تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


نيتشـــــه والعَــــوْد الأبدي

ملحق ثقافي
24/7/2007م
علي محمد إسبر

من أكثر الاعتقادات إثارة للخطورة، في تاريخ الثقافة الإنسانية، هي تلك التي تتمحور حول أن الزمان الذي تخضع له الكائنات،

لا يمكن أن يكون مطلقاً، بمعنى أن الأحداث، لا يمكن أن تمتد على شكل خط مستقيم إلى غير نهاية، بل يجب أن يتوقف عند حدّ معين، ومن ثم يشرع الزمان بأن يبدأ من جديد، متضمناً الأحداث نفسها، بمعنى أن الزمان من خلال رجوعه في عملية مستمرة إلى نقطة بدايته، يقوم بتكرار الأحداث التي اكتنفها سابقاً. والحقيقة أن الفيلسوف الألماني العظيم فريدريك نيتشه (1844- 1900) استطاع أن يجعل من هذه الفكرة بمثابة الأساس الجوهري الذي تقوم عليه فلسفته في جملتها. والواقع أن هذه الفكرة تعود إلى الفلاسفة اليونانيين الأُول، حيث أن أول من قال بهذه الفكرة بشكل أو بآخر، هو الفيلسوف اليوناني أنكسيمندريس الملطي (610- 547 قبل الميلاد)، الذي يقوم مذهبه الفلسفي على أن الأشياء تخرج عن اللامتناهي، أي الموجودات كافة تتكون بفعل صدورها عن مادة أولية غير محدودة من حيث الكمّ والكيف، هي الأبيرون أو اللامتناهي. ويرى أنكسيمندريس إلى أن الأشياء تخرج من اللامتناهي، ثم تخضع لفساد أو انحلال، وبعد ذلك تعود إليه من أجل أن تتشكل من جديد.‏

وكل موجود يأخذ آجالاً طويلة حتى يُعاد تشكيله، ومن الموجودات ما يُعاد تشكيله في أوقات قصيرة. ونجد هذه الفكرة تتكرر أيضاً، وإن بطريقة مغايرة، عند الفيلسوف اليوناني هرقليطس الأفسوسي (540- 475 قبل الميلاد) الذي اعتقد أن النار بوصفها رمزاً أنطولوجياً، هي المبدأ الذي تصدر عنه الموجودات كافة، ومن ثم تعود إليه. والنار عند هرقليطس، هي لوغوس (قانون) العالم. وبما أن الأشياء معلولة للنار، فإن النار تنزع إلى الخلاص من هذه المعلولات، حتى تتحرر من شوائبها لتصير ناراً إلهية أثيرية. وإذا تم ذلك، يتحقق ما يسميه هرقليطس (الدور التام)، لكن الدور لا يتوقف في حال تمامه، وإنما يعود ليبدأ من جديد. وبالتالي تعود النار من حال النقاء المطلق إلى حال الضعف، فتبدأ مرة جديدة بإيجاد الكائنات؛ وهذا يحدث بموجب لوغوس، أي قانون. ولذلك فإن هذه العملية تتكرر دائماً وأبداً. ويبدو واضحاً أن هذا الفهم للزمان يقوِّض معنى المستقبل، ويرفض الانفلات من عجلة الأبدية. ولا شك أن نيتشه كان على علم بما ذهب إليه كل من أنكسيمندريس وهرقليطس. ولذلك هو يقول عن جملة أنكسيمندريس التالية: «إن ما تتولد عنه الأشياء، إنما يجب أن تعود إليه أيضاً، لكي تبلغ نهاياتها بالضرورة، ذلك أنها يجب أن تُكفِّر عن أخطائها حسب نظام الزمان»؛ نقول إن نيتشه يقول عن هذه الجملة: «إنها صيغة إلهية محفورة في فجر الفلسفة الإغريقية». وبالإضافة إلى ذلك، فإن نيتشه يفسر ابتكار الأشياء من قِبَل النار ثم تحطيمها وإعادة ابتكارها من جديد، على أساس أن النار تشبه الطفل الذي يُكدس على شاطئ البحر أكواماً من الرمل ثم يهدمها، أي أن النار مثل الطفل الذي يبني ويهدم، ولكن بكل براءة. وهذا يعني أن العالم لعبة.‏

إنه لعبة النار مع نفسها. وقد شغلت هذه الفكرة العميقة ذهن نيتشه إلى أبعد الحدود، حتى أمضى سنوات طويلة وهو يحاول إثباتها علمياً. ولكن من أجل تفسير هذه المسألة بشكل دقيق، ينبغي البدء أولاً من كتاب نيتشه الشهير (هكذا تكلم زرادشت)؛ حيث نجد في هذا الكتاب قصة يرويها زرادشت، لسان حال نيتشه، لعدد من البحارة. وفحوى هذه القصة التي يجب تأويلها رمزياً، هو أن زرادشت كان صاعداً على جبل شاهق، لكنه كان حاملاً على كتفيه مسخاً يُثقل كاهله. وصعود زرادشت يدل على إرادة القوة التي تقوم في جوهرها على المخاطرة، والمسخ يدل على الضعف الذاتي عند زرادشت. لكن إرادة القوة تريد أن تصل إلى الإنسان الأعلى، أي أن زرادشت بصعوده الجبل يتحدى نفسه ليصير إنساناً أعلى. ولذلك هو يصعد إلى الأعلى دون توقف، مدفوعاً بإرادة القوة. ولذلك يأتي المسخ ليثبط معنويات زرادشت، فيقول له: «يا زرادشت، يا حجر الحكمة، أيها الحجر المقذوف ويا محطم النجوم، إنما قذفت نفسك إلى هذا العلو، ولكن لا بد لكل حجر يُرمى أن يعود فيسقط». وهنا يفسر الفيلسوف الألماني أويغن فنك في كتابه (فلسفة نيتشه) على النحو التالي: «إن جميع مشاريع البشر تعود لتسقط بالضرورة في النهاية، ذلك أن الصعود اللانهائي غير ممكن، لأن الزمن اللانهائي يحول دونه، ففيه تستنفد كل قوة، وهو يسيطر على أقوى إرادة، ويقصم أوسع الآمال. وروح الثقالة (أي المسخ) تجر كل ما ينطلق إلى الوراء وتحيله سقوطاً.. إن كل معنى، حيال الزمان اللانهائي، يصبح بالتأكيد عبثاً، وتصبح كل شجاعة باطلة، وتتقلص كل عظمة». لكن نيتشه، من خلال إيمانه العميق بإرادة القوة، يرفض تماماً أن يقف أي عائق في وجه الإنسان الأعلى، وبناء على ذلك يرفض نيتشه فكرة لانهائية الزمان بالمعنى الكلاسيكي، ويسعى جاهداً إلى إثبات حقيقة باقية، حقيقة أن محاولة الإنسان الأعلى افتراع سر الوجود، لا يمكن أن تتلاشى في لانهائية الزمان. وكرد على ذلك يقدم نيتشه تصوراً مختلفاً للزمان، يكون العَوْد فيه هو الرد على فكرة (الآن)؛ فالآن يقسم الزمان إلى زمان ماضٍ وزمان مستقبل. والزمان في الماضي هو زمان لانهائي، بمعنى أنه زمان يوغل في القدم، إلى حد أنه شمل كل ما يحدث على المستوى الزماني، بمعنى أن فكرة الأزلية التي هي اللانهاية في الزمان الماضي تعني أنها أزلية استنفاد كل الأحداث التي من شأنها أن تكون زمانية، فكيف يمكن للأزلية أن تكون لانهائية، من دون أن تستنفد كل الأحداث الزمانية. وهذا يعني أن ما حدث في الأزلية هو زمان تام، أي لا يوجد فيه أي شيء لم يحدث في هذه الأزلية. وبما أننا أشرنا إلى أن نيتشه يقول إن (الآن) يقسم الزمان إلى ماضٍ ومستقبل، وكان من شأن الماضي أنه أزلي، فإن المستقبل يقتضي الأبدية، أي يقتضي لانهائية الأحداث الزمانية في المستقبل. والأبدية هي أيضاً زمان تام. والمفارقة هنا أن (الآن) يفصل بين الأزلية والأبدية، وكل منهما زمان تام، فكيف يصح ذلك؟ أي كيف يمكن أن يوجد في الوجود زمانان تامان؟ والحقيقة أن نيتشه يتجنب هذه الصعوبة، من خلال التأكيد على أن وجود الزمان بشكل تام في الماضي، يعني أنه انتهى من حيث هو زمان، لكن ضرورة وجود الزمان في المستقبل يعني أنه يجب أن يوجد، ولأنه كان موجوداً، فإن هذا يعني أن وجوده يعود من جديد. وهنا بالذات يتم القبض بكلتا اليدين على فكرة العَوْد الأبدي عند نيتشه. وهنا يقول أويغن فنك: «إن عودة المثيل الأزلية ترتكز على أزلية مسيرة الزمان، فلقد تم كل شيء بالضرورة وينبغي أن يعود ثانية». وهنا يسوق أويغن فنك ما قاله نيتشه في (هكذا تكلم زرادشت) حول العود الأبدي: «وهذا العنكبوت البطيء الذي يزحف في ضياء القمر نفسه وضياء القمر نفسه، وأنا وأنت اللذان نتهامس بأشياء أزلية تحت هذه البوابة، ألا ينبغي أن نكون جميعنا قد سبق وكنا ها هنا؟ - أوليس علينا أن نعود ونجري من جديد في هذا الشارع الآخر، في هذا الشارع الطويل المحزن؟ ألا ينبغي أن نعود إلى الأبد؟». لكن إذا كان العود حاصلاً فعلاً، فهل كل شيء يستحق أن يعود من جديد مثل البشر الذين لا معنى لوجودهم، والأعمال السخيفة..إلخ؟ يبدو أن نيتشه يرى العود شاملاً، لكن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز يربط بين العود وإرادة القوة، ويؤكد على أنطولوجيا انتخابية تحكم العَوْد. ومهما يكن من أمر، فإن نيتشه يقول: «أيها الإنسان! إنك، كالساعة الرملية، ستعود من جديد، وستذهب من جديد دائماً أبداً». وهنا يعقّب عبد الرحمن بدوي قائلاً: «نظرية العَوْد الأبدي لا تقضي على الحرية، بل هي التي تخلصها من الحاجز الذي كان يحد منها حتى الآن، حاجز ثبات الماضي. ذلك لأنه لما كان الماضي هو أيضاً المستقبل، فإن النفس حرة فيما خُلق وفيما لم يُخلق. ومن يعرف العَوْد الأبدي يشعر بأنه فوق كل استعباد للزمان. إن (الآن) ليس هو اللحظة الهاربة، بل هو التصادم بين المستقبل والماضي. وفي هذا التصادم يستيقظ (الآن) لنفسه ويعي ذاته». وقد أشرنا إلى أن نيتشه قد حاول أن يثبت فكرة العود الأبدي، إثباتاً علمياً. ويشرح عبد الرحمن بدوي نظرية نيتشه في إثبات العود الأبدي للأشياء من خلال الإشارة إلى أن نيتشه اعتمد على براهين مستمدة من علم الطبيعة، لتأكيد هذا الأمر. وخلاصة برهانه هو أن مجموع القوى الموجودة في الكون ثابت محدد، أي أنه متناهٍ. «وما دام متناهياً، فإن مجموع الأحوال والتغيرات والتركيبات والتطورات التي تحدث في هذه القوى، لا بد أن يكون متناهياً هو أيضاً ومحدوداً. ولما كان الزمان لانهائياً غير محدود، فلا بد أن تأتي لحظة من لحظاته – مهما كان من طول المدة السابقة عليها والتي مرت فيها الأحداث الكونية الممكنة كلها – فيها يعود تركيب ما سبق وجوده من قبل». وبما أن قانون العلية – كما يشرح عبد الرحمن بدوي – يقتضي تتابعاً متسلسلاً للعلل والمعلولات، فإن هذا يعني أن السلاسل العلية سوف تحضر إلى الوجود كل ما كان موجوداً. الحقيقة أن هذه الطريقة في التفكير تثير القشعريرة وتدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه خاضع لضرورة عمياء لا ترحم، تخضعه لعجلة الميلاد ولطاحونة الموت بشكل لانهائي. وفي هذه الرؤية تراجيدية مؤلمة تميز بها تفكير نيتشه هذا الإنسان الأعلى، الذي أراد أن يحصر السرمدية في اللحظة، وبالتالي السرمدية تكون مقتصرة على حوادث الحياة ولا تمتد إلى عالم مفارق مغاير لهذا العالم. ويبدو أن نيتشه، سواء عن علم أو عن غير علم، كان متأثراً برأي هيغل الذي يقول: «إن الماهية هي ما كان»، وهذا يعني أن معنى الوجود يتجلى في الماضي، وذلك لأن أي حادث يقع في الحاضر أو المستقبل، سوف يتأصل حتماً في الماضي. وهذا يعني أن الماضي ماهوي بالنسبة إلى الوجود؛ لكن المشكلة عموماً في هذا النوع من الفهم للزمان، هي أنه حتماً يجعل الغاية الأساسية من حركة التاريخ هي الرجوع إلى الماضي. وكأن الغائية يجب ألا تكون مستقبلية، بل هي تعيش في الماضي، والغائية المستقبلية ما هي إلا نوع من النسخ – في أحسن الأحوال – لهذه الغائية الماضية. إن الزمان حتماً هو غائي، ولأنه يحتوي على ممكنات الوجود، فإنه يحققها في المستقبل، فالماضي يُدمِّر فكرة الممكن.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية