيضا في كل عمل روائي. فلا أحداث, ولا شخصيّات, خارج المكان الروائي, حتى لو كانت هذه الشخصيات والأحداث محتملة, أو متخيّلة, أو في عالم ميتافيزيقي محض. ففي رواية «المهزومون ـ1962» لهاني الراهب«1939 ـ2000» تتواشج علاقات الزمان بالمكان فتلقي بظلالها على دمشق واللاذقية كأمكنة متعيّنة في ذلك الوقت فنتلمس معالم دمشق القديمة التي بدأ يغزوها العمران الجديد والشوارع المكتظة بالناس والحافلات. وترد أسماء عدة مثل قاسيون والمهاجرين والحجاز وخمارة «بقلة» ومقهى «الهافانا» والنادي والجامعة, و لكنها تظل في إطار الاستعراض العابر الذي لا يكشف عن جماليات هذه الأمكنة وعبقها باستثناء ما تحظى به المآذن من اهتمام. وإذا كانت الفضاءات المفتوحة مثل الشوارع والساحات والحدائق تشكّل نقاط ارتكاز رئيسة للقاءات العامة, فإن بعض الفضاءات المغلقة مثل الغرفة, والممر, والسقيفة, تشكّل لحظات تحول في مسار الشخصية, وغالبا ما تكون مشحونة بتوتر نفسي عال, وظلال لا تمحى للقاءات العاطفية التي كانت تجمع بين بطلي الرواية: «بشر» و«ثريا» على وجه الخصوص . وفي الوقت الذي تبدو فيه دمشق فضاء محبّبا ومحفّزا ومتعدّد الأطياف, فإن اللاذقية تبدو فضاء مثيرا للشجن والإحساس بالحزن والوحدة والرتابة. أما في روايتيه: «بلد واحد هو العالم», و« خضراء كالحقول», فيحضر المكان اللامتعيّن بفضاءاته المتعدّدة, مثل: الساحات, والأزقّة, والأقبية, والعتبات, وهي الأماكن التي تمرّ بها عادة الأحداث العاصفة, ولحظات الانعطاف الحادة في مصائر الشخصيّات. كما يحضر بصوره الأليفة, والمنفتحة: «الحقول, الشلال, القرية», وصوره المعادية والضاغطة «العمارات الكالحة, المقاهي, المطابخ». وعلى الرغم من وجود قرائن تدل على هوية المكان اللامتعيّن, إلا أنه يظل غامضا, ومنفتحا على التأويل, مما يمنح الأحداث والشخصيات والفكرة والصراع أبعادها الشمولية. وفي «دار المتعة» لوليد إخلاصي, تحضر «المنتصرة الكبرى» التي تشكّل الفضاء المكاني للأحداث, والشخصيات, والصراع. وهذه المدينة كما تُقدّم من خلال الوصف تشبه مدينة حلب في موقعها الجغرافي, ونظامها العمراني, ومركزها السياحي, حلب القديمة بقلعتها وأسوارها وتلالها وبساتينها, وحاراتها, وعرباتها, وحكاياتها. وحلب الجديدة بشوارعها وأسواقها ومحطاتها. لكن هذه الصورة تختلط بالصور الأخرى المتخيّلة للمدينة, فتتشابك الصورتان وتضيع الحدود ما بينهما, فتتحول حلب إلى «المنتصرة الكبرى» ويتحول فيها «خان التنابلة المملوكي» إلى مطعم فرنسي تلحق به أركان مموهة لعرض أفلام الفيديو المثيرة, فيما تتحول بقايا قلعة النسور إلى مسرح في الهواء الطلق, وقاعة الفرسان إلى ناد عالمي للقمار, وأروقة التكية الشيبانية إلى دار لعرض الأزياء! وهذه المفارقة القائمة بين الأسماء والمسميّات, بين القديم والجديد, وبين الحاضر والمستقبل, تكشف عن التداخل العميق بين الواقع والمتخيّل من ناحية, وتسهم في التمويه الذي يجعل من المكان / المدينة موقعا لامتعيّنا تتحدّد جغرافيته ودلالته بحسب السياق الذي تتكشّف فيه لدى كل متلق من ناحية ثانية. ومن هنا يمكن أن تكون «المنتصرة الكبرى» هي حلب, أو دمشق, أو القاهرة, أو بغداد, أو الدار البيضاء, على سبيل المثال. ويلاحظ المتلقي مثل هذا التداخل بين الواقع والمتخيّل على مستوى المكان في روايات إخلاصي الأخرى, ومنها: «باب الجمر», و«زهرة الصندل» فيتعرّف إلى أحياء كثيرة بأسمائها الحقيقية أو المتخيّلة مثل: «حارة العين» و «حي الراس» و «حمام القمر» و«الأنصارية», وهي تحمل خصائص البيئة المحلية للكاتب. وفي «الزمن الموحش» لحيدر حيدر, تنتفي العلاقة الجدلية بين الشخصية الروائية وفضائها المكاني, ويتحوّل هذا الفضاء من حيّز موضوعي للتأثير والحركة, إلى مجرد مرآة تعكس مشاعر تلك الشخصية ورغباتها القلقة التي تتصارع داخلها. وبذلك يتلوّن الفضاء الروائي«دمشق»بتلوّن مشاعر الراوي منها, فهي مدينة الأنبياء تارة, ومدينة الملعونين تارة أخرى. وضمن هذا السياق تأتي رواية محمد أبو معتوق: «جبل الهتافات الحزين», حيث المكان ليس مجرد إطار للحدث يستأثر بالوصف الخارجي, بل غدا جزءا هاما في البنية الكلية للنص , وهذا ما يلمحه المتلقي بدرجة أكبر في تصوير كل من «الجبل» و«القلعة»اللذين يتلونان برؤية الراوي وبانفعالات بطله وحالاته النفسية, فيما تتحول القلعة كما يراها أبو الحسن أحد شخصيّات الرواية إلى رمز للأنثى الخالدة , وللبلاد التي لا تنحني, وذلك من دون أن تفقد جماليتها كمكان أليف يثير الصور والذكريات ويدعو إلى تعليق القراءة. وفي رواية «في المنفى» لجورج سالم يحضر المكان أيضا بوصفه فضاء لامتعينا , فضاء مجرّدا ينطبق على كل مكان محتمل الوجود. فالبلدة البعيدة التي ُينفى إليها المعلـم بلدة مجهولة, مقطوعة عن العالم, منزوية في منبسط من أرض لا تحدّها حدود. وهنا تحضر بوصفها رمزا فلسفيا مجرّدا لإقامة الإنسان المؤقتة, والمحكومة بالزوال. والساعة البيضاء القائمة في أول الشارع الكبير فيها هي العدّاد الذي ينظّم حياة الناس وينذر بالنهاية في آن معا. ومكتبتها الوحيدة بأمينها الأصم وكتبها الغارقة في الصمت والغبار صورة أخرى للموات الروحي والفكري الذي يخيّم عليها. أما الزمن الذي يخترقها فهو زمن مجرّد أيضا لا بداية ولا نهاية له, زمن سرمدي لا تاريخي, معزول عن التأثير في حياة أهل البلدة, ولا يتضمن أية تحولات بيولوجية أو سيكولوجية, لا لأن سكانها لا يشيخون, ولكن لأنهم أمثولة رمزية للحياة السابقة والحاضرة واللاحقة. وهكذا يتناغم المكان مع الزمان في تعزيز السؤال الأبدي الذي تطرحه الرواية عن معنى الحياة ومعنى الموت. تلك أشكال من تجليّات المكان في نماذج محدودة من الرواية السورية, مما تسمح به المساحة المخصّصة لهذه الدراسة ضمن ملف «المكان في الرواية», وهناك أشكال متعدّدة في الرواية الجديدة, تنتظر من يتوقّف عندها ويكشف عن آليات تبنينها واشتغالها داخل النّص.‏

ــــــــــــــــــــــ‏

الهوامش:‏

1 ـ بختين, ميخائيل ـ أشكال الزمان والمكان في الرواية ـ ترجمة يوسف حلاق ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1990 ـ ص 5ـ6.‏

2 ـ صالح, د. صلاح: قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر ـ دار شرقيات ـ القاهرة ـ 1997 ـ ص 15 ـ 19.‏

3 ـ حسين, د.خالد ـ القصّة القصيرة..وظاهرة العنونة ـ مجلة الموقف الأدبي - اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 422 حزيران 2006.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية