تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


وعند سليمان ملكة.. ملكة أبيض تفتح دفاتر الذاكرة

شؤون ثقا فية
الاثنين 22/5/2006
ديب علي حسن

قدمت خمسين ليرة لسليمان لشراء خاتمي الخطبة. ...حولت مطبخي إلى مكتب...انتم جيل محظوظ, وثقتي بالقادم كبيرة...تحديت الظروف القاسية, وذهبت في بعثة إلى أوروبا ..

ملكة ابيض, الاديبة والمربية والمفكرة, ما يذكر سليمان العيسى حتى تذكر, شكلا ثنائياً في الابداع والعمل والحياة, ملكة ابيض اسم كنا نخشى ان نردده ونحن طلاباً في دبلوم التأهيل التربوي قبل عشرين عاماً عندما كانت تدرسنا مادة التربية المقارنة, وازدادت الخشية عندي عندما انتسبت الى الدراسات العليا قسم رياض الاطفال فتعرفت عن قرب على مربية ومفكرة نذرت عمرها للعمل, وتحطم جدار الوهم الذي بنيناه, وان كان اساسه لا يزال ثابتاً مع تحولات في الاتجاه..‏

ملكة أبيض, اختصرت الاديبة الكبيرة كوليت خوري, رحلتها بعنوان عريض هو ( عند سليمان ملكة) أوليس من حق ملكة ان نبحر في ذاكرتها? وشاعرنا الكبير امد الله بعمره, يقول وباعتزاز: اني مدين بنصف نتاجي لها, وترد هي بكل تواضع وتهذيب: هذه موهبتك..‏

وبعد عشرين عاماً..‏

لم ألتق استاذتنا الدكتورة ملكة ابيض منذ ما يقارب العشرين عاما عندما بدأت الاعداد لرسالة ماجستير تحت اشرافها لكن الظروف حالت دون اتمامها, واليوم تفتح لنا دفاترها وتقلب اوراقها, رحلة عمر مثمرة على الصعد كافة,ملكة ابيض المربية والمفكرة والمترجمة هي ذاتها كما عرفتها قبل عشرين عاماً اصرار على العمل الدؤوب تنظيم ومتابعة, غربة في اقطار الوطن العربي, هي كسليمان العيسى- لا تسمي ذلك غربة,بل هي بلاد العرب او طاني, ومن الماء الى الماء هذا وطننا, ورسالتنا ان نبني حيث استطعنا البناء, في منزلها في مشروع دمر وبحضور الاستاذ الكبير الشاعر سليمان العيسى كان لنا هذه الجولة في محطات عطاء الدكتورة ملكة ابيض.‏

محطات ودروب..‏

تشير الدكتورة ابيض الى ان والدها عبد الرحمن بن احمد ابيض, هو من مواليد بيروت 1898م ومن الجنسية اللبنانية وكان يتقن الفرنسية والتركية بالاضافة الى لغته الام, عمل مديراً ومفتشا لعدد من المحطات في الخط الحديد الحجازي, وفي عمله في حماة , تزوج من امي, وهي حفيدة احدى قريبات عائلته التي تسكن في المدينة, ومن هناك انتقل الى محطة (ابو الضهور) حيث اشترى ارضاً زراعية وعمل على استثمارها الى جانب عمله الرسمي.‏

وفي المحطة الاخيرة (حلب) التي ولدت فيها بعد وصول العائلة اليها عام 1928م بفترة وجيزة قررالوالد التشاور مع بعض اقربائه اللبنانيين المقيمين في حلب, طلب التقاعد من العمل الوظيفي والانصراف الى التجارة,وهكذا غادرنا منزل المحطة الكائن في حي (الجميلية) واستأجر مخزناً في منطقة السويقة لبيع الادوات المنزلية.‏

اذكر أن والدي باع املاكه في بيروت لتغطية خسارته التجارية, وقرر الاستقرار في حلب واستثمار مزرعته ( في ابو الضهور) ولكنه خسرها في المحصلة, وبقي ان اقول: كان والدي رجلا ً متديناً دون تعصب, محباً للعلم والدراسة.‏

في طريق العلم ..‏

حين بلغت شقيقتي(انعام) التي تكبرني بعامين سن السادسة قرر ابي ارسالها الى اقرب مدرسة ابتدائية لنا, وهي مدرسة الناصرية الواقعة في حي السفاحية,وقد خطر له ان يتوسط صديقه مدير التربية بشأن قبولي ايضاً, حرصاً منه على ان نكون معاً في الذهاب والاياب لبعد المسافة بين ( حي العقبة ) حيث نقيم,وهذه المدرسة فوافق, وبناء على ذلك قررت المديرة وضعنا معا في صف ( الشعبة ) كما كان يسمى, وهو مرتبة ادنى من الصف الاول, ونظراً لتفوقنا انتقلنا مباشرة الى الصف الثاني فالثالث, فالرابع فالخامس, وهو نهاية المرحلة الابتدائية,وهكذا حصلت على شهادة (السرتفيكا) وانا دون العاشرة من العمر.‏

وقد اكسبني النجاح والثناء المتواصل من المعلمات والمديرة ثقة بالنفس وقدراً كبيراً من الطموح, ولكنني لم احظ بصداقة التلميذات.. لم تكن بعض المعلمات يراعين شعور التلميذات الكبيرات, فكثيراً ما رأيت نفسي اساق الى مقدمة الصف لأقف بجوار زميلة تكبرني بعدة سنوات واستمع الى المعلمة وهي تقارن بيننا وتثني عليّ وتوبخها على مرأى ومسمع من الصف كله, هذا الفارق في السن, وهذه المواقف لم تتح لي الانضمام الى الجماعات الصغيرة التي تتشكل في هذه المرحلة من الطفولة وتمثل نوعاً من العلاقات التي تشعر الطفل بالدعم والطمأنينة, وخرجت من المرحلة الابتدائية بصديقة واحدة.‏

في المظاهرات..‏

حين التحقت بالاول الثانوي, بقيت خارج الدوائر الصغيرة التي كانت تتجمع حول اهتمامات المراهقة,الا انني لم اتوان عن الانخراط في المظاهرات الصاخبة التي كانت تنطلق من ثانوية البنين ( المأمون) وتتوقف عند ثانوية البنات, وما ان تسمع الطالبات الهتافات المنادية بسقوط فرنسا واستقلال سورية حتى يغادرن الصفوف ويلتحق بالمظاهرة, ويبدو انني تجاوزت حد الالتحاق السلبي بالمظاهرات وحرضت على التظاهر في احدى المرات فما كان من المدير الا ان عاقبني بالطرد ثلاثة ايام وبايقاف اعفائي من الرسوم المدرسية الذي حصلت عليه بسبب تفوقي, فقررت شقيقاتي التستر علي بادعاء مرضي واضطراري للراحة في المنزل, وتدبرت شقيقتي التي كانت قد بدأت الخياطة امرها لتوفر لي المال اللازم لدفع الرسوم.‏

شهادة فقر حال..‏

كان اصدقاء الاسرة بالنسبة لوالدي ووالدتي يلحون عليها لإيقاف دراستي بحجة ان ما حصلته يكفي للفتاة بصورة عامة, بدأت المحاولة بعد نيلي شهادة الكفاءة, ولكنني قاومت بعناد وشفعت لي نتائجي الطيبة حتى ذلك الحين , وحين نجحت في البكالوريا الاولى برزت امامي مشكلة عسيرة,فالدراسة لتحصيل البكالوريا الثانية لم تكن متوفرة للبنات في حلب, ودخل الاسرة لا يساعدها على ارسالي الى دمشق هنا استعنت باحدى زميلات الدراسة التي كان اهلها يستطلعون وسائل الحصول على منحة دراسة مجانية في ثانوية البنات بدمشق وجاء الخبر: علينا نحن الاثنتين تقديم طلب الى الثانوية للدراسة الداخلية فيها, ترافقة شهادة فقر حال موقعة من مختار الحي, ووثيقة النجاح في البكالوريا الاولى, وهذا ما نفذناه في الحال وحصلنا بذلك على القبول.‏

حين اطلع والدي على الموافقة اذعن للأمر وقد تطوع لمرافقتنا - انا ورفيقتي الى دمشق- وسلمنا الى المديرة بنفسه ..‏

المغامرة الكبرى..‏

المحطة الاهم عند د.ابيض هي بعثتها الى اوروبا وكما تقول: فقد صدر نبأ ايفادي الى بروكسل للدراسة في جامعتها في احدى الصحف المحلية, فعلم ابواي بالامر من اصدقائهما وجاءا اليّ يستفسران, كان جوابي الا يهم كيف حصل ذلك , ولكن ما موقفكما? هل توافقان على ذهابي في هذه المنحة ام لا ..?‏

أجابت والدتي بالرفض القاطع, وأردفت انها لا تستطيع ارسال ابنة في السابعة عشرة من عمرها الى بلاد الاجانب, وانها ستغادر البيت الى حماة عند خالها اذا ما خطر لأبي ان يوافق على ذلك .‏

اما والدي فراح يفكر, في المساء توضأ وصلى كعادته, وبيت استخارة بكتابة اربعة خيارات على وريقات صغيرة, ثم طلب من شقيقتي الصغرى ان تسحب احداها, ولما تم ذلك فتح الوريقة فاذا بها, اقبل ولاتخف..‏

وهكذا رافقتني في الاجراءات الرسمية, و في نهاية الاسبوع كنا نمتطي الحافلة معاً الى بيروت حيث ودعت اقربائي عمي واولاده.. ثم اوصلني الى المرفأ وتأكد من الباخرة التركية التي ستقلنا كانت هناك وان زملائى من المبعوثين كانوا هناك فتركني انضم اليهم ومضى..‏

المنعطف ا لثاني: سليمان العيسى ورحلة العمر‏

بعد عودتها الى الوطن عام 1947 التقت سليمان العيسى في بيتهم وكان يساعد اخواتها في الدراسة وكان الجميع يحبونه ويتعلقون به .. واسأل سليمان العيسى كيف تعرف عليها .. فيروي التفاصيل ويقول : انه كان ينتظر عودتها من اوروبا دون ان يعرفها الاّ من خلال حديث اخواتها وتشير د. ابيض الى انهما كانا يخرجان معاً في النزهات ويتحدثان في اموركثيرة, ولم يتكلما في الحب ولكنهما قررا في النهاية ان يكون المصير واحداً, وفي 7 أيلول عام 1950 بدأت حياتنا الزوجية, ويسمى سليمان زواجنا في احدى قصائده ( القيد الصغير) ويقول فيه هذا المقطع الجميل:‏

بيدي اخترته قيدي الصغير‏

من ربيع دائم في القلب‏

من برد غدير‏

بيدي اخترته هذا النداء‏

يصل الاعماق بالاعماق يخضر الرجاء‏

كلما أوغل في المجهول خطوة‏

صبوة تولد في اطلال صبوة..‏

برق خاطف...‏

بعد اكثر من نصف قرن على هذا القيد الصغير كما يسميه شاعرنا اسأله:‏

ما الفارق بين اللحظة الاولى والآن, هل تغيرت المشاعر? فيجيب قائلاً:‏

أبداً, لم يخف الشوق, حياتنا انسابت كالبرق الخاطف, والشرارة لا تزال موجودة, وتتدخل د. ابيض قائلة:من العسيرأن نلم بما حدث فيها حياتنا من مسرات واحزان وانتصارت وخيبات وانشطة تعددت بتعدد اهتماماتنا لقد قال زوجي الكثير عنها وفيها, ولا استطيع تكرار ما قال , ولا اريد .‏

وأسأل شاعرنا: هل للخلاف في الرأي فسحة عندكما ? فيرد قائلاً: بكل تأكيد, ثمة آراء متباينة وكل يحترم رأي الاخر, وتتدخل د. ملكة ابيض لتقول: إن ذلك عائد للنشأة والتربية, فسليمان العيسى جاء من القرية ومن جو الكتاب, بينما هي عاشت حياة الغرب, طفولتها مختلفة, سليمان العيسى اندمج في الحركة القومية منذ صغره .. لكن الاهداف في النهاية واحدة.‏

لا أحب البهرجة..‏

لماذا لا تحب البهرجة? تجيب د. ابيض قائلة : لأنها تحول اهتمام الانسان عن جوهر الاشياء لأنها تلهيه وتبدد جهوده في اشياء سطحية لا جدوى منها, لأنها تفرغ شخصيته من جميع قدراتها الحقيقية وتلفها بدوامة من الاهتمامات الفارغة.. اعتدت منذ طفولتي على الاهتمام بالضروري على بذل جهدي لتلبية حاجاتي الاساسية ..حين قررنا اعلان خطوبتنا لم يكن لديه ما يشتري به خاتم الخطبة, وكنت قد بدأت اعمل فدفعت الخمسين ليرة سورية المطلوبة لشراء الخاتمين,وعدها سليمان ديناً عليه لابد ان يسدده لي ذات يوم لقد فاتني ان اسأله كم مرة سددها..?‏

وحين عقد قراننا تمسكت بأنني لا اريد من المهر الا درهم فضة ولكن اصدقاء والدي اصروا على كتابة 500 ليرة سورية قائلين ان ذلك اقل ما يرضون به,وحين انتقلت الى بيت الزوجية بدا الاستغراب على الجيران وهم يرون سريراً حديدياً قديماً وخزانة وبعض الاشياء القليلة, وهي كل اثاث سليمان العازب , وقد اضفنا اليها فيما بعد منضدة طعام بسيطة وعدة كراسي من القش ولوازم بسيطة للمطبخ, على اننا لم نغفل شراء ثلاجة مع حداثة الثلاجات في البلد وندرتها آنئذ.‏

مؤلفاتها.‏

بين البحث التربوي و الترجمة والاشراف على ترتيب واصدار دواوين الشاعر الكبير سليمان العيسى, قدمت ملكة ابيض للمكتبة العربية زاداً متميزاً ? ليدل على اننا امام عطاء يستحق التقدير والاحترام .‏

- المؤلفات العربية:‏

- التربية والثقافة العربية الاسلامية في الشام والجزيرة في القرون الثلاثة الاولى للهجرة.‏

- تاريخ التربية وعلم النفس عند العرب.‏

- التربية المقارنة والدولية.‏

- الثقافة وقيم الشباب.‏

- وقفات مع سليمان العيسى.‏

- تطورات في التربية المقارنة‏

- الترجمة ميدان متحرك.‏

- ماذا يغني الاطفال.?‏

الكتب المترجمة:‏

- سالنجر, تسع قصص..‏

- التربية المقارنة‏

- ثقافة التربية وعلم النفس.‏

- طريقة الام مونتسوري..‏

- الشقاء في خطر.‏

- الجثة المطوقة.‏

- نجمة.‏

- منهجية البحث .‏

- ترجمت الى الفرنسية الكثير من اعمال الشاعر سليمان العيسى, وهي الآن بصدد ترجمة كتاب (حلب في العهد العثماني) وسوف يصدر قريبا في دمشق .‏

كلمة اخيرة:‏

وددت ان أقرأ ما يجول في عقل شاعرنا حول حركة الابداع العربية الآن فإذا به يفاجئني حين قال : انتم جيل محظوظ, ولدينا ادباء مبدعون متميزون, وانا متفائل بالقادم , واشار الى انه كان يقرأ منذ ايام قصيدة لشاعر لم يتجاوز العشرين من عمره فغبطه على طريقته في تناول موضوعه, فالتراكم الذي نعيشه لا بد ان يؤدي الى تحول نوعي, وترى د. ابيض الرأي ذاته وتقول: انتم جيل العمل والمعرفة ووسائل الاتصال السريع, وثقتي كبيرة: بقدرة اجيالنا على متابعة ما بدأناه.‏

الابداع لا يتوقف, لقد عشنا ظروفاً صعبة وقاسية, وحسبنا اننا ادينا واجبنا نحو وطننا وامتنا, وقد آن لنا ان نستريح .‏

مع انني رأيت ان الدكتورة ملكة ابيض قد حولت مطبخها الى مكتب تعمل فيه فثمة معجمات وكتب وطاولة صغيرة تطل من النافذة على حديقة خلفية فما بين العمل والعمل عمل.. اما شاعرنا الذي يعزو نصف انتاجه الى د. ابيض, فلا يحب ان يجلس في مكتبه كما قال, ف (الصالون) ارحب واجمل.. ملكة ابيض الباحثة والاديبة والمترجمة تتمنى على الجهات المسؤولة في وزارات الثقافة العربية ان تسعى لتأسيس مركز لترجمة الاعمال الادبية والفكرية العربية الهامة الى اللغات الاجنبية حلم هل يتحقق ..?‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية