تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


وعي الهوية في الفنون التشكيلية العربية

الملحق الثقافي
الثلاثاء 23-4-2013
د. رحيم هادي الشمخي-يتحرك الإبداع التشكيلي بمختلف تعبيراته وأشكاله داخل ثقافة عربية تتميز بتجاذب هائل بين التراث والمعاصرة وبين الذات والغرب،

بل إن الحركة التشكيلية من بين الممارسات الفنية والفكرية التي تواجه تحدي الغرب في كل مستوياتها، لاسيما وأنها بدأت في الظهور والنشوء من جراء اللقاء التاريخي اللامتكافئ بين المجتمع العربي والحداثة الغربية في تعبيراتها الهيمنية والاستلابية.‏‏

وبدون الدخول في متاهة الحديث عن شرعية أو عدم شرعية الصورة في الثقافة العربية ـ الإسلامية يمكن أن نشير وبشيء من الحذر، إلى أن الفنون التشكيلية العربية الحديثة والمعاصرة نسجت رموزها وصورها وأشكالها نتيجة الاحتكاك بالغرب وبمدارسه المختلفة التي زودت المبدعين العرب بالكثير من أدوات ممارستهم، حتى انتشر الفن التشكيلي العربي في كافة أرجاء الوطن العربي في أواسط القرن الماضي، واندمج، بشكل من الأشكال، في الحركة الثقافية العربية العامة.‏‏

ويلاحظ بعض المهتمين بالفنون التشكيلية العربية أن الفنانين العرب بعدما تخطوا مرحلة الاحتكاك المباشر بالغرب، وبعدما وظفوا وجربوا مختلف التيارات والاتجاهات والمدارس، فإنهم يعيشون في هذه الفترة ما أسماه البعض بـ «المرحلة الثالثة» أي تلك المرحلة التي ينخرط فيها الفنان في الحركة الاجتماعية والفكرية والسياسية لأمته. فالتحولات الكبرى التي شهدها الوطن العربي وجدت بعض تجلياتها المباشرة أو غير المباشرة في الممارسة التشكيلية العربية، الأمر الذي أدى بأغلب المبدعين العرب إلى إعادة النظر في طبيعة عملهم وإلى مساءلة مقومات هويتهم وخصوصيتهم وإلى التفكير في القنوات الملائمة لنسج علاقات تفاعلية مع الجمهور والمتلقي.‏‏

لا شك أن هذه المسألة تطرح موضوعات كثيرة للتفكير - كما للمعاناة بالنسبة إلى الفنان المبدع - فبالإضافة إلى نوعية الأسلوب الذي يسلكه التشكيلي في التعبير عن القيم الكبرى التي ينشدها المجتمع العربي في أفق تحرره ونهضته، تبرز، دائماً وباستمرار، على مستوى الممارسة، تلك العلاقة الإشكالية بين الشرق والغرب، لأن معظم الفنانين العرب وجدوا أنفسهم - وما زالوا - في مأزق فكري وفني يتعلق بنوع توظيف عناصر التراث وخزانه الرمزي الهائل وشكل استلهام التجارب المعاصرة في الممارسة التشكيلية.‏‏

كل ذلك إلى جانب مشكلة التواصل مع جمهور أو مع سياق ثقافي يتميز، كما سماه البعض، بنوع من «الأمية» البصرية» وبغياب الحساسية الجمالية والفكرية التي تسمح للمتلقي بالارتقاء إلى مستوى التجاوب مع الأعمال التشكيلية.‏‏

واقع الممارسة التشكيلية العربية باعتباره واقعاً إشكالياً على كثير من الأصعدة، حكم على المبدعين العرب بالاقتصار على القيام بأنشطة متفرقة لا تسعف هذا الفن الحديث على الانتقال إلى حركة لها منطقها المؤسسي ومرجعيتها الثقافية وسندها المادي والاجتماعي. وبالرغم من المحاولات المتكررة لجمع شمل الفنانين التشكيليين داخل اتحادات وجمعيات أو بإقامة معارض عربية جماعية، فإن هذه الجهود لم ينتج عنها أي شكل تشكيلي عربي يتحدى التجزئة ويستشرف آفاقاً أكثر شمولية.‏‏

لا شك أن وراء هذا الواقع اعتبارات سياسية وثقافية واضحة، ولكن إذا ما حاولنا غض الطرف عن هذه الاعتبارات التي لها دور حاسم في تنقل أو انحسار اللوحة أو الرسم العربي عبر الجغرافية العربية، فإنه يمكن القول، بأن الفنون التشكيلية العربية تعاني كذلك من مشكلة اعتراف داخل البنية الفكرية العربية. إن هذه الفنون بالرغم من مرور عقود كثيرة على دخولها إلى المجال الثقافي العربي، فإنها ما زالت تبحث عن شرعية فعلية تسمح لها بالانتقال والتفاعل والتداول.‏‏

موضوع الاعتراف أو الشرعية يطرح، بقوة، مسألة التجذر الثقافي للممارسة التشكيلية، أي تجديد المقومات الجوهرية المكونة للهوية العربية في نشأتها وصيرورتها، سواء على مستوى الشكل أو القضايا الموظفة، لذلك يلاحظ نوع من التوتر بين ما يسمى بالتأصيل والتحديث في الشكل العربي. وهذا التوتر يبرز في كثير من الأشكال التي سلكها المبدعون العرب سواء فيما يخص الإطار أو الأدوات أو المواد أو فيما يتعلق بالخط العربي المدمج في إطار اللوحة أو مختلف المرجعيات التراثية، أو ما يمس استلهام الصناعات التقليدية والحرف الشعبية التي تختزن عمقاً إبداعياً كبيراً.‏‏

لقد اختلف الفنانون العرب كثيراً حول هذه الموضوعات سواء على صعيد مناقشاتهم أو على مستوى ممارستهم. لدرجة أن هناك من حاول تخطي هذا التوتر بإدخال عناصر تجديدية في شكل اللوحة أو الرسم. وهناك من دعا إلى ضرورة إعادة النظر في التربة التشكيلية العربية من أجل وضع إطار نظري لفن عربي ملتزم بقضايا الأمة العربية على غرار ما هو حاصل في الأشكال التعبيرية الأخرى.‏‏

هذا التوتر بين التأصيل والتحديث أدى بعدد كبير من المبدعين العرب إلى الالتجاء إلى نوع من التوفيقية حاولت دمج عناصر الحداثة مع رموز التراث في أشكال تفاوتت قيمتها الجمالية والفكرية واختلفت درجة ارتباطها بالقضايا اليومية للمجتمع العربي بين هذا القطر أو ذاك وبين هذا الفنان أو ذاك.‏‏

إن كل حديث عن الفنون التشكيلية العربية يستدعي التساؤل عن نمط التواصل بين هذه الفنون والجمهور، الأمر الذي يفترض طرح إشكالية النقد الفني وأساليب معالجة وسائل الإعلام وتقديمها للفنون التشكيلية والمناهج المتبعة لتدريسها في المدارس والمعاهد.‏‏

إن موضوعات النقد الفني ووسائل الإعلام والنظام التربوي في علاقاتها بالممارسة التشكيلية العربية تدخلنا في خضم مسالة تحديث الوعي الفني العربي. فما زالت البنية الثقافية العربية لم تقبل إدخال النقد كإجراء فكري ضروري مواكب لكل حركة فنية كيفما كانت أشكال تعبيراتها، وهذا التبرم من النقد، أدى بكثير من المعنيين بحركة الفنون التشكيلية العربية إلى الابتعاد عن هذا المجال وإلى ترك هذه الفنون بدون سند نقدي ينير بعض تجاربها وممارساتها. هذا بالإضافة إلى نوع من التقوقع الذي يعرفه كثير من الرسامين وابتعادهم عن الحركة الثقافية عامة وتجنب التفاعل مع مختلف الأجناس الفنية والأدبية.‏‏

وبدون أن ندخل في ذكر أسماء أو أن نقف عند بعض التجارب فإنه يمكن القول بأن الفنون التشكيلية العربية، سواء كانت رسماً أو نحتاً أو كاريكاتوراً، قطعت أشواطاً وغامرت في تجارب لا بد من تقييمها ومساءلة أساسها النظري والوقوف عند عناصر الهوية والاختلاف فيها. لاشك أن الرسم والنحت والكاريكاتور أشكال تعبيرية تختلف من حيث أطرها وأواتها ودرجة مناخ الحرية التي فيها يتم تداولها، غير أنه لابد من التفكير، جماعياً، في السبل الكفيلة لجعل التشكيل العربي أكثر تجذراً في الحركة الثقافية العربية وأكثر تعبيراً، بأساليبه الخاصة، عن هموم وتطلعات المجتمع العربي نحو الوحدة والنهضة والتحرر.‏‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية