تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


هالة شوكت :جميلة الشاشة ..(الأم)... غيبها الموت وتحييها أعمالها

فنون
الثلاثاء 1/5/2007
فؤاد مسعد

هل للموت أن يغيب الذاكرة ?.. سؤال يُطرح مع تلقي نبأ وفاة أي مبدع فالذاكرة الجمعية التي أسس عليها ذاك المبدع أعماله لتبقى بصمته واضحة و حضوره راسخ في المجتمع هي التي يراهن عليها بعد رحيله فإن غاب جسداً حضر إرثاً إبداعياً يُحفر في الذاكرة والوجدان ..

هكذا هي حال الفنانة الراحلة هالة شوكت التي غيّب الموت جسدها منذ أيام عن عمر يناهز الخامسة والسبعين بعد مسيرة عطاء بلغت النصف قرن بدأتها في فيلم سينمائي مصري مع عمر الشريف (موعد مع المجهول) , لكن سيبقى ما خلّفته من أعمال وإرث فني قصة تشهد على حياة كاملة عاشتها بألمها وفرحها ونضالها في سبيل فنها , وأقول (نضالها) لأنها انطلقت بمشوارها الفني وسط بيئة ترفض عمل الأنثى في مجال الفن فشقت طريقها مدعومة بما امتلكته من مقومات الموهبة وبالإيمان بما تقدمه وحبها للفن .‏

هالة شوكت التي عاشت الفترة الأخيرة من حياتها في دار السعادة للمسنين بقيت تلك السيدة الجميلة والأم الفاضلة المفعمة بالحنان التي تستقبل زوارها باللهفة والمحبة ذاتها وعلى الرغم من أن الزمن استطاع أن يخط بعضاً من خطوطه على وجهها إلا أنه لم يستطع أن يسلبه نوره والابتسامة التي لا تفارقه .‏

لقد وارى جثمانها الثرى بعد صلاة الظهر يوم الأول من أمس حيث انطلق الموكب من (دار السعادة) فجامع الأكرم ومن ثم مقبرة باب الصغير وعلى الرغم من العدد الخجول للفنانين الذين حضروا مراسم الدفن إلا أن وجوههم كانت تتكلم بما يفيض في القلب من ألم وحزن على الفراق ولم يقتصر الحضور من الفنانين على من رافقوها الدرب وإنما تعداه إلى عدد من الوجوه الشاب , ولكن قلة عدد الفنانين لم يمنع من أن يخرج الجثمان بموكب مهيب حتى أن المارة على طرفي الطريق (أثناء مرور الموكب في شوارع دمشق) كانوا يقفون مذهولين غير مصدقين أنها جنازة فنانة أحبوها من قلوبهم مستسلمين لقضاء الله وهم يقرؤون الفاتحة على روحها .‏

**‏

الفراغ الكبير‏

تحدث الفنان خالد تاجا بداية عما يحمل في ذهنه وقلبه للفنانة الراحلة فقال : إنها صديقة العمر وأم ورفيقة وانسانة ودودة جداً ومحبة للجميع متقدة الذهن وذات ضمير صاحٍ , لقد تركت فراغاً كبيراً فقد كانت حياتها مليئة بالعطاء وكل ما تملكه كان لمن حولها , عاشت عمرها بحب للتمثيل وشغفها للفن جعلها تخسر الكثير من حياتها الاجتماعية والأسرية , وبفقدها خسرنا خسارة كبيرة لكنها لن تغيب عن ذهننا فهي رفيقة التلفزيون من أيام الأسود والأبيض وستبقى فيما بيننا . بصباها وكبرها كانت جميلة وتمتلك كاريزما متميزة ولها حضور لافت , سريعة النكتة والبديهة وإيمانها بالله قوي جداً .‏

ويضيف الفنان خالد تاجا مستغرباً : الغريب أنه لم يكن في التشييع تواجد لوزارات ومؤسسات سبق وعملت في كنفها وهي إنسانة أفنت عمرها في التلفزيون .. لقد كانت وجها مهما وأسمها علم .‏

***‏

وصفتها فاتن حمامة‏

بأنها خطرة‏

على السينما المصرية‏

***‏

الوفاء قطع نادر !..‏

(يبدو أن الوفاء بات مشكلة عامة وقطع نادر في يومنا علماً أن الفنانين في الوسط الفني كلهم كانوا زملاء للفنانة هالة شوكت بأعمال سينمائية أو تلفزيونية) ..‏

بهذه الكلمات وصف الفنان دريد لحام قلة عدد الفنانين الذين حضروا هذه المناسبة الحزينة , أما عما يكنه للراحلة هالة شوكت فيقول : أكن لها احتراما وتقديرا خاصة , أنها فنانة من الرعيل الأول الذي كافح كثيراً وسار بعكس التيار أي عكس التقاليد في الوقت الذي كان الفن يعتبر من المحرمات ولكن عشقها للفن جعلها تضحي حتى بحياتها الأسرية لتلبي الموهبة التي في داخلها وبالفعل كانت من المناضلين الأوائل في هذا المجال . لقد عملنا معاً في أسرة تشرين مسرحية (كاسك يا وطن) وكانت ساحرة على المسرح بعفويتها وأدائها المتميز حتى أنها كانت ضيفة شرف في (عودة غوار) , وعادة عندما تكون هالة موجودة في مكان التصوير تضفي البهجة والفرح والسعادة وهي قادرة أن تحول الجو المتعب والمحموم إلى جو مريح .‏

***‏

* مغامرة الخطوة الأولى‏

لكن كيف دخلت هالة شوكت للفن وما الظروف التي أحاطت تصوير أول عمل لها ? وأين تكمن خصوصية تجسيدها لشخصية الأم تحديداً ?.. كلها تساؤلات نقتطف الإجابة عليها من خلال لقاء أجريته معها في مرحلة سابقة وتحدثت فيه عن الصعوبات التي واجهتها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من شهرة ونجومية , وبعد هذا العرض لبداياتها سيكون هناك رصد لآراء عدد من الفنانين الذي شاركوا في تشييع جثمان الفنانة الكبيرة , ولكن لتكن البداية مما قالته هي نفسها عن كيفية دخولها الفن .. قالت :‏

دخلت الفن مصادفة فقد أتتني الفرصة على طبق من ذهب , والقصة بدأت من خلال معرفتي بفتيات جامعيات مصريات حيث قلن لي أن هناك مصوراً مصرياً أتى معهم لسورية وطرحن علي فكرة أن توضع صورتي على غلاف مجلة الكواكب وكنت أحب الفن كثيراً لكن ظروفي في ذلك الوقت لم تكن تسمح لي بالعمل في مضماره فوالدي كان مازال على قيد الحياة , ونشرت الصورة على غلاف المجلة وعندما علمت بالأمر حاولت جمع أعداد المجلة من خلال شرائها من السوق لكن لم أستطع فعل ذلك حيث وجه لي الأصدقاء اللوم متسائلين كيف أفعل ذلك وأنا سيدة مجتمع في دمشق ..‏

بعد أسبوع من هذه الحادثة طلب المخرج المصري عاطف سالم مقابلتي وحينها كان زوجي في الصين , أتى الأستاذ عاطف مع مدير أفلام بركات لزيارتي وعرض علي العمل في فيلم سينمائي مع عمر الشريف ففوجئت بالفكرة وبدأت أقتنع خاصة أنني سأقف أمام عمر الشريف , وقد قال المخرج أن الفرصة تأتي مرة واحدة في العمر ليس اكثر فسافرت إلى مصر وأبرمنا عقداً لأربعة أفلام . واجتمعت مع الفنان عمر الشريف لقراءة السيناريو وبدأنا التمثيل فأديت كأنني فنانة محترفة فالفن كان يجري في عروقي لكنه لم يظهر في البداية بسبب ظروفي العائلية , وكان اسم الفيلم (موعد مع المجهول) . لكن قبل الانتهاء من تصويره بعشرة أيام أخبروني بحضور زوجي للقاهرة وقالوا أنه أتى ليقتلني ولكننا تصالحنا بعد انتهاء الفيلم ومنعني من حضور حفل الافتتاح وعدنا إلى دمشق .‏

لقد اعترف بي الجميع في مصر حتى أن الفنانة فاتن حمامة قالت عني (هذه الفتاة خطرة على السينما المصرية) فالأضواء اتجهت نحوي حتى أنني تقاضيت أكبر الأجور ومجموع ما أنجزته في مصر ثلاثة أفلام سينمائية . وفيما يتعلق باسمي الحقيقي فهو توركان شوكت وبسبب صعوبة لفظه ارتأى مصطفى أمين وعمر الشريف أن يسمياني هالة شوكت .‏

*التضحية بالنجومية‏

حول سؤال لماذا لم تكمل مشوارها الفني في مصر , قالت : الفرصة كانت هناك سانحة لأكون نجمة كبيرة , لكن كان لدي ثلاثة أطفال صغار بحاجة لمن يكون معهم ويرعاهم وإن تركت دمشق من غير الممكن أن أراهم بالأم لا يبقى لها فيما بعد إلا أولادها فهل أخسر أولادي في سبيل النجومية ?.. لذلك فضلت أن أكون نجمة صغيرة في بلدي على أن أكون نجمة كبيرة خارجها , فضحيت من أجل أولادي . وقد عملت بعد عودتي لسورية مع عدد من المخرجين وأنجزنا العديد من المسلسلات كما شاركت بالعديد من الأفلام السينمائية , وفي مجال المسرح عملت في وزارة الثقافة بالمسرح القومي وشاركت في العديد من المسرحيات وأهم ثلاثة أعمال أعتز بها هي (العنب الحامض , ترويض الشرسة , موت بائع جوال) حتى أنهم في ذاك الوقت أسموني نجمة عام 1967 فقد شبعت روحي بالمسرح القومي .‏

وعن خصوصية أدوارها وخاصة دور الأم قالت : أديت في المرحلة الأولى دور الفتاة الجميلة , ثم انتقلت لأداء دور الأم ومن خلال أدوار الأم أحبني الجمهور كثيراً وخاصة السيدات وبما أنني أم ومن حبي لأولادي البعيدين عني كنت أجسد الدور بكل صدق وإحساس عالٍ فأنا الأقدر على القيام بدور الأم .. وعلى سبيل المثال لا الحصر الأعمال المهمة التي أديت فيها دور الأم (الأجنحة , أيام شامية , الجذور السوداء) .‏

وأجابت عن سؤال (كيف تعرفين هالة شوكت?) قالت : إنها انسانة تحب أولادها صادقة وفية تعمل بإخلاص وتعامل الآخرين بشكل جيد , فهي إنسانة بسيطة .‏

* عملت لفنها ووطنها‏

الوقفة الثانية كانت مع عدد ممن حضروا مراسم تشييع الفنانة هالة شوكت حيث تحدث بداية أبنائها فقال الابن الأكبر (مروان) : لقد استطاعت والدتي رحمها الله أن تجمع بين العائلة وطموحها الفني وأعتبر ذلك بطولة منها , فعندما كان يصيبنا أي طارئ كانت تترك التصوير لتكون بيننا , لم نقبل في البداية ككل شرقي أن تمارس مهنة الفن ولكن فيما بعد أصبح للفن قيمة في البلد ورفع الرئيس حافظ الأسد مستوى الفنانين والحمد لله العمل الفني في سورية اليوم يرفع الرأس .. لقد عملت لفنها ووطنها وأولادها واستطاعت أن توفق بين الجميع .‏

أما ابنها الأوسط (مأمون) فتحدث عن عطاء السيد رئيس الجمهورية والسيدة عقيلته فقال : لقد اتصلوا بي إلى عمان من دار السعادة وقالوا لي أن السيد الرئيس بادر إلى تغطية نفقات اقامتها في دارالسعادة إضافة لنفقات العزاء وكانت مبادرة جميلة جداً , إن هذه الالتفاتة كانت قيمتها كبيرة في قلوبنا ونحن نشكر السيد رئيس الجمهورية والسيدة عقيلته ونقدر هذه المبادرة التي كانت بلسماً يعزينا بوفاة والدتنا .‏

*علم من أعلام الفن‏

تحدث الكاتب عماد ياسين مدير مديرية الإنتاج في التلفزيون السورية قائلاً : إنها فنانة عظيمة و علم من أعلام الفن ولكن كلنا سنموت ولا يبقى للإنسان إلا أثره وهي قد تركت وراءها أثرا عظيما وأعمالا خالدة وكان لي الشرف أنها شاركت في عمل من تأليفي عام 1996هو (حنطة وبس) حيث كانت في أوج عطاءها .‏

أما الفنان رياض نحاس فقال : (إنها الوحيدة في سورية التي ضحت بحياتها العائلية واتجهت للفن , فكرست حياتها له لقد كانت شفافة ودودة محبة لذلك تجد أن زملاءها كلهم يحبونها ..) . وحول سبب قلة عدد الفنانين المشاركين في التشييع أجاب (لكل إنسان ظروفه فقد يكون مريضا أو يصور عملا ما أو يسجل في الإذاعة أو أن هناك أشخاصاً لم يعرفوا بعد لكن أرى أنه كان هناك عدد جيد من الفنانين) . وعلّق الفنان أحمد ملي على مسألة قلة عدد الفنانين المشاركين في التشييع بالقول : كنت أتوقع رؤية عددا أكبر من الفنانين خاصة أن هالة شوكت كانت ودودة وتتعامل بطيبة قلب مع الجميع وهي نجمة مهمة لها تاريخها . أما الفنان صالح الحايك فقال : هالة فنانة إنسانة وبغيابها فقدت الحركة الفنية فنانة مهمة تركت بصمة رائعة للحركة الدرامية في سورية , فمنذ أعمالها في التلفزيون بالأبيض والأسود وهي تسحر المتلقي .‏

* تكريس تقاليد للأجيال القادمة‏

يقول الفنان طلحت حمدي : (لقد تعرفت على الراحلة منذ عام 1963 بعد عودتها من مصر وكان لي الحظ في العمل معها في المسرح والتلفزيون , لقد كانت مثل الطيف لا تزعج أحداً لا بل هي صديقة للجميع كانت خفيفة الظل ملتزمة بمواعيدها ودورها وعطائها , مخلصة للمهنة وأما حقيقية للجميع , ولكن يبقى لكل شيء نهاية ويبقى أن يترك الإنسان وراءه ذكرى جميلة وعملا صالحا ) , وعن مستوى مشاركة الفنانين الجنازة قال : (كنت أتمنى أن يكون العدد أكبر مما هو عليه فأقل ما يمكن أن نقدمه لفنانة مثل هالة شوكت أن نكرمها بوداعها لمثواها الأخير وعندما نكرم فنان بمشاركتنا في تشييعه فإننا في الحقيقة نكرم أنفسنا ونكرس تقليدا للأجيال القادمة بأن تحترم الأجيال التي سبقتها , ويحز في النفس أن نقابة الفنانين تضم ألفا وستمئة فنان ولا يخرج من جنازتها سوى عدد قليل منهم وهذا الأمر لا يدل على بشائر خير وإنما يدل على الأنانية والإنعزالية , والمفارقة أنه لو كان الحدث (حفل عشاء) لكان العدد أكبر من ذلك بكثير ولكن طبيعة الحياة غيرت نوعية العلاقات بين الناس) .‏

**‏

أول ممثلة سورية في مصر‏

تقول الفنانة منى واصف : تعرفت على هالة منذ أيام الفنون الدرامية عندما أتى بها الأستاذ جميل ولاية وكانت امرأة جميلة جداً فقد نشرت صورها قبل سنتين من دخولها للفنون الدرامية عام 1964 في مجلة الكواكب وكانت شبيهة الممثلة الهوليودية جينيفر جونس , كما أنها كانت أول فنانة سورية تدخل مصر كممثلة وسيدة مجتمع وليس كمطربة , وقد بدأت علاقتي بها من الفنون الدرامية ومن ثم المسرح القومي وقدمنا أهم الأعمال وكانت زميلة عزيزة ورفيقة صادقة وسيدة جميلة فلها حدقة عين جميلة جداً , وبقيت هذه العلاقة الطيبة حتى أنها وقفت إلى جانبي عندما توفي زوجي , وعندما عرفت أنها دخلت لدار السعادة زرتها أكثر من مرة . ونشكر الله أنها لم تشعر بظلم في آخر أيامها وهذا أمر مهم جداً للفنان وهنا أتوجه بالشكر السيدة أسماء الأسد التي اهتمت شخصياً بأمر الراحلة هالة شوكت منذ دخولها دار السعادة وحتى مماتها , فالفنان لا يلقى الرعاية فقط وهو يعطي وإنما حتى بعد أن يكبر ويموت ..‏

أما فيما يتعلق بفترة إقامتها في الدار فقد كانت مرحة ومقبلة على الحياة حتى أنها لم تجعلنا نشعر أن المرض يمكن أن يقضي عليها فكانت قوية . لقد دخلت دار السعادة بناءً على طلبها فأولادها الثلاثة موزعون بين دبي والأردن ولبنان , والدار ليست مأوى للعجزة وإنما لترفيه ورعاية الإنسان فدخولها للدار هو بحد ذاته نوع من الاهتمام كي لا تبقى لوحدها .. أقول لهالة أننا لن ننساها لا بضحكتها ولا بأعمالها ولا بلون عينيها الجميل .‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية