تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


الشخصية في النص السردي

ملحق ثقافي
28/6/2011
باسم عبدو:ثلاث ركائز رئيسة، أو ثلاثة عناصر لا يمكن تجاهلها في النص السردي «الرواية» هي: «الشخوص والزمان والمكان».

فالشخصية «الرئيسة أو العادية «المهمَّشة»» تقوم بدورها في العملية السردية لاستكمال الحدث. وجميع خيوط السرد المنسوجة تشكل «حصيرة السرد» أي «الرواية» من بدايتها إلى نهايتها. وبكلمة: أن صناعة السرد بدوائره الصغرى والكبرى، هي نتاج العملية التفاعلية بين الشخصية في مكان واسع أو ضيّق أو متحرّك، وفي زمان محدد في الحاضر أو زمان مستقدم من الماضي، يتداخل مع الزمن الحاضر، أو ما يسمَّى بـ «تداخل الأزمنة» من خلال «المقايضة التبادلية» بين الشخصية الراوية إن كانت «ضمير المتكلم، أو ضمير الغائب». وأن التفاعل بين الشخصية من جهة، والمكان باعتباره مسرح الحدث في زمن محدد، يؤدي إلى الاندماج أو التماهي. وهذه العلاقة الثلاثية مبنية على «التأثر والتأثير المتبادل» في فضاء الزمكاني.‏

مظهر الشخصية‏

لا تستكمل دراسة الشخصية من خلال النظرة الأولى لمظهرها الخارجي ومعرفة شكلها، من حيث اللباس والأناقة والطول والقصر وحركات اليدين. وإذا كان هذا الشخص له لحية كاملة أو نصفية أو حليق اللحية. فالنظرة الأولى تعطي المتلقي أو تزوّده بمعرفة مظهرية «خارجية» فقط. وهذا هو التأثير الأول أو «فجائية المعرفة» التي لا تعبّر تماماً عن مضمون الشخصية، قبل الدخول إلى أعماقها والقيام بدراسة داخلية لنفسيتها، ومعرفة سلوكها ومشاعرها، ومكونات الفرح والحزن وردود الأفعال، وانعكاسها على المظهر الخارجي، خاصة ما يتشكل على صفحة الوجه من ملامح تعبر عن حالة الغضب أو الفرح، وذلك من خلال حركات اليدين والدموع مثلاً، وارتباط هذه الحالات والمواقف بالحدث، والعلاقة بالمؤثرات الخارجية، باعتبار كل هذه الأمور عوامل تدخل في نمو الشخصية الروائية، وتفاعلها المكاني، والزماني بمساره الأفقي البطيئ، والشاقولي الفجائي الأكثر تأثيراً، والذي يؤدي إلى تغيير اتجاهات السرد، وحرفه عن الهدف الرئيس، من خلال إدخال أحداث صغيرة ولدت أثناء العملية السردية، وتقاطعاتها في زوايا حادة أو منفرجة «مضيئة أو معتمة». والشخصية هي في الواقع مجموعة مؤثرات متبادلة بين ما هو داخلي، وما هو خارجي في بيئة جغرافية - اجتماعية - سياسية -ثقافية. ومكوّنات دينية وإثنية وفكرية.‏

التخيّل في بناء الشخصية‏

يصاب الروائي قبل البدء بوضع مخطط الرواية بهواجس مقلقة، عندما تكتمل «الثيمات» أو الفكرة الرئيسة «موضوع الرواية «. وتبدأ أفكاره في تحديد الشخوص المحورية والثانوية من الجنسين، والبحث عن الأدوار التي تقوم بها، والروابط فيما بينها..تقاربها وتآلفها.. والصراعات الاجتماعية أو السياسية، والمنافسة في اتجاهات مختلفة ومتباينة، التي تحدد النهايات والنتائج، في دائرة حدث صغير أو كبير ، يمكن له أن يحقق التقارب أو التباعد أو اتخاذ القرارات المتضادة التي تؤدي إلى خلق فجوة عميقة، تغير الحدث كلّه، أو ظهور عملية عكسية.‏

ويساعد التخيّل على رسم صورة الشخصية، وتحديد معالم المكان ومكوناته الطبيعية والاجتماعية، وإبقاء فسحة للمتلقي، بعيداً عن التوجيه المباشر والإرشاد والوصائية، وإعطائه حرية الاختيار دون ضغط من الراوي/العارف، أو الكاتب الراوي.‏

ويتوقف تحليل الشخصية على قدرة المتلقي، ووعيه المعرفي والفني في البناء السردي الروائي، والتأويل أو التفسير الذي يوصله إلى الهدف القريب والبعيد. وإجراء مقارنة بين الشخصية «المتخيلة» ، والشخصية الواقعية ورؤية المفارقة بينهما أو التطابق في الصورتين المرئيتين في مرآة المخيال التي تعكس مظهريهما الخارجيين، أو أن تجميع ملامح الشخصية يوحي للمتلقي /القارئ العادي، وللناقد أيضاً أن الشخصية تعبر عن الروائي نفسه، والبرهان على ذلك تكشفه السيرة الشخصية إن وجدت.‏

تحوّل المتخيّل من سطح الذاكرة إلى سطح الورق‏

ترتبط الشخصية المتكوّنة في رحم الذاكرة بالثيمة المؤسسة للحدث في الرواية. وهذا الانتقال بأبعاده الخارجية والداخلية، يتحوّل من صورة عشوائية في الذاكرة المشغولة بالمكونات السردية البنائية، والهاجس المتشبّث في كيفية كتابتها،إلى صورة حقيقية، انطلاقاً من أن الصورة المتخيلة هي صورة مأخوذة من الواقع، أو أنها تتطابق معه، وليس كما ينقله النقاد بأن «الشخوص من ورق». وليس من الصواب أن يتم التواصل ووسائط الاتصال بين الشخوص في زمن واحد، وعلى امتداد خط أفقي من «الألف إلى الياء» ، بل في تداخل الأزمنة وتشابكها في صناعة سرد ذي قيمة فنية للشخصية. ورسم خط بياني للأحداث يبدأ من مستوى سطح الحدث، أومن السفوح الواطئة، صعوداً إلى القمة مشكلاً سُلَّماً درامياً، مجتازاً مجموعة من العتبات والانكسارات والانحناءات، التي ترتقي بالشخصية وتفعّل الحدث وتؤزّمه.‏

وبدأت مقولة «الشخصية المحورية والثانوية والمهمَّشة» في طريق الزوال كما أرى، ويمكن أن يكون هذا الرأي خاطئاً. فالشخوص مهما تعددت وتقلَّصت، هي في مجموعها شخوص فاعلة. وكل شخصية تقوم بالدور المنوط بها، حسب واقعها وقدرتها وثقافتها وتعاملها مع الحدث، والانتقال من العمل السهل إلى العمل الصعب، أو بالعكس، وكيفية بناء علاقات جديدة في بيئة جديدة، وإيجاد الأجواء المناسبة للتعايش والظهور. وإذا كانت شخصية ما تقوم بأعمال قبيحة منفّرة مخالفة للسلوك المجتمعي، فهناك شخصية تتناقض معها في السلوك والمواقف. وهذه المفارقة هي النابض المحرّك «فانتازياً» ، وبدوره يحقق عنصر التشويق للقارئ. أما إذا كانت الشخوص بمجموعها في النصّ السرديّ في مستوى واحد، فهذا لا يصنع عملاً أدبياً إبداعياً متميزاً.‏

وهناك شخصيات تبدع في أدوارها وتتألق في فترة زمنية، ثم تختفي وتحلّ مكانها شخصية أخرى تتابع عملها وخط سيرها في ظروف أكثر تعقيداً، وتحقق نجاحاً كبيراً، وشخصية أخرى تصاب بالفشل والضياع، وتشكل حلقة سردية جديدة تضعف العمل بدلاً من نجاحه والارتقاء به، وتسبّب له الجفاف وانحباس المطر والتصحر. والشخوص في النص السردي هي التي تشكل عملية التوازن في تهطال الإبداع، وزيادة منسوب الماء في نهر السرد. أما إذا كانت الشخصية تجنح إلى التقريرية، فيصاب النص بالجفاف وإطالة فترة الشّح، لأن الشخوص هي التي تنمّي الحدث وتفعّله، وتخلّصه من الوهن والترهّل.‏

وإذا رجعنا إلى رواية «شرق المتوسط» للروائي عبد الرحمن منيف مثلاً، نلاحظ أنه اهتمّ كثيراً بالتوزيع التقليدي للشخوص، وقسمها إلى شخصيات رئيسة، وشخصيات فرعية هامشية هذا من جهة، ورغم أن «مدن الملح» - هذا العمل الكبير- بنيت على تعدد الشخوص، إلاَّ أنَّ الشخصية المحورية شكَّلت مركز الحدث، وهي «البطل الإيجابي» التقليدي الذي انتهى دوره منذ زمن طويل من جهة ثانية. وهذه مقاربة بين عدة أعمال لـ «منيف» تبيّن موقع الشخوص وتوزعها على المساحات السردية. وملاحظة غياب الشخصية المثقفة التي تضيء الحدث وتضفي عليه لمسات من الوعي، كمؤشر إلى أن التطور في الصحراء الخليجية لم يحققه النفط فقط، بل التعليم والمثاقفة ونقل المدنية من خلال الطلبة الدارسين في أوربا. وتظل الشخصية المثقفة أكثر معرفة في الأحداث وفي نقد وتسريع التطور، رغم انتهازية شريحة واسعة من المثقفين خاصة في «خليج وصحراء النفط». وقد التفت منيف وهو- قاصد ذلك- إلى الشخصيات المهمَّشة التي أول ما تتلقى الأضرار من الصراع الطبقي، وتهميشها وإذلالها وبقائها تنحني للسادة، وتركض والرغيف يركض أمامها ولا تحصل إلاَّ على الفُتات، باعتبارها الشريحة الاجتماعية التي تُعدُّ وقود الأنظمة الاستبدادية.‏

وتظلُّ عديد الشخوص معتقلة في زنازين الذاكرة، بحكم وجود قوانين الطوارىء في زمن ما قبل الكتابة. ويكتفي الراوي الإشارة إليها من بعيد، وإبقائها متخفّية وترتدي قناعاً من الجلد السميك. ولا يفرج عنها خوفاً من اتهامه بمعاداة النظام، وخدشه للشعور القومي. لذلك تترك هذه الشخوص تنتظر مصيرها، والقارئ هو الذي يتخيل أنه سيفك قيودها ويعطيها حريتها، كي تساهم في التغيير. فالشخصية المحورية لا تتحمَّل مسؤولية تحريرها أو محاكمتها محاكمة عادلة..وبكلمة إن الروائي أو «الراوي» محكوم - ليس بالأمل- بل بالفزع والرُّعب والترهيب في ترتيب شخوصه وفقاً لتطور الحدث، وإبراز الشخصيات المناهضة للتسلط والقمع والاستغلال. وهذا كله يرتبط بالهامش الديمقراطي المتوفر في مكان الكتابة، و بالرقابة المتشددة والمحرّمات التي يجب على الكاتب ألاَّ يقترب منها، وألاَّ يغمز بأية إشارة أو دلالة..‏

وفي واقع الكتابة وبين أقواس المنع والتعرض للمساءلة، يستطيع كاتب النص السردي أن يعتمد على الشخصية الرمزية، ويستقدمها من خارج حدود الوطن. وباستطاعته أن يقيم تحالفاً بين الشخصية المحورية مثلاً والشخصية الثانوية، وأن يوحد الإرادتين في مرحلة ما، ثم يقوم بتفكيك هذا التحالف في زمن آخر، والإعلان عن النتائج في خواتيم النص السردي.‏

إن بناء الشخصية في النص السردي بناء تفاعلياً، في زمان ومكان محددين وتعيين مواقع الحدث على الخريطة التي يرسم إحداثياتها الكاتب، ومعرفة المهمة المنوطة بالشخصية، وتمايز الشخوص عن بعضها، يعد من أوليات العمل الروائي، وهو الذي يحقق النجاح للنص السردي.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية