تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


ثنائية الجمال والقبح في الفن والحياة

ملحق ثقافي
27/11/2007م
أمبرتو إيكو ترجمة د. علي محمد سليمان

في كل قرن و في كل عصر يشهد تحولات كبرى يعمل الفلاسفة و المبدعيون في حقول الأدب و الفن على توفير تعريفات للجمال،

و بفضل أعمال هؤلاء الفلاسفة و المبدعين يمكننا أن نجمع تاريخاً لتطور الأفكار الجمالية عبر العصور. لكن هذه العملية المعرفية لم تحدث فيما يتعلق بمفهوم القبح. لقد كان مفهوم القبح في أغلب الفترات يعرف على أنه نقيض مفهوم الجمال.‏

و لم يحدث في تاريخ تطور الدراسات المتعلقة بعلم الجمال أن خصص لدراسة مفهوم القبح أي معالجة مطولة أو معمقة له. من المؤكد أن أي تاريخ مفترض للجمال لا بد أن يتقاطع و يشترك في نقاط عديدة مع تاريخ مقابل له هو تاريخ القبح. فمن ناحية أولى، لا بد لنا من التأكيد على حقيقة تاريخية هي أن الذائقة الجمالية لعموم الناس في عصر ما لا بد أن تتوافق في كثير من ملامحها مع الآراء و الأفكار الجمالية التي ينتجها الفلاسفة و المنظرون في نفس العصر حول مفهوم و خصائص الجميل في الفن و الحياة. لنفترض أن زواراً من كوكب آخر وفدوا بطريقة ما إلى كوكب الأرض و قاموا بزيارة معرض للفن التشكيلي الحديث. إذا شاهد أحد أولئك الزوار الغرباء لوحة لبابلو بيكاسو فيها رسم بمعالجة خاصة لوجوه نساء و سمع من زوار المعرض الأرضيين تعليقات تفيد أن هذه الوجوه في لوحة بيكاسو جميلة فإنه بالتأكيد سيعتقد مخطئاً بأن النساء الجميلات و المثيرات للرغبة بالنسبة للرجال الأرضيين في حياتهم اليومية يطابقن في أشكالهن تلك الكائنات في لوحة بيكاسو. لكن هذا الزائر الفضائي نفسه سيغير رأيه حول مقاييس جمال المرأة الأرضية إذا ما شاهد عرضاً للأزياء أو مسابقة لاختيار ملكة جمال العالم حيث سيشهد احتفاء بنموذج مغاير للجمال. لكن للأسف نحن لا نستطيع تكرار تجربة الزائر الفضائي عندما نحاول أن نستكشف مفاهيم الجمال و القبح في الأزمنة الماضية، و ذلك لأن كل ما تبقى لنا من تلك الحقب الغابرة هو فقط أعمال فنية. و ليس هناك أي وثائق أو نصوص تخبرنا عما إذا كانت تلك الأعمال تهدف إلى تحقيق متعة جمالية أم إثارة الخوف أو الصدمة أو تقديم رؤيا مغايرة لمقاييس الجمال في الحياة اليومية. و من خلال التجربة الواقعية نرى أن قناعاً يستخدمه الأفارقة في طقوسهم مثلاً لا يثير إلا الرعب بالنسبة لمتأمل غربي، بينما يمثل هذا القناع بالنسبة للأفريقي رمزاً جمالياً يتعلق بثقافته. و في المقابل، فإن المشهد الدموي العنيف لصلب السيد المسيح قد لا يحمل أي بعد جمالي بالنسبة لبشر لا يؤمنون بالديانة المسيحية، بينما يمثل هذا المشهد ذاته صورة تثير مشاعر عميقة و جوهرية بالنسبة لمن يؤمن بالديانة التي توظف هذا المشهد كرمز روحي. و كذلك فإن تلك الكائنات الخرافية العملاقة التي تملك عيناً واحدة في معتقدات العصور الوسطى تنظر باستغراب و استهجان إلينا نحن البشر الذين نملك عينين. لقد عبر فولتير بعد قرون عن هذه الفكرة في القاموس الفلسفي حيث يقول: "إذا سألت أحد الزواحف ما هو الجمال، الجمال الحقيقي فإنه سيجيبك بأن الجمال يتجسد في قرينته بعينيها الكرويتين الرائعتين اللتين تطلان من رأسها الصغير و برقبتها العريضة و ببطنها الأصفر و ظهرها البني .. و إذا سألنا الشيطان نفس السؤال فإنه سيجيبنا بأن الجمال الحقيقي هو كائن بأربعة مخالب و ذيل". إن تفسيرات و ملامح الجمال أو القبح لا تعود في الغالب إلى معايير علم الجمال، بل تعود إلى معايير إجتماعية سياسية. يشرح كارل ماركس العلاقة بين الجمال و القبح في هذا السياق من خلال الدور الذي يلعبه المال في تعويض القبح حيث يقول: "بما أن النقود تمتلك ميزة أنها قادرة على شراء أي شيء فإنها تشكل الشيء الجوهري الذي يجب السعي لامتلاكه. و هكذا فإن مقدار قوة الفرد يتحدد بقدر ما يملك. و هكذا تصبح النقود العامل الأول في تحديد قدرة الفرد و ليس خصائصه الفردية. لذلك تولد وظيفة النقود هذه قناعة لدى الفرد مفادها إن كنت قبيحاً فأنا أستطيع أن أحصل بنقودي على أجمل النساء. و بهذا المعنى تحيد النقود صفة القبيح من خلال وظيفة القوة و السلطة التي تعطيها النقود". و في رؤية عامة لموضوعي الجمال و القبح في سياق تطور تاريخ الأفكار و مفاهيم علم الجمال نطرح التساؤل التالي: هل يمكن إعتبار تاريخ القبح هو النظير المقابل لتاريخ الجمال؟ و هل يمكننا الاستمرار بالنظر إلى مفهوم القبح على أنه النقيض لمفهوم الجمال؟ هل يمكن أن نكتفي بهذا التعريف البسيط؟ يبدو أنه علينا أن نكون أكثر حذراً و دقة عند محاولتنا تعريف القبح أو البحث عن تاريخ له يمكن أن يعكس مسار تطوره كمفهوم في الحضارة الإنسانية. و ربما علينا إعادة التفكير فيما تقدمه لنا الساحرات في مسرحية شكسبير "ماكبث" من أفكار عن تلك العلاقة الغامضة و المعقدة بين الجمال و القبح. ناقد و مفكر عالمي معروف في مجال علم الدلالة و علم الجمال. نشرت هذه المقالة في صحيفة لوس أنجلوس تايمز و هي مقطع من كتاب يعده إيكو حالياً عن تطور القبح كمفهوم جمالي.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية