تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


العذرية .... رؤية جديدة للعالم ....

كتب
الأربعاء 7-4-2010م
أحمد علي هلال

هل مازال الشعرالعذري إشكالية بامتياز ، إذ تذهب مقاربات عديدة لاستنطاق شبكة نصوصها وعلاقاتها ، منها مايحتفي على الأقل - بجماليات النصوص وفرادة الأصوات ،

ومنها مايذهب مطمئناًَ بحثاً عن معادلها الغربي الأوروبي ....وفي مطلق الأحوال يطمئن الخطاب النقدي بدوره ليقين (الشرط التاريخي) وعزل ظاهرة الشعر العذري «بما وصله» من أصوات بعينها ما يعني أنه خطاب منجز في الأعم الأغلب !!‏

صحيح أنه بذلت جهود بحثية راقية ، برع فيها نقاد ومفكرون كبار ، منهم على سبيل المثال : ماقدمه الناقد يوسف سامي اليوسف وماقدمه المفكر د. صادق جلال العظم من أبحاث أخصبت نصوص العذريين ، في مستوى التنبه الجمالي وفي مستوى التنبه المعرفي ... إلا أن طبيعة الظاهرة سوف تحيلنا باستمرار لأسئلة إضافية من داخلها ، بمعنى أن ظاهرة الشعر العذري بماتمتلك من إشكاليات مازال يثيرها الدرس النقدي المعاصر ، ستبدو ظاهرة مفتوحة للتأويل ، وبمدى ماتتعالق به من سياقات أخرى ،لاسيما مع تطور العلوم الاجتماعية والانسانية وغيرها ، من شأنها أن تفصح عن رؤية جديدة لتلك الظاهرة ، إسهاماً في التفسير والفهم ، بمنهج مختلف وأدوات مغايرة ونظرة متكاملة .‏

ذلك مايضعنا أمام المقاربة المنهجية الدالة، لعالم الاجتماع التونسي د. الطاهر لبيب في كتابه : « سوسيولوجيا الغزل العربي - الشعر العذري نموذجاً » والذي صدر لأول مرة باللغة الفرنسية عام 1974م وترجم الى اللغة العربية ثلاث مرات الأولى لحافظ الجمالي - دمشق - عام 1981م ،الثانية لمصطفى المسناوي - الدار البيضاء - عام 1987م وبيروت 1988م ، أما الثالثة فلمحمد دياب - القاهرة - عام 1994م ولكن ما الذي يبرر صدوره للمرة الرابعة وبترجمة مؤلفه د. الطاهر لبيب ؟؟‏

بوسع المؤلف أن يجد مسوغات كثيرة منها صياغة الأدب على حساب الدقة في نقل بعض المعاني وأغلب المفاهيم كما رآها في الترجمة الأولى، أما الثانية فحرص في الدقة على حساب العبارة وحسنها، وهكذا، الثالثة: السعي الى بعض الجمع بين الدقة والذوق . كأنه يستبطن مآخذه على تلك الترجمات .... لكن ثمة أسباب مختلفة ليواجه المؤلف نصه ويؤرضنه ، ويعربه ودافعه الأقوى أنه تناول ابداع العذريين من وجهة سوسيولوجية ، وبمرونة وبنسبية تبنى على مقاربة أن « المرأة التي لاتدرك في الشعر العذري ، هي رمز دال لايحيل عليها واقعاً ،وإنما يحيل على رؤية جماعية للعالم « رؤية جماعة حرمتها الهامشية من إدراك ماتمكنت منه في عهدها ... لعله السياق الذي يعيد فيه عالم الاجتماع ،الطاهر لبيب ، النظر في مسلمات مانسب الى العذريين من عفة الجنس في الحب وسواها من إشكاليات ، لاسيما فيما يتعلق بأن تاريخ الأدب العربي كما كتب لايملك حس الاشكالية ، وأن اهتمامه كما يقول الطاهر لبيب ، على وجه التقليد لجوانب ثانوية من الابداع العربي، عرضة للتجمد في الموروث من التأكيدات ...‏

لكنه في مقاربته التي تواكب تطورات العلوم الانسانية ، في حقل سوسيولوجيا الأدب ، وماأرسته البنيوية التكوينية بصياغة الفرنسي الروماني الأصل لوسيان غولدمان ،من تفسير مادي واقعي للفكر والثقافة، لفهم علاقة الأفراد المبدعين بالثقافة ومنها الأدب ، هذا المهاد الذي تنطلق منه الدراسة في تحليلها للعذريين كمجموعة اجتماعية ،دون أن تخوض في مجال البنيوية التكوينية وصعوباتها الإجرائية بل تبقي على مفهوم رؤية العالم العذري من وجهة اجتماعية تتحرى «الفاعل الاجتماعي» دون تجاوز خصوصية الابداع الشعري ، وربما هنا الجديد في المنهج والرؤية ، اللذين يضيئان بحثاً جديراً بالاهتمام،والمقارنة ، لجهة طبيعته المعرفية الاجرائية التي لاتقدم اجابات جاهزة ، بقدر ماتحرض ، وتشتبك لتتوالد في فضاءاتها تلك الأسئلة المتواترة: هل أهمل الشعر العذري ، مقارنة بغيره من الغزل ، وهل الشعر المنسوب الى العذريين هو انتحال متأخر ، وأن بعض المحبين وأولهم مجنون ليلى هم من اختراع المخيال السردي ومادلالة الانتحال هل هي تأويل جماعي للعالم الشعري ، تأويل تزداد أهميته بقدر ابتعاده عن النقد الأدبي الرسمي الموسوم بطغيان الأسلوب والبلاغة ؟؟!!‏

  تذكرنا هذه الأسئلة - على الأقل - في سياقاتها ودلالاتها بكتاب عميد الأدب العربي د. طه حسين في الشعر الجاهلي وهو يضع نسب ذلك الشعر موضع الشك ،لكن الطاهر لبيب يذهب الى الظاهرة العذرية بوصفها ظاهرة اجتماعية ، ولمقاربة المنجز العذري في انتقائية لشخصياته « الواقعية » لتفكيك التصورات التي تذهب للشاعر ، وليس شعره ، وعليه يناقش الشعر انطلاقاً من رؤية كلية تقارب التصنيف المنمط للمجموعة العذرية كما توزعها الجغرافي منبهاً الى ماذهبت إليه البحوث ( الأثنولوجية ) الحديثة من خطأ الافراط في استحضار الشاعر ، باعتباره فرداً في جماعة محددة مادياً ، بالمطابقة بينها وبين القبيلة ، إذ إن كلمة قبيلة التي ترتبط بحياة الصحراء ، توحي بصورة التشتت العرقي ، فتصور المكان بتغيير بحسب أشكال الوجود فيه ، لافتاً إلى أن مؤرخي الأدب أصعب عليهم تصنيف الشعر القديم أوالشعراء بحسب المناطق الجغرافية ، التصنيف هو بحسب الأغراض (النسيب) أي التمييز بين ما ارتبط بالمناطق السورية - العراقية وما ارتبط بمناطق الحجاز من آثار شعرية لذلك فإن تجليات العالم العذري والجماعة العذرية سيبدوان من خلال العلاقة بين سمات الرجل - الذكر التي يحملها الشعر وبعض الجوانب من بنية الذهنية التي سادت قبل انتشار التصورات الاسلامية وبعدها ليصبح الحب عند عنترة كما هو عند عروة حباً اشكالياً في الطريق المؤدية لانجاز عمل بطولي، فالموت لم يعد سراً عفيفاً للحب و هو مالم ينفك الشعراء العذريون عن ترديده، ثمة فرضيات لاتذهب بنا الى التعميم لكنها تحملنا كما أراد المؤلف على رؤية العمل الأدبي (بوصفه عالماً رمزياً ) وهو يتبع مقاربة اجتماعية للشعر العذري وللمجموعة العذرية ذات الخصوصية التاريخية ، ليعيد النظر في بعض النتائج العامة التي تشكل الرصيد المشترك بين أغلب الدراسات المنجزة حول الشعر العربي، من العام الى الخاص وصولاً الى مايدعوه بالمجموعة التاريخية المحددة يكشف عنها التباعد بين الشعر والواقع ،ويصبح الحب العذري تعبيراً متعدد الأبعاد يتجاوز عند التحليل مجرد النوع أوالغرض الأدبي ، وهكذا فإن الجمال الذي يحمل على العفاف لايكون جمالاً مجرداً من جمال الجسد ،إذ ( ليس في الشعر العذري مهما سما به الرواة والمفسرون ، ماينزع عن الجمال حسيته) لذا فهو - المؤلف - لايبحث عن تعريف معين للشعر العذري لطالما أنه يتعالق مع تعريف العمل الأدبي، بمعنى أنه عالم رمزي وليس انعكاساً مباشراً لغيره من الحقول .‏

الكتاب : سوسيولوجيا الغزل العربي- الشعر العذري نموذجاً - ترجمة : د. الطاهرلبيب - الناشر: المنظمة العربية للترجمة - بيروت - الطبعة الأولى 2009م‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية