تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


صهيل الجواد الأبيض

بيروت
صفحة أخيرة
الخميس 14/4/2005م
نهلة كامل:

امتطى الأمير تشارلز صهوة جواد الكاتب زكريا تامر, الأبيض, وعاد ثلاثين عاما إلى حبيبته, أما الكاتب نفسه, الذي يملأ صهيل جواده الجهات الأربع فإنه يزور دمشق مواصلا الغربة, ويحضر للتكريم فقط, مع أن تكريم الغائب هو العودة إلى الوطن أما آن الآوان?!.

تعود زكريا تامر أن يقرر هو الأوان, ولا أوان لحب تامر لدمشق, وهو شغف سرمدي, ولا تفسير لابتعاده عنها سوى خوفه عليها من نزقه وشغفه ومكاشفاته, ربما مضى زكريا تامر بعيدا عن الحبيبة ليصالح نفسه فيها, بعدما غاص معها في تفاصيل التفاصيل, وشيطان القلم الساخر لا يتستر على العيب, ولا يكتم السر, ويقول عن الأبيض أنه بدأ يدخل الرمادي, ما لم يثبت العكس, وعن الخطأ انه جريمة بحق الحبيبة, وعن الفساد انه ( فساد ونص).‏

ولم يكن زكريا تامر منذ البداية كاتب مصالحات على حساب الوطن فقد اراد دوما أن يطرق الفساد بالكلمة, كما طرق الحديد حتى الاذعان, فاصبح من أهم رواد المعارضة الأدبية العربية, وقد حقق تلك المعادلة المستحيلة, في النقد ( اللئيم) ولكن انطلاقا من الزهد فيما عدا وجه الوطن الكريم.‏

وفي الكتابة الصحفية, إلى جانب القصة القصيرة, كرس زكريا تامر الرؤية النقدية الساخرة, وبفضل قلة من الأقلام كان على رأسها مع الأديب الكبير محمد الماغوط أصبحت الصحافة السورية في السبعينيات صحافة الرأي والرؤية, الرأي المعارض, والرؤية الوطنية, وأي صحافة أو وطن, كان ليعتز بمعارضة وطنية, مثل التي حققها قلم زكريا تامر, وفخر بها وزير اعلام كالمرحوم أحمد اسكندر أحمد بل وشارك فيها منقودا.‏

ولم يكن زكريا تامر ملهما بفتح الهاء, من الخارج اثناء وجود تيارات الشرق والغرب, اليمين واليسار, كان وطنيا اصيلا فقط لهذا كتب عن الوطن العربي الكبير, وهو في دمشق اما حين اغترب فإنه لم يكتب من لندن مقدمات للشرق الأوسط الكبير.‏

يأتي زكريا تامر إلى دمشق ويعود إلى لندن وأنا في بيروت لا استطيع المشاركة في تكريمه لكنه يشاركني في بيروت الدفاع عن اصالة حرية الرأي من الصحافة السورية, أو كلما اردت أن أوجز في بلاغة( المعارضة الأدبية السورية) ودفاعها عن الشعب العربي, والمجتمع الذي يعطي حتى آخر جندي... لاقول يكفي سورية أنها بينة الأدب الإنساني الحر, ويكفي أن تقرأ وتترجم أعمال كإنتاج زكريا تامر كي تكون الثقافة السورية منهلا لجرأة الآداب والشعوب.‏

حينما درس المخططون إمكانية وجود معارضة سورية تدفع بالشرق الأوسط الكبير إلى داخل المجتمع السوري لم يجدوا سوى معارضة ثقافية سقفها المصلحة الوطنية ونضيف إلى معلوماتهم أنها نمت من جذور الشجرة الوطنية الطيبة, لرؤى سورية متقدمة تجسدت في أقلام مثل نديم محمد, ومحمد الماغوط, وسعد الله ونوس, وممدوح عدوان, وزكريا تامر.‏

زكريا تامر ذلك الغائب الذي نعتقد ,انانية, انه حاضر فينا يتقدمنا للأسف مبتعدا في مسافات العبقرية اولا فقد فتح النوافذ وبسط الأمداء وراح يصهل فيها جوادا سوريا اصيلا ما كنا نعتقد أن مربطه البديل سيكون لندن.‏

ولطالما دفعت ساحات السبق الأجنبية بثرواتها لامتلاك جواد عربي اصيل, لكن زكريا تامر كان عصيا على الترويض, اغلى من الكنوز وأشرس من الحاجة, ذلك المعارض الأبدي ابدية الأدب لم يخرج من بوابة الوطن ليعود من بوابة العولمة بل لينتشر حرا في تراث العالمية.‏

إلى استاذنا لو يقبلنا تلاميذا نقول ان الامداء التي بسطها قلمك لم يبلغ غايتها الا جوادك الابيض الذي لن يصبح رماديا مهما احتل الدخان مواقع غيومك الشفافة الناصعة كطفولة نفسك وإلى دمشق: إن تاج الوفاء أرفع حتى من تاج الإمارة.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية