تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


مسرح ما بعد الدرامي

ملحق ثقافي
31/5/2011
ترجمة: سناء عرموش: يرتبط إنتاج نصوص هاينر موللر خارج الأراضي الألمانية باتجاهين مختلفين في الخطاب المسرحي هما: اتجاه ما بعد الدرامية،

واتجاه الوسيطية. يعرّف هانز تايز ليهمان ما بعد الدرامية بأنه مصطلح يستعمل لوصف الاتجاهات الحديثة في المسرح منذ الستينيات بدلاً من جماليات المسرح التقليدي أو فنون الأداء.‏

إن هذه النصوص هي نوع جديد من النص المسرحي الذي يستخدم العلامة المتحولة بنيوياً في العرض المسرحي عبر منحيين، إما أن يصبح حضور العلامة تشاركياً وتفاعلياً متصلاً مع مجموعة من التمثلات اللغوية، أو تنتج العلامة أكثر من دلالة عبر السيرورة التاريخية للتجرية المشتركة.‏

من الصعب مناقشة توليف المسرح ما بعد الدرامي بسبب نطاقه الواسع وحيويته المتجددة، على أية حال، يمكننا أن نلاحظ بعض سمات هذا النص الرئيسية في تقليد المعنى وأداء الفعل عبر المسرح المابعد الدرامي، لذلك، يطلق على هذا النوع بـ «مسرح الحالات» مع التركيز على الفضاء العام للنص بدلاً عن العقدة والحبكة في المسرح التقليدي. هذا النوع من المسرح لا يستهدف خلق عمل متماسك، قابل للفهم، بل يسعى إلى تقنيات التشظي والتوحد والتزامن وكثافة العلامات الباثة، ويطالب بعلاقة نشيطة وفعالة مع الجمهور الذي يجد فرصة لمعالجة الأحداث الآنية وتأويلها وفهمها خارج سياقها الثقافي والاعتماد على الموروث العالمي.‏

بالرغم من أن مسرح المابعد الدرامي ليس ضد الدرامية، لكن دراميته تكاد تكون مشتتة بين العناصر المكونة للنص المسرحي، وفي الوقت نفسه خارج عن إطار الدراما التقليدية، فنصوص ما بعد الدرامية تختلف عن النصوص الدرامية كونها لا تعتمد على الحبكة، ولا تعير انتباهاً للشخصيات وتاريخها، وتضع جانباً سمات التمثيل التقليدي. بينما تتوقع النصوص الدرامية من المتفرجين سد الفجوات التي تحدثها بين المشاهد واللوحات في المسرح الملحمي، في حين أن نصوص المابعد الدرامية تحتفي بهذه بالفجوات وتعمل على إلغاء أي عملية إنتاج المعنى في اتجاه واحد.‏

دايفيد بارنيت يصف الكتابة المابعد الدرامية بشيء يطرح نفسه بوصفه عنصراً ينتمي إلى الأداء التمثيلي منذ البداية، ويشير إلى عدم محدوديتها والبحث عن المكانة الخاصة بها كمادة قراءة غير قابلة للفهم إلا في إطار العرض. في حين أن ليهمان يصف أعمال هاينر موللر الما بعد درامية بالنصوص الفعّالة جداً في عملية خلق الفضاء العام الذي يجب على المتفرج أَن يجد طريقته الخاصة لترتيب الأحداث في الذاكرة اعتماداً على القراءة العميقة للعرض، لأن أعمال موللر أدت وظيفتها على مستوى المشاهدة وعلى مستوى أداء العرض المسرحي القابل للتأويل في زمن إنتاجه. وبما أن نصوص موللر تعتبر مابعد درامية، فيقول ليهمان: أنا مهتم بالأعمال التي استخدمت تقنيات ما بعد درامية للدخول في البنية العميقة لنصوصه، آخذاً بعين الاعتبار الحلقة المفتوحة لمواجهة المتفرجين على نحو غير تعليمي. لأن مسرح المابعد الدرامي يضع المسؤولية على عاتق المتفرجين أنفسهم في تلقيهم الإشارات بطرق لانهائية، لذا فأمر فعاليته السياسية موضع تساؤل حتى الآن. على أي حال، يجادل ليهمان بأن التركيز على التصور الذي يجعل المابعد الدرامية، نصوصاً سياسية. وهو يؤمن بأن نمط التصور في المسرح لا يمكن أن يكون منفصلاً عن وجود المسرح في وسائل الإعلام التي تشكّل جميع التصورات.‏

بينما الإدراك الحسي لمسرح مابعد درامي يرتبط بالأفكار المعاصرة للوسيطية التي تعتمد على الطرق التي ندرك بها العالم الخارجي. بيتر بونيش يُعرف الوسيطية بأنها تأثير يؤدى في المابينية، ويزود تصورات متعدّدة، يصنع المعنى بدلاً من إحالة المعنى. وبهذا الشكل يستخدم نقاد الوسيطية مصطلح «في- وسط»، بدلاً من البينية، لمناقشة تجربة تداخل الوسائط الفنية والإعلامية مع بعضها البعض. كما يتم استخدامها في الدراسات المابعد الكولونيالية والأنثروبولوجية، اللتين تختلفان عن ما بعد الدرامية والوسيطية المتعددة من خلال التركيز على جوهر تحولات النص الخطية، واستعمال مصطلح «في- الوسط» يشير إلى حالة الحضور الطوعي في «مابين/ في وسط»، ينطوي هذا على نقاط التقاء وتقاطعات وسائط الإعلام والتجارب المختلفة، ويستخدم البعض مصطلح «في-وسط/ ما بين» لتحديد الوسيطية المتداخلة مع هذه الوسائل بأنه فضاء تتلاشى فيه الحدود، وتلغى الفوارق النصية، و»نحن في وسط» وضمن خليط من الفراغات المتتالية.‏

لقد استخدم بعض النقاد أثناء تحليل أعمال موللر مصطلح الوسيطية وصولاً إلى طرح أسئلة كيف يربط رجال المسرح أعمال موللر بالصيغ المعاصرة، وكيف يمكن لهذا الربط أن يجعله ذو صلة بالجيل الجديد؟ والبحث عن هذه الأجوبة يضع موللر في السياق العالمي.‏

تركز الدراسات المابعد الدرامية والوسطية المتداخلة على الإدراك وردود الأفعال الذاتية لممارسي ومتفرجي المسرح معاً، وبسبب هذا، يمكن النظر إلى الأداء من خلال التعريف المعاصرة للمابعد الدرامية وللوسيطية، أما الأداء فيطالب منهجاً فينومينولوجياً أكثر مما يطالب نهجاً سيميائياً، ويستند الإدراك الحسي والتجربة العملية على أفق توقعات الفرد، وعلى استجابة المتفرج في تفاعله مع الجمهور في الصالة، الأطر النظرية لمابعد الدرامية والوسيطية مندمجتان في التحليل، باستثناء المناقشة الموسعة للوسيطية في الدراسات حول الأداء المعاصر.‏

هكذا، تؤثر التوقعات حول الوسيط ذاته في التلقي المسرحي، ويقبل المسرح ما بعد الدرامي المقترح الفينومينولوجي بأن العالم يقاوم محاولات ترجمته وتفسيره والسيطرة عليه، على الرغم من الحقيقة بأنّه يكوّن وجود المتلقي الشخصي، لا يمكن تفسير أي احتمال للمسرح المابعد الدرامي، وليس ثمة طريقة لإتقان نص ما بعد درامي أو السيطرة عليه، فهو ينفلت باتجاهات متعددة، لذلك فمحاولات خلق المعنى سيجعله مسرحاً درامياً.‏

بينما المقاربة المابعد الدرامية في المسرح تقتضي منهجاً فينومينولوجياً في التحليل، فالملاحظ أن السيميائية ما زالت تلعب دوراً هاماً في هذا الحقل من الدراسات النقدية، ويناقش البعض بأنّ الفينومينولوجيا والسيميائية ليستا ثنائيتين مختلفتين، لكن مجرد استخدام المنهج السيميائي في المسرح هو بمثابة إشكالية كما أنه يتفادى التأثيرات الإدراكية والحسية للأداء/ العرض. استخدم ليهمان مصطلح العلامة في دراسته التحليلية، لمناقشة العناصر المسرحية وكيف يمكن أن تفهم. على أي حال، يمكن الاعتراف بأن المعنى في عرض الما بعد الدرامي يكون في حالة تغيير مستمر، وفي تحليله لبعض النصوص انتبه إلى عملية التلقي وكيف يتلقى المتفرج صوراً وعلامات مختلفة، وفي الأمثلة التي تستخدم تقنيات ما بعد درامية، يستقبل المتفرج الفرد إشارات منتجة بشكل مختلف عن الجمهور ككتلة.‏

أشار ستيفان سوشكيه أحد معاوني موللر إلى أحداث 11 أيلول 2001، قال: يؤسفني أن موللر لم ير هذه المأساة الرهيبة، كنت متشوقاً جداً لمعرفة ماذا كان سيقول حول هذه الأحداث. لكن هو غير موجود بيننا ليعلق على الأحداث المعاصرة، فإعادة وضع أعماله في السياق التحفيزي للتاريخ تمنحه استمرارية لاكتشافه في بيئات ثقافية مختلفة. لقد أنتجت مسرحياته في السنوات الأخيرة على نحو متزايد في بلدان غير أوروبية، وباعتباري ناطقاً بالإنكليزية، فأنا مهتمّ بالمشاريع من قبل المؤسسات التي تنظر إلى أعمال موللر كجزء من عملية التفاعل الثقافي في بلدان غير أوروبية. في البحث عن تفسيرات جديدة حول نصوص موللر، توضح أنه من الصعوبة إعداد نص مابعد درامي ملتبس أيديولوجياً في سياقات ثقافية مختلفة. وبدلاً من تفجير نصوص موللر المتشظية، يحاول المسرحيون في أغلب الأحيان جعلها منطقية ودرامية من أجل المتفرجين غير المتطلعين على تقنيات نصوصه. لاحظ توني كاشنر بأن نصوص موللر مكتوبة بصورة قصدية لمقاومة العملية الإنتاجية، وكان واعياً لهذا التحدي، وذكر في مقابلة مع آرثر هولمبرغ بأنه «لكتابة نص، نحن بحاجة فقط إلى آلة كاتبة وورقة، والمسرح حقل معرفي أكثر استجابة للأفكار والتطورات الجديدة».‏

إن الحصول على الاقتباسات النصية لأعمال موللر خارج إطار السياق الأوروبي تكون أسهل من الحصول على تسجيلات العروض المنتجة، فالعديد من هذه الاقتباسات النصية تحاول ربط موللر بالأحداث المعاصرة في عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول «سبتمبر» بنَقل نصوصه وانزياحاتها إلى الزمن الراهن، فعرض «شهرزاد تذهب إلى الغرب» للمخرجة فوزية أفضال خان عام 2004، المقتبس من مسرحية «ميديا» لموللر، يدمج شخصية ميديا لموللر بشخصية شهرزاد من ألف ليلة وليلة، وباعتبارها تنتمي إلى الشرق تحقق تقاطعات طبقية وعرقية مع أحداث 11 أيلول في الأدب التقليدي والمجتمع المعاصر بمساعدة مسرحية موللر مع إحالات إلى القرآنِ الكريم، وممارسات أسامة بن لادن والحرب على الإرهاب. كان النص قد خضع إلى ورشة عمل في تشرين الأول عام 2002 من قبل مؤسسة في نيويورك، ومنذ ذلك الحين، قدمت المخرجة العرض في بعض المؤتمرات والفعاليات الثقافية. وأعادت أفضال خان أجزاء من هذا العمل في واشنطن في 2007، ومع ذلك، لم يترك العمل أي وثيقة لإنتاج كامل أو مادة نقدية خارجية عنه.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية