تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


«لـــوك فيــري».. الكتابــــــــــــة والخــــــــــوف

فضاءات ثقافية
الأحد 16-12-2012
«اغتنام الحياة» كتاب فيه دعوة إلى نبذ الخوف، والإقبال على الحياة بنهم، ومؤلّفه، الفرنسي لوك فيرّي الذي شغل منصب وزير للتربية قبل بضع سنوات، هو واحد من الفلاسفة الجدد،

الذين أحدثوا قطيعة مع الاتجاهات الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال جاك دريدا وجاك لاكان وجيل دولوز وميشال فوكو، لاعتقادهم أنّ الفلسفة حادت عن مباحثها الجوهرية، ونأت عن مشاغل الناس، وأوغلت في مباحث أبستيمولوجية عويصة، بلغة بالغة التعقيد لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة.‏‏

لقي هذا التيار الجديد نجاحاً غير مسبوق، لانتهاجه خطاباً مبسَّطاً في تحليل القضايا الراهنة التي تشغل إنسان هذا العصر. ومن رموزه البارزة التي لقيت كتاباتها إقبالاً شديداً لدى عامّة القرّاء، أندري كونت سبونفيل وبسكال بروكنر ولوك فيرّي موضوع هذه الورقة.‏‏

بعد تخرّجه من السوربون ثم من هيدلبرغ بألمانيا في أواسط السبعينات، التحق لوك فيري بالتدريس، فدرّس الفلسفة والعلوم السياسية في جامعات فرنسية كثيرة، وبدأ نشر إنتاجه منذ 1985 بكتاب ينتقد الفكر الفلسفيّ السائد، وعنوانهُ «مقال في مناهضة الأنَسّيّة المعاصرة» ثم أصدر كتاباً بعنوان «النظام الإيكولوجي الجديد» حاز جائزة ميدسيس وآخر بعنوان «الإنسان الإله أو غاية الحياة».‏‏

وبعد أن نشر كتاب «الفلسفة كما شرحتُها لابنتي»، أصدر كتابه الذي بين أيدينا، وعنوانُه «اغتنامُ الحياة»، يتوجّه فيه إلى الأجيال الشابّة، ويستعرض المراحل الكبرى التي قطعها التفكير الفلسفي منذ ظهوره في عهد الإغريق حتى اليوم، ويحلّل الأبعاد الثلاثة التي ينطوي عليها كلّ فكر فلسفي، وهي على التوالي: النظرُ فيما هو موجود، أي التنظير، والتّوق إلى العدل، أي الأخلاق، والبحث عن الخلاص، أي الحكمة، ليخلص إلى القول إن الفلسفة ليست فنّ الأسئلة كما يُشاع، وإنّما هي بالأساس فنّ الأجوبة.‏‏

ففي رأيه أن إنسان هذا العصر يجد نفسه – في ظلّ المتغيرات الاجتماعية والتقلّبات السياسية والاقتصادية، والتطورات العلمية والتكنولوجية – نَهْبَ الشكوك والظنون والتساؤلات، مثلما يجد نفسه عرضة لمخاوف عديدة، مخاوف جسمانية وسيكولوجية واجتماعية، تشغله وتفسد عليه راحته واطمئنانه.‏‏

ومن ثَمّ، يتوقّف الكاتب عند بعض المسائل التي ساهمت في خلق ما يسمّيه الخوف الإيكولوجي الذي ساد منذ ثلاثة عقود، أي الخوف من الأشياء التي حذّر من مخاطرها المدافعون عن سلامة البشر والبيئة، وفي رأيه أنه خوف إيجابيّ مشروع لا ينبغي الخجل منه، بل ينبغي التنبّهُ إلى فوائده واغتنامُ جوانبه الإيجابية.‏‏

منذ البداية، يضع فيري الفلسفة في مواجهة الدين، فهما في رأيه طريقتان لمقاربة الخلاص. فالقدرية في الفلسفة القديمة تقوم على تملي النظام الكوني والعيش وفقه لنبذ الخشية من الموت، باعتباره حدثاً عابراُ، واعتبار الإنسان جزءاً أزلياً من الكون. وما على الإنسان– لكي يعيش وفق ذلك النظام– إلا أن يتخلص من ثقل الماضي ويمحو سراب المستقبل، أي أن يتمنى بقدر أقل ويحب الحاضر بقدر أكبر.‏‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية