تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


البروتوكــــــولان الإضافيـــــــان 1977... اتفاقيات جنيف الأربع 1949 لحماية المدنيين والأسرى... و الأعضاء 190 دولة

قاعدة الحدث
الأثنين 6-7-2009م
إشراف:د حيدر حيدر- عزة شتيوي

صدمة السويسري هنري دونانت من نتائج الحرب الفظيعة ورؤيته لآلاف الجنود القتلى والجرحى «في معركة سولفرينو، التي جرت قرب بلدة إيطالية بهذا الاسم، وسقط فيها ما يقارب الأربعين ألف جندي بين قتيل وجريح،

لكن قتل مدني واحد». هذه الصدمة أوحت لدونانت بتأسيس «اللجنة الدولية لإغاثة الجرحى» التي أصبحت فيما بعد «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، وأدت إلى عقد مؤتمر دولي بجنيف عام 1864 يعتمد أولى معاهدات القانون الدولي الإنساني «اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان» إلى أن ظهرت إلى الوجود اتفاقيات جنيف الأربع في عام 1949 التي عززت حماية المدنيين أثناء الحروب، ثم جاءت البروتوكولات الإضافية لهذه الاتفاقيات لتعزز القانون الدولي الإنساني.‏‏

لكن ماذا لو قدر لدونانت أن يرى الفظائع المروعة التي ترتكب ضد المدنيين في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، والعراق وأفغانستان، وسريلانكا.. إلخ حتماً كان سيعتبر ما يجري من الخيال الذي يفوق قدرة أي إنسان عاقل على تصوره، ناهيك عن تحمله، واليوم وقد مرت قبل فترة ذكرى مرور 150 عاماً على معركة سولفرينو، التي أدت إلى إنشاء منظمة الصليب والهلال الأحمر الدولية، والتي تعتبر الملهم والداعي لعقد اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين حول حماية السكان المدنيين أثناء الحروب، اليوم، فإن الأوضاع المأساوية لعالمنا، تتطلب جهوداً وتعاوناً مكثفاً، كي نستطيع تخفيف المعاناة عن ملايين الناس في أرجاء المعمورة، وكي نستطيع تطبيق هذه الاتفاقيات وننقذ الملايين الذين يتعرضون للقتل بآلات الحرب الفتاكة والموت جوعاً بسبب الجوع والمرض والحصار والتهجير، وقد أكد بيير كرايهنيوهل مدير عمليات الصليب الأحمر، أن النزاعات في تاريخنا الحاضر تحصد أرواح أعداد كبيرة من المدنيين في العراق وغزة، والصومال وأفغانستان والكونغو وسريلانكا، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين هم العاملون الذين يحاولون كل يوم أن يصنعوا شيئاً مختلفاً للمدنيين، ضحايا الحروب.‏‏

الأولى للجرحى و الثانية للغرقى و الثالثة للأسرى و الرابعة للمدنيين‏‏

في عام 1864، عقدت الحكومة السويسرية مؤتمراً دبلوماسياً في جنيف، شارك فيه ممثلو اثنتي عشرة حكومة واعتمدوا معاهدة بعنوان «اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحى الجيوش في الميدان»، والتي غدت أولى معاهدات القانون الدولي الإنساني، وعقدت مؤتمرات أخرى لاحقاً، وسعت نطاق القانون الأساسي ليشمل فئات أخرى من الضحايا مثل أسرى الحرب.‏‏

وفي أعقاب الحرب العالمية عقد مؤتمر دامت مداولاته أربعة أشهر، واعتمدت على إثره اتفاقيات جنيف الأربع في عام 1949، التي عززت حماية المدنيين في أوقات الحرب.‏‏

إن الوثيقة الأصلية لاتفاقية جنيف، هي أربع اتفاقيات دولية تمت صياغة الأولى منها في عام 1864، أما آخر اتفاقية فكانت عام 1949، وفي عام 1977 تمت إضافة بروتوكولين كملحقين لاتفاقية جنيف، علماً أنه، وعند صياغة الاتفاقية الرابعة لجنيف 1949، تم تعديل نصوص الاتفاقيات الثلاث السابقة لها ودمجها في اتفاقية واحدة والتوقيع عليها، وقد انضمت إلى اتفاقيات جنيف 190 دولة وحظيت بقبول عالمي.‏‏

علماً أن عدداً كبيراً من الدول أقر البروتوكولين الإضافيين، الأول والثاني لعام 1977، ولكن لم تقبل بهما كل الدول بعد، وواضح أنه من الضروري أن يصبح هذا الاعتراف عالمياً، فهو يعد خطوة حاسمة كي تحترم كل الأطراف المشاركة في النزاعات الالتزامات الواردة في البروتوكولين.‏‏

إن اتفاقيات جنيف والبروتوكولات المضافة إليها هي معاهدات دولية تتضمن أهم القواعد التي تحد من وحشية الحرب، وهي تحمي الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال (كالمدنيين والأطباء وعمال الإغاثة) والأشخاص (كالجرحى والمرضى والجنود الغرقى وأسرى الحرب).‏‏

وتشمل اتفاقية جنيف الأولى تحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، أما اتفاقية جنيف الثانية فتشمل تحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، وتشمل اتفاقية جنيف الثالثة معاملة أسرى الحرب، وأخيراً فإن اتفاقية جنيف الرابعة تتحدث عن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.‏‏

وبالنسبة للبروتوكولين الملحقين باتفاقيات جنيف الأربعة، فالأول ينطبق على حالات النزاع المسلح الدولي، وهو يفرض قيوداً على كيفية تسيير العمليات العسكرية، أما الهدف من البروتوكول الثاني فهو ضمان تطبيق القواعد الأساسية لقانون الحرب على النزاعات الداخلية، دون المساس بحق الدول في استخدام الوسائل المتاحة لها للحفاظ على النظام والقانون أو إعادتهما إلى ربوعها، دون تقديم مسوغ للتدخل الأجنبي، كما أن الامتثال لأحكام البروتوكول الثاني لا يعني الاعتراف بأي وضع قانوني خاص لمجموعات المعارضة المسلحة.‏‏

وهناك صكوك أخرى تحظر استخدام أسلحة وخطط عسكرية معينة وتحمي فئات من الأشخاص، وتشمل هذه الصكوك:‏‏

اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع وبروتوكولها المسلح، واتفاقية عام 1972 بشأن الأسلحة البيولوجية، واتفاقية عام 1980 بشأن بعض الأسلحة التقليدية وبروتوكولاتها الأربعة، واتفاقية عام 1993 بشأن الأسلحة الكيميائية، ومعاهدة أوتاوا لعام 1997 بشأن الألغام المضادة للأفراد، والبروتوكول الاختياري لعام 2000 المتصل بالاتفاقية الخاصة بحقوق الطفل «بشأن مشاركة الأطفال في النزاعات المسلحة». علماً أن العديد من قواعد القانون الدولي الإنساني مقبولة اليوم كقانون عرفي، أي كقواعد عامة تسري على الدول كافة.‏‏

القتل .. التهجير .. تدمير واغتصاب الممتلكات ..‏‏

انتهـــــاكات بمثــــــابة جرائـــــــم حــــــرب‏‏

تتضمن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي تعريفاً لما يشكل مخالفات جسيمة وقد جاء في البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف في مادته رقم 85 ما يلي خامساً:‏‏

تعد الانتهاكات الجسيمة للاتفاقيات ولهذا الملحق «البروتوكول» بمثابة جرائم حرب.‏‏

ففي اتفاقية جنيف الأولى المادة 50 جاء ما يلي: إن المخالفات الجسيمة التي تشير إليها المادة السابقة هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية: القتل العمد، التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة، تعمد إحداث آلام شديدة أو الإضرار الخطير بالسلامة البدنية أو الصحة، تدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نطاق واسع لا تبرره الضرورات الحربية، وبطريقة غير مشروعة وتعسفية.‏‏

وجاء في اتفاقية جنيف الثانية حول تحسين حالة جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة البحرية، وفي المادة رقم عشرة والمادتين أربع وعشرين وخمس وعشرين فقد نصت على تمتع السفن والمستشفيات التي تستعملها الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر بنفس الحماية التي تتمتع بها السفن والمستشفيات العسكرية وتستثنى من الأسر.‏‏

أما في المادة 131 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، فجاء أنه لا يجوز لأي طرف متعاقد آخر من المسؤوليات التي تقع عليه أو طرف متعاقد آخر فيما يتعلق بالمخالفات.‏‏

أما اتفاقية جنيف الرابعة فقد نصت في أبرز مبادئها على حظر نقل السكان المحليين خارج المنطقة المحتلة قهراً، والحظر على إسكان مواطني الدولة التي تحتل في المنطقة المحتلة، وجاء في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة حول المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية، وتتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية «النفي أو النقل غير المشروع وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية، أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية، وأخذ الرهائن، وتدمير واغتصاب الممتلكات.. وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية.‏‏

وفي مجال حماية الأشخاص فقد جاء في البروتوكول الإضافي الأول إلى اتفاقية جنيف، في المادة 11 حول حماية الأشخاص ما يلي:‏‏

«يجب أن لا يمس أي عمل أو إجراء لا مبرر له بالصحة والسلامة البدنية والعقلية للأشخاص الذين هم في قبضة الخصم..».‏‏

أما في المادة 85 فجاء ما يلي: 2- تعد الأعمال التالية بمثابة انتهاكات جسيمة لهذا البروتوكول.. أ- جعل السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين هدفاً للهجوم. ب- شن هجوم عشوائي يصيب السكان المدنيين أو الأعيان المدنية عن معرفة بأن هذا الهجوم يسبب خسائر بالغة في الأرواح، أو إصابات بالأشخاص المدنيين.‏‏

وفي البند الرابع من المادة 85 جاء ما يلي: تعد الأعمال التالية فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة المحددة في الفقرات السابقة، وفي الاتفاقيات، بمثابة انتهاكات جسيمة لهذا الملحق (البروتوكول):‏‏

أ- قيام دولة الاحتلال بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيل أو نقل كل أو بعض سكان الأراضي المحتلة داخل نطاق تلك الأراضي أو خارجها، مخالفة للمادة 49 من الاتفاقية الرابعة، وفي الفقرة ج جاء ما يلي: حول الانتهاكات الجسيمة: ممارسة التفرقة العنصرية (الأبارتيد) وغيرها من الأساليب المبنية على التمييز العنصري والمنافية للإنسانية.‏‏

وحول الانتهاكات الجسيمة أيضاً جاء في الفقرة د: شن الهجمات على الآثار التاريخية وأماكن العبادة والأعمال الفنية التي يمكن التعرف عليها بوضوح، والتي تمثل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.‏‏

أما في البند الخامس فجاء ما يلي: «تعد الانتهاكات للاتفاقيات ولهذا الملحق (البروتوكول) بمثابة جرائم حرب..».‏‏

نصوصها ملزمة لإسرائيل..‏‏

اتفاقيات جنيف تنطبق على الأراضي العربية المحتلة‏‏

أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الستين عام 2005 قراراً في 8/12/2005 برقم 60/105 أكدت فيه انطباق اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشريف، وعلى الأراضي العربية المحتلة الأخرى.‏‏

وجاء في حيثيات القرار: «وإذ تؤكد أنه ينبغي (لإسرائيل) السلطة القائمة بالاحتلال أن تفي بدقة بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني».‏‏

1- تؤكد من جديد أن اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، المؤرخة 12 تموز 1949، تنطبق على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وعلى الأراضي العربية الأخرى التي تحتلها «إسرائيل» منذ عام 1967.‏‏

2- تطالب بأن تقبل «إسرائيل» انطباق الاتفاقية بحكم القانون في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.. وفي الأراضي العربية الأخرى التي تحتلها «إسرائيل» منذ عام 1967، وأن تتقيد بدقة بأحكام الاتفاقية.‏‏

3- تهيب بجميع الأطراف المتعاقدة السامية في الاتفاقية أن تواصل، وفقاً للمادة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، وحسبما ورد في فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في 9 تموز 2004، بذل الجهود لضمان احترام «إسرائيل»، السلطة القائمة بالاحتلال، لأحكام تلك الاتفاقية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وفي الأراضي العربية الأخرى التي تحتلها «إسرائيل» منذ عام 1967.‏‏

4- تكرر تأكيد ضرورة التنفيذ السريع للتوصيات ذات الصلة الواردة في القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة، بما في ذلك القرار د إ ط - 10/15، فيما يتعلق بكفالة احترام «إسرائيل» السلطة القائمة بالاحتلال لأحكام الاتفاقية.‏‏

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد نظرت في تقرير اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من السكان العرب في الأراضي العربية المحتلة، وفي تقارير الأمين العام ذات الصلة، مؤكدة أن «تعزيز احترام الالتزامات الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة وغيره من صكوك القانون الدولي وقواعده هو من مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها الأساسية».‏‏

وقد نوهت إلى أن الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 9/7/2004، وكذلك إلى قرار الجمعية العامة د إ ط/15، «وإذ نلاحظ على وجه الخصوص الرد الصادر عن المحكمة الذي جاء فيه أن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، وأن «إسرائيل» تنتهك العديد من أحكام الاتفاقية».‏‏

لقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بقرار رقمه 144 صادر في 22/10/1967 بنزع حماية اتفاقية جنيف الرابعة عن المدنيين الفلسطينيين، كما ترفض تطبيق اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 والبروتوكولين الإضافيين لسنة 1977 على الأراضي الفلسطينية المحتلة، علماً أن الجمعية العامة للأمم المتحدة طالبت ولمرات عديدة بأن «تعترف «إسرائيل»، بالانطباق القانوني للاتفاقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، وفي الأراضي العربية المحتلة الأخرى التي تحتلها «إسرائيل» منذ عام 1967 وأن تتقيد بأحكامها». مثل القرار 56/60 المؤرخ في 10/12/2001.‏‏

إن «إسرائيل» هي سلطة احتلال بحسب القانون الدولي وبحسب قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، وبالتالي فإن القانون الدولي الإنساني يطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى الأراضي العربية المحتلة الأخرى، ومنها اتفاقية جنيف الرابعة.‏‏

وبالتالي فإن نصوص اتفاقيات جنيف هي ملزمة «لإسرائيل»، وبالنسبة لجدار الفصل العنصري الذي بنته «إسرائيل» في الضفة الغربية المحتلة، فقد أصدرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تصريحاً صحفياً في 18/2/2004، تندد فيه بجدار الفصل العنصري، وتدعو فيه لوقف تلك الأعمال وهدم ما تم بناؤه إذ إن ذلك السور يخالف القانون الدولي الإنساني وذلك أولاً «لأنه يحرم آلاف الفلسطينيين من الوصول الملائم إلى الخدمات الأساسية كالماء، العناية الصحية والتعليم ومن مصادر الدخل مثل الزراعة وغيرها». وثانياً «لأنه سيتم عزل مجموعة من الفلسطينيين عن باقي المجتمع الذي ينتمون إليه أصلاً»، وثالثاً «لأنه يعني السيطرة على أملاك الفلسطينيين وتدمير بناياتهم وأراضيهم الزراعية».‏‏

الصليب الأحمر و نشاطاته‏‏

هــــــدف للصهـــــاينة منــــذ عــــــام 1948‏‏

كانت الأشهر التي سبقت نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين في أيار 1948، تحمل أنباء سيئة، وهي أن دماء غزيرة ستجري، وفي خطوة أولية أرسلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر جاك دي رينيي مندوباً إلى القدس في كانون الثاني عام 1948، من أجل الاتصال بكافة الأطراف، وقد لاحظ دي رينيي أن تلك المهمة لم تكن من أبسط المهمات الملقاة على عاتقه.‏‏

وقد عثرت البعثة التي يرأسها دي رينيي في أعقاب الهجوم (المذبحة) على قرية دير ياسين والذي نفذه متطرفون صهاينة على ثلاثة ناجين، امرأتان وصبية فقط، وتسببت فظاعة الجريمة بصدمة انتشرت بين السكان الفلسطينيين، وأدت إلى نزوح واسع للسكان، ووسط تلك الظروف أعلن عن قيام دولة «إسرائيل» في 15 أيار 1948، وإدراكاً من دي رينيي للعواقب المحتملة لهذا التطهير العرقي، اقترح إنشاء ثلاث «مناطق أمنية» داخل القدس، على أن تكون مفتوحة للجميع، ويحترمها المتحاربون، فأعلنت المناطق الأمنية حسب الأصول، تحت حماية شارة الصليب الأحمر، وبالرغم من أن الاتفاق لم يطبق بالكامل، حيث استولى الصهاينة خلال هدنة على جزء منها، هو فندق الملك داود، إلا أن ذلك لم يثبط من حماس مندوب الصليب الأحمر الذي كتب عند انتهاء مهمته وبعد مرور سنة «هنالك حوالي 2000 شخص وجدوا ملاذاً آمناً لهم هنا».‏‏

إن «النجاح» المحدود الذي لاقته تلك «المناطق الأمنية» مثّل دلالة بالغة وحالكة للصعوبات التي سوف تواجهها محاولات حماية ضحايا الحروب من المدنيين خلال الفترات اللاحقة من القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين.‏‏

جوهر القانون الإنساني الدولي‏‏

احتـــرام الحيـــاة و توفــير السلامــة‏‏

وصف الجنرال كلاوزفيتس المؤرخ الحربي البروسي الحرب بأنها علاقة «عنف بلا حدود وفيها يغلب قانون طرف على آخر وبالتالي هي دينامية تولد مواقف «متطرفة» ويعتبر القانون الدولي الإنساني آخر سد أمام هذا التطرف وهو جزء من القانون الدولي العام الذي يضم جملة من القواعد الهادفة إلى حماية وصون كرامة الإنسان من خلال النزاعات المسلحة.‏‏

شكلت معاهدة جنيف الأولى سنة 1964 نقطة البداية للقانون الدولي الإنساني بأسره بما فيه من معاهدات، حيث نشأ هذا القانون من قلب اهتمامات الدبلوماسية السويسرية عندما طلبت لجنة جنيف التي أصبحت لاحقاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر من سويسرا الدعوة إلى المؤتمر الدبلوماسي لعام 1864 وبعد هذه الخطوة التزمت سويسرا بالدفاع عن القانون الإنساني وترسيخه.‏‏

ويشمل القانون الدولي الإنساني والذي يسمى قانون النزاعات المسلحة أو قانون الحرب فرعين رئيسين هما قانون لاهاي سنة 1899 و1907 الذي يعنى بأساليب ووسائل القتال ويحدد حقوق المحاربين أثناء القيام بالأعمال العسكرية ويحد من وسائل إلحاق الضرر.‏‏

أما الفرع الرئيسي الثاني فهو قانون جنيف 1949 ويعد من أهم ركائز القانون الإنساني حيث يدعو إلى حماية العسكريين الذين كفوا عن المشاركة في القتال وكذلك الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال الحربية.‏‏

وللقانون الإنساني الدولي مجموعة من القواعد تستلهم الشعور الإنساني لهدف صون الكرامة الإنسانية وأهمها احترام الحياة والسلامة الجسدية والعقلية للأشخاص الذين أصبحوا عاجزين عن القتال ووجوب معاملتهم بشكل إنساني دون تمييز وعدم قتلهم أو جرحهم وتأمين العناية للجرحى والمرضى خلال الحرب واحترام شارات الحماية و شارتي الصليب الأحمر والهلال الأحمر وحظر الأعمال العسكرية التي تسبب إبادة جماعية إضافة إلى ذلك التمييز بين المدنيين والمقاتلين.‏‏

وباعتبار لجنة الصليب الأحمر كانت الدافع وراء تطوير القانون الدولي الإنساني فقد أعدت تلك اللجنة مجموعة من الأساسيات التي تشكل جوهر القانون الإنساني، ولكنها سلطة الصك القانوني ولم تحاول اللجنة إحلالها محل المعاهدات النافذة، لكن تلك الأساسيات صيغت بهدف تسهيل نشر القانون الدولي حيث تشكل هذه المهمة بموجب نظام الحركة الدولية للصليب الأحمر أحد أهم اهتماماتها بشكل عام وتقوم كل جمعية وطنية للصليب الأحمر في بلدها بشكل خاص بنشر القانون الإنساني في المجتمع الذي تنشط فيه كمساهمة في تعميم روح السلام واحترام حقوق الإنسان ومناهضة كل أشكال التفرقة والتمييز.‏‏

الأطفال 25٪ من ضحايا غزة‏‏

منذ عام 1947 استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي وبصورة متعمدة المدنيين والبنى التحتية والاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل يناقض القانون الدولي الإنساني ولاسيما الاتفاقات والصكوك الدولية التي ترعى النزاعات المسلحة وغير المسلحة وقواعد الحرب وتعد أولى اختراقات الاحتلال الإسرائيلي للقانون الإنساني هي ترحيل الفلسطينيين عن ديارهم واغتصاب أراضيهم وارتكاب المجازر بحق السكان والمدنيين الحياديين. وفي عام 1967 استمرت إسرائيل بسياستها ووسعت انتهاكها السافر والمعلن لجميع القوانين والأعراف الدولية بشهادة كبار المسؤولين الإسرائيليين، فقد قالت زعيمة حزب ميرتس: «إن دولة إسرائيل تمارس الفصل العنصري (الابارتهايد) وبشكل عنيف ضد السكان الفلسطينيين». فإقامة الجدار العنصري وممارسة العنصرية والعقوبات الجماعية كمنع التجول والاعتقالات ونسف البيوت كل ذلك يشكل مخالفة جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب لسنة 1949، وتعد المخالفات الإسرائيلية أيضاً للقانون الإنساني الدولي العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة كان جريمة ضد الإنسانية فقد أفرطت إسرائيل في استعمال القوة العسكرية ولم تتقيد بأي حدود أو سقف في تنفيذ عملياتها العسكرية، حيث لجأت إلى استعمال الأسلحة الثقيلة والمدمرة والمحرمة دولياً وهذا مخالف للمادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف والموقع في 1977 حيث تنص المادة على (أن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقاً لا تقيده قيود) كما أن الخروقات الإسرائيلية في هذا المجال تجاوزت المادة 22 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية.‏‏

فقد أظهرت الوقائع الثابتة بالصور والمشاهد التلفزيونية والتقارير الصحفية والأمنية أن إسرائيل اخترقت كل تلك القوانين بقصفها العشوائي للمدنيين وقطع كل المواصلات البرية التي تؤمن المؤن والأغذية والأدوية للمحاصرين في قطاع غزة وبدل أن تتخذ إسرائيل إجراءات معينة لتحييد المدنيين في جميع عملياتها الاحتلالية والاستيطانية راحت تلقي بأطنان من القنابل عليهم.‏‏

ونتيجة لعدم تقيد الاحتلال الإسرائيلي بأي عرف أو قانون دولي في فلسطين والأراضي المحتلة تقدمت الجهات الفلسطينية بعدة مذكرات، أهمها المذكرة التي رفعها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في 2003 إلى الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة حيث تشير المذكرة إلى جرائم الحرب والاستخدام المفرط والعشوائي للقوة والقتل وفرض الحظر والاغلاقات وتدمير الممتلكات ووثق المركز الفلسطيني عدد الشهداء من الأطفال بما يشكل 25٪ من شهداء قطاع غزة هم من الأطفال مقارنة مع 12٪ في الضفة الغربية وبالإضافة للمذكرات فقد كان هناك عدة مناشدات من الهلال الأحمر القطري في فلسطين للجنة الدولية للصليب الأحمر من بينها دعوة الهلال الأحمر القطري الفلسطيني للجنة الدولية بعد مرور سنة على احتلال غزة باستعمال جميع الوسائل والصلاحيات المخولة من قبل اتفاقيات جنيف والنظامين الأساسي والداخلي للجنة الدولية بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بالمعايير الدولية وعدم الاختراقات للقوانين الإنسانية وهناك أيضاً العديد من الإدانات العربية والدولية للانتهاكات الإسرائيلية.‏‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية