تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


بين ابن رشد وابن عربي

ملحق ثقافي
1/5/2007م
خضر الآغا

يجب التوضيح، بدءاً، أن التأويل، بما ينطوي عليه من قدرات حفرية في المعرفة، لم يعد مجرد عملية فهم نص ما، كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى، ولم يعد مجرد خطاب في الأدب، بل إنه طريقة في المعرفة، أو إنه سؤال معرفي.

وذلك رغم الانتقادات الحادة التي توجه له، على الأخص عندما يتعلق الأمر بالتأويل الذي يؤدي إلى تشتيت الدلالة وتبعثرها اللانهائي. ليونارد جاكسون، كمثال، يتهم كاترين بيلسي، حين قالت إن المعاني أثر للتأويل وليست أصلاً له، وإن التأويل ليس نسخاً لأي شيء خارج اللغة، بأنها تقيم "رجلاً من قش"، في إشارة إلى تبنيها مقولات ديريدا. لكن الملاحظ أن التأويل كان، على الدوام، منصباً على النص: أدبياً كان أم غير أدبي. بمعنى آخر كان منصباً على المنتج الإبداعي، ما حوله إلى ما يشبه نظرية في التلقي أو الاستجابة، وقد عرف في ألمانيا بـ "جماليات التلقي" أو " نظرية الاستقبال"، في انزياح ملحوظ باتجاه القارئ. إلا أن ميشيل فوكو خرج عن ذلك معتبراً أنه يطال الأشياء أيضاً، "فطبيعة العلاقة بالنصوص هي طبيعة العلاقة بالأشياء، هنا وهناك إشارات نتبينها" ميشيل فوكو وبول ريكور يعتبران أن ماركس ونيتشه وفرويد قد أسسوا لإمكانية قيام تأويل جديد. فوكو يرى أن ماركس، وبصفة خاصة في الجزء الأول من رأس المال، قام بتأويل القيم، فيما نيتشه أول الكلمات الإغريقية، أما فرويد فاللاشعور. ويعتبر ريكور أن الفكر الحديث منذ نيتشه إلى اليوم قد صار تأويلاً، وأن ماركس ونيتشه وفرويد يفسحون الأفق لصالح كلام أكثر أصالة، وذلك بواسطة إبداع ما يسميه "فن" التأويل". ظهر التأويل في البداية كتأويل للكتاب المقدس. واستمر، في الثقافة الغربية، على هذا النحو حتى القرن التاسع عشر، فانتقل من كونه تأويلاً للكتاب المقدس إلى أن طال النص بصورة كاملة. فكيف بدا عربياً؟ سأمثل للتأويل العربي بنموذجين يعتبران من كبار المفكرين الذين أسسوا للتراث المعرفي العربي في جانبه المضيء، إنما باتجاهين مختلفين: اتجاه المعرفة الذوقية ويمثله ابن عربي، واتجاه المعرفة العقلية، أو سيادة العقل ويمثله ابن رشد، وذلك في محاولة لقراءة الثقافة العربية الإسلامية بمستوياتها كافة، دون إقصاء نص التصوف أو إقصاء نص العقل، كما يجري عادة في الدراسات ذات الصلة، من حيث أن الأول يدرس كأن لاعلاقة له بثقافة العرب. ينطلق المفكران، بدءاً، من تأويل القرآن الكريم. لكن ابن عربي (والتصوف عامة) يوسع حدود التأويل ليطال عالم الأشياء كما سنرى. إن موضوع التأويل، عربياً، ليس هو الشيء أوالطبيعة، بل الخطاب حولهما، إنه، إذاً، اللغة. واللغة هنا هي القرآن الكريم (في حالات أخرى هي النصوص المتعلقة بالقرآن الكريم) وما اختلاف التأويل بين الفرق الإسلامية إلا تعبيراً عن اختلاف النظرة أو العلاقة مع اللغة: مفهوم الفيلسوف عن اللغة، وهو صوري ومنطقي، يختلف عن مفهوم البلاغي المرتبط ببيان له أصوله وقواعده النحوية والبلاغية، وموقفهما يختلف عن موقف المتصوف الذي يوسع مفهوم اللغة ليشمل عالم الأشياء. يعرف ابن رشد التأويل بأنه: "إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبهه أو سببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي". إنه يربط التأويل بالمجاز أو بالقدرة على العبور من المواضعة إلى المجاز. المجاز، حسب الجرجاني، "كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له". يفرق ابن رشد بين التأويل الظني والتأويل البرهاني. يخضع الأخير لضوابط صارمة تمنع الفكر من الوقوع في الخطأ. ويرد التأويل الظني إلى الفقهاء "إذا كان الفقيه يعمل هذا (أي يؤول) في كثير من الأحكام الشرعية، فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب العلم بالبرهان، فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف عنده قياس يقيني. ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه قضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب بها مؤمن (...) مامن منطوق في الشرع مخالف بظاهره لما أدى إليه البرهان. لا يقف ابن رشد عند ظاهر الآية القرآنية، إنه يلجأ إلى التأويل، ما يعني أنه يريد تجاوز المنطق الخطابي (منطق الحشوية) ليصل إلى البرهان العقلي، "إذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي". ويعتبر أن هذا هو أتم أنواع النظر بالقياس، وهو المسمى برهاناً، فهو يعطي الحق لـ "صاحب العلم بالبرهان" بالتأويل أكثر مما يعطيه للفقيه، من حيث أن الأول برهاني أما الثاني فظني. إن غاية التأويل هي البرهان الذي عبره يوفق بين الدين والفلسفة: إثبات الدين بالفلسفة، وإذا وجد بينهما تناقض، فإن التأويل هو الذي يحله. والحال، فثمة حدود يضعها ابن رشد للتأويل: أن يكون برهانياً يقينياً، وأن يقتصر على "الراسخين في العلم" دون "العوام". إنه يشن حملة كبيرة على من يسميهم أصحاب الجدل، لأنهم ليسوا أهل برهان من جهة، ومن جهة أخرى لأنهم نقلوا تأويلاتهم للعامة، فكانوا سبباً في التمزق الفكري والمذهبي في العالم الإسلامي. هذه الحدود التي شكلت عتبة ابستمولوجية لفكر ابن رشد، قادته لأن يضع في نهاية كتابه "مناهج الأدلة.." خاتمة بعنوان "قانون التأويل"، الغاية منه عدم كشف التأويلات أو الحقائق الفلسفية للعامة أو للذين ليسوا أهلاً لها، تتمثل هذه الغاية، حسب محمد أركون، باستخدام منهجية تربوية حذرة جداً، لكي لا ينحرف المؤمنون عن القانون الإلهي أو الشريعة. إن قانون التأويل العربي الذي ذكره ابن رشد كثيراً هو القانون الذي يجري على الجواز من المواضعة إلى المجاز. إذا كان ابن رشد طرح التأويل في علاقته بالمنطق الأرسطي، على أنها العلاقة الوحيدة الممكنة، فإن ابن عربي، بوصفه صاحب اتجاه آخر في العلاقة مع الثقافة العربية الإسلامية، طرح التأويل في علاقته مع اللغة. يعرف ابن عربي التأويل على أنه: "عبارة عما يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده في خياله" إن المقصود بعبارة "ذلك الحديث" هو الكلام الذي أدلى به "المتكلم" إلى متلق ما، وإن ضمير الغائب -الهاء- في كلمتي "عنده" و"خياله" عائد إلى المتلقي الذي يسميه ابن عربي "السامع". إنه إذاً ما ينتهي إليه كلام "المتكلم" لدى "السامع"، ويعتقد هذا الأخير أن ذلك المعنى هو ما يتضمنه، حقاً، خطاب "المتكلم". يبدو من خلال هذا التعريف أن مفهوم التأويل لديه واضح لالبس فيه، إذ إنه مجرد إرسال (رسالة) وتلق لها. لكن، في الحقيقة، ما إن يذهب في إيضاحه، وينقله من مستوى اللغة التي يتواصل بها الناس في علاقاتهم، إلى مستوى لغة القرآن الكريم، ويضع حدوداً له، حتى تلتبس الأمور كثيراً. الأمر الذي جعل بعض دارسيه ينفون عنه ميله للتأويل. فقد نفى عنه ذلك أبو العلا العفيفي، وهو من نشر "فصوص الحكم": أحد أهم كتب ابن عربي، فيما اعتبر نصر حامد أبو زيد أن ابن عربي طرح مستويات عديدة لفهم الكلام الإلهي عبر مفهومي الرمز والإشارة. وذهب آخرون إلى أنه لم ينكر التأويل بصفة عامة، بل أنكر ذلك التأويل الذي يتجاوز الظاهر، فهو ينفي وقوع المجاز في القرآن الكريم، حسب رأيهم، من حيث إن المجاز يتيح المجال لوجود ثنائية "ظاهر"– "باطن" كثنائية ضدية، بينما هو يقر بصحة كافة مستويات القراءة. إن الحد الأكبر عند ابن عربي، وهو الحد الذي يشترك فيه مع ابن رشد، هو منع التأويل عن "العامة" ومنحه "للراسخين في العلم"، يقول: "إن العوام (...) عقائدهم سليمة وإنهم مسلمون مع أنهم لم يطالعوا شيئاً من الكلام ولا عرفوا مذاهب الخصوم، بل أبقاهم الله على صحة الفطرة وهو العلم بوجود الله وتنزيهه على حكم المعرفة والتنزيه الوارد في ظاهر القرآن، وهم فيه على صحة وصواب ما لم يتطرق أحد منهم إلى التأويل. فإن تطرق أحد منهم إلى التأويل خرج عن حكم العامة والتحق بصنف من أصناف أهل النظر والتأويل". فهو يعرف التأويل، في هذا المستوى –مستوى العلاقة مع القرآن الكريم- على أنه "ما يؤول إليه حكم هذا المتشابه (أي الآيات المتشابهة في القرآن الكريم) فهو محكم عند من يعلم تأويله، وليس إلا الله والراسخين في العلم" إلا أنه ثمة فرق جوهري بينهما يتمثل في أن ابن رشد اشترط اليقين في التأويل من حيث منحه "لصاحب العلم بالبرهان" وهو البرهان العقلي، فيما ابن عربي يمنحه لمن يملك "الكشف الإلهي"، ولا يشترط اليقينية، يقول: "فإن الإنسان ينطق بالكلام يريد به معنى واحداً (...) فإذا فسر بغير مقصود المتكلم (...) فإنما فسر المفسر بعض ما تعطيه قوة اللفظ، وإن كان لم يصب مقصود المتكلم" فهو قد يصيب وقد لا يصيب. هذه النزعة الاحتمالية هي التي تحدد عملية التأويل برمتها لدى ابن عربي. إن الحل الذي اقترحه ابن رشد بشأن التأويل، حين اشترط أن يتأسس على البرهان المنطقي كي ينتقل من فضاء الاحتمال إلى دائرة اليقين، انتقده بشدة ابن عربي، حين اعتبر أن المفكرين الإسلاميين ظلوا يؤمنون بأن مواقفهم المعرفية تجاه القرآن الكريم ليست مجرد تأويلات احتمالية متغيرة، بل هي فهمه، أي تملك لحقيقته الإلهية، ما يعني أنها معارف مطلقة متعالية، مع ما ينتج عن ذلك من تحول التأويل إلى إيديولوجية تدعي امتلاك الحقيقة وتحجب التأويلات الأخرى. من هنا، فإن الصراع المذهبي الإسلامي هو صراع تأويلات، من حيث إن المفكر الإسلامي لا يقبل القرآن الكريم على ظاهره، بل، بحسب ابن عربي، "يؤوله بتأويل بعيد، فإيمانه بتأويله لا بالخَبَر (القرآن الكريم) ولم يكن له كشف إلهي". إذاً، ليس التصريح بالتأويلات هو سبب الصراعات المذهبية كما يرى ابن رشد، بل هو الخروج بها من الاحتمال الصوفي إلى اليقين البرهاني المنطقي الذي لا يملكه سوى الفيلسوف، بما ينطوي عليه ذلك من تكريس لسلطة الفلسفة التي تستبعد أنواع الخطابات الأخرى. وبالتالي نحن أمام ما يمكن تسميته "إيديولوجيا العقل". أما التأويل الاحتمالي فإنه يسمح للتأويلات الأخرى بالوجود كونه متعلقاً باللغة. أمام هذه الاختلافات في نظرة كل من الفيلسوف والمتصوف إلى اللغة والقرآن الكريم، وبالتالي إلى الوجود برمته، فقد وصف ابن عربي الفيلسوف بأنه "صاحب النظر" و"الحكيم المقتضب" الذي لا يتساوى مع الصوفي عند اختراق الأفلاك الثابتة والعالم الروحي والدخول إلى البيت المعمور. والحال، ليس التأويل مجرد عملية فهم نص أدبي، إنه طريقة في المعرفة. إن اختلاف التأويل يؤدي إلى اختلاف الموقف من العالم بما ينطوي عليه ذلك من قيم وسلوكيات لا تخص أفراداً فحسب، بل أمة.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية