تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


مافحوى مواد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ?

شؤون سياسية
الثلاثاء 23/5/2006
بقلم الدكتور إحسان هندي*

إن ميثاق هيئة الأمم المتحدة هو في الأساس (معاهدة دولية) تمت صياغة أحكامها من قبل ممثلين لإحدى وخمسين دولة (من بينها سورية),

ما بين 25 نيسان و 26 حزيران ,1945 وقد تم التوقيع على نص هذه المعاهدة من قبل ممثلي الدول المذكورة أعلاه ضمن احتفال رسمي في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية, ولذلك يشار إلى هذه المعاهدة باسم (معاهدة سان فرانسيسكو لعام 1945), وقد دخلت المعاهدة المذكورة حيز النفاذ بتاريخ 24 تشرين الأول ,1945 ولذا يعتبر التاريخ المذكور (عيداً للأمم المتحدة) يحتفل به كل عام.‏‏‏

ويتكون الميثاق المذكور من 111 مادة تنتظم في 19 فصلاً وبالرغم من أن الميثاق لا يفرق بين مادة وأخرى, أو فصل وآخر, من حيث الأهمية, فإننا نعتقد بأن الفصول الخامس والسادس والسابع التي تتحدث عن (مجلس الأمن) واختصاصاته في حفظ السلم والأمن الدوليين, هي أهم أحكام الميثاق, والأهم الأهم منها هو الفصل السابع الذي يضم المواد 39 حتى 51 من الميثاق, والذي يحمل عنوان: (فيما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان), وبالرغم من أن هناك نصاً معتمداً رسمياً باللغة العربية فإن بعض المصادر الإعلامية العربية درجت على ترجمة كلمة "CHAPITRE" الفرنسية بكلمة (بند) بدلاً من (فصل), وهكذا يختلط الأمر على المتلقي العربي بين البند والفصل, فيعتقد أنهما لمفهومين مختلفين اصطلاحياً لأنهما في الأساس مختلفان لغوياً والحقيقة أنهما يدلان على الأمر نفسه, وهو الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة, والذي يضم المواد 39 إلى 51 من هذا الميثاق.‏‏‏

وتنبع أهمية هذه المواد من حيث إنها تتضمن جميعاً صفة (الإقسار COERCITION) أي إمكانية إجبار الدولة أو الدول المخاطبة بأحكام القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن استناداً إلى هذه الأحكام على تنفيذها ولو قسراً.‏‏‏

وأهم مواد الفصل السابع هذا هي ثلاث; وهي المواد 39 و 41 و ,42 فما فحوى هذه المواد نصاً ومعنى?‏‏‏

- المادة 39: (يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به, أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان, ويقدم في ذلك توصياته, أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و 42 لحفظ السلم والأمن الدولي, أو إعادته إلى نصابه).‏‏‏

- المادة 41: (لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لاتتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته, وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير, ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية, وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية).‏‏‏

- المادة 42: (إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض, أو ثبت أنها لم تف به, جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر (أي الحصار) والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة).‏‏‏

- ومن استقراء نصوص هذه المواد الثلاث يمكن لنا أن نستنتج ما يلي:‏‏‏

1) يمكن أن يقع تهديد للسلم والأمن الدوليين دون أن يتخذ مجلس الأمن في شأنه أي إجراء, كما حدث مثلاً عندما حشدت أميركا وبريطانيا قواتها لغزو العراق خلال الشهرين الأول والثاني من عام 2003 وبعد غزو العراق فعلاً في 20 آذار .2006‏‏‏

وهنا يبدو لنا الإشارة إلى فارق هام في هذا المجال وهو كون الدولة التي تسببت في الإخلال بالسلم والأمن الدوليين دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن (كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا), أو حليفة لدولة دائمة (كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل), أو دولة من الدول العادية البسيطة في الحجم والوزن? حيث بوسع العضو الدائم استخدام حق الفيتو لمنع إصدار قرار من مجلس الأمن يستند إلى الفصل السابع من الميثاق بحقه أو بحق أحد حلفائه.‏‏‏

2- يمكن لمجلس الأمن عند معالجته لأية حالة فيها تهديد للسلم والأمن الدوليين, أو فيها عدوان من دولة على أخرى, ألا يصدر (قراراً DECISION) في هذا الشأن, وإنما يكتفي بتوصية على شكل (بيان أو إعلان DECLARATION) يصدر باسم رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر, والمثال على ذلك البيان الذي أصدره المجلس في 28/3/2006 بدعوة إيران للتوقف عن عمليات تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها النووية.‏‏‏

3- إذا ارتأى مجلس الأمن إصدار (قرار) في هذا السياق فيجب أن يحوز (مشروع هذا القرار) على أصوات تسعة من أعضاء المجلس على الأقل بمن فيهم أصوات الأعضاء الخمسة الدائمين (الولايات المتحدة الأميركية, المملكة المتحدة, فرنسا, روسيا الاتحادية, الصين), حيث يجب أن يصوت هؤلاء الأعضاء الخمسة على مشروع القرار إيجابياً لكي يصبح (قراراً) وإلا فإنه يسقط بالاعتراض (الفيتو), ويجب أن يعلن العضو الدائم الاعتراض على مشروع القرار بعدم موافقته عليه صراحة, إذ إن (الامتناع عن التصويت ABSTENTION), و(التغيب عن حضور الجلسة ABSENCE ) لايعتبران من قبيل استخدام حق الاعتراض أو النقض (الفيتو) وإنما يسببان عدم حساب صوت الدولة الممتنعة أو المتغيبة لابين الأعضاء الموافقين على المشروع, ولا بين الأعضاء المعارضين له, وهكذا تكفي أصوات ثلاثة من الأعضاء الدائمن مع عضوين دائمين ممتنعين عن التصويت (أو واحد غائب وآخر ممتنع عن التصويت) لتمرير مشروع قرار بشرط موافقة ستة من الأعضاء المؤقتين عليه في هذه الحالة, لأن العدد المطلوب هو تسعة أصوات إيجابية على الأقل. ومثل هذا الأمر حدث عام 1990 عند اتخاذ القرار الخاص بالحرب على العراق حيث إن امتناع دولة الصين عن التصويت هو الذي أنقذ مشروع القرار وجعله يمر في المجلس.‏‏‏

4- إذا صدر القرار عن المجلس ضمن الشروط الشكلية والموضوعية المطلوبة فإنه يجيب النص في (ديباجته) على أن مجلس الأمن قد اتخذه استناداً للفصل السابع من الميثاق, ومثل هذا النص يتولد عنه أمران:‏‏‏

آ) إلزامية القرار بالنسبة للدولة المخاطبة بأحكامه.‏‏‏

ب) إمكانية فرض عقوبات أم القيام بعمل عسكري ضد الدولة المذكورة بموجب قرار آخر لاحق, سواء نص القرار الأول على مثل هذا الأمر أم لم ينص عليه.‏‏‏

5- لمجلس الأمن أن يكتفي بمثل هذا القرار الرادع دون أن ينتقل إلى المرحلة اللاحقة في ردع الدولة المخالفة وهي النظر في فرض عقوبات ليس لها طابع عسكري ضد الدولة المخالفة, وذلك استناداً للمادة 41 من الميثاق التي أثبتنا نصها أعلاه.‏‏‏

كما يمكن له بقرار جديد فرض بعض هذه العقوبات من هذا النوع وهي من ثلاثة أنواع:‏‏‏

- العقوبات الاقتصادية المحضة.‏‏‏

- وقف المواصلات مع الدولة المذكورة من جميع الأنواع, وخاصة المواصلات الحديدية, والبحرية, والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وقفاً جزئياً أو كلياً.‏‏‏

- قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة المخالفة وهذا لا يشمل قطع العلاقات القنصلية معها.‏‏‏

6- إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها أعلاه (لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به) يمكن له عندئذ الانتقال إلى العمليات العسكرية ضد الدولة المخالفة وتشمل هذه العمليات ما يمكن أن تقوم به القوات البرية والبحرية والجوية الموضوعة تحت تصرف هيئة الأمم المتحدة, أو التي يمكن للأعضاء تقديمها عند طلب ذلك منهم استناداً للمادة 43 من الميثاق. ولا يشترط أن تكون هذه الأعمال متتالية) دوماً, إذ يكفي بعض الأحيان أن تكون (ذات صفة حربية) إنذارية أو رادعة مثل الطلعات الجوية وأعمال الحصار البحري وأعمال الحصر البري...‏‏‏

- ويستحسن هنا أن نشير إلى أنه من المفترض آلا يتم الانتقال من التدابير والإجراءات التي لا تحمل طابعاً عسكرياً, إلى العمليات العسكرية والحربية التي يمكن القيام بها استناداً للمادة 42 من الميثاق إلا بعد اتخاذ قرار جديد من قبل مجلس الأمن, ويظهر هذا جلياً من العبارة الاستهلاكية لهذه المادة (إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عنها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به جاز له.....), ويرى نفر من الفقهاء المتشددين في الدول الغربية الكبرى أن مجرد اتخاذ قرار باللجوء إلى العقوبات غير العسكرية يبيح للدول الكبرى الانتقال إلى العمليات العسكرية إذا كانت العقوبات الأولى لم تف بالغرض), وهذا تحليل يتجاوز حدود التفسير القانوني للمادة ,42 لأن العبارة الاستهلاكية لهذه المادة صريحة, وهي تجيز ولا تفرض على مجلس الأمن تطبيقها, كما أنها لم تعط للمجلس, وليس لأعضائه منفردين كائناً من كانوا- حق القيام بتدابير زاجرة ضد دولة ما عند قيام هذه الدولة بعمل من شأنه تهديد السلام والأمن الدوليين, أو عند عدوانها على دولة أخرى, تطبيقاً للمادة 39 من الميثاق. وعلى هذا فإن أي عمل عسكري تقوم به دولة ما, أو عدة دول مجتمعة حتى إذا كان بعضها أعضاءً دائمين أو مؤقتين في مجلس الأمن, ضد دولة أخرى بحجة تهديدها للسلام والأمن الدوليين, يعتبر عملاً عدوانياً وخارجاً عن إطار الشرعية الدولية, اللهم إلا إذا كان تطبيقاً لحق الدفاع المشروع عن النفس استناداً للمادة 51 من الميثاق.‏‏‏

ونقول هذا للرد مسبقاً على ما ينادي به بعض دهاقنة السياسة الأميركية بأن حكومتهم في سبيل تشكيل (تحالف قوى) للتدخل العسكري ضد إيران, إذا أصرت كل من روسيا والصين على معارضة مشروع القرار الفرنسي - البريطاني الذي ينظر فيه مجلس الأمن الدولي حالياً.‏‏‏

وبعد, فهذا هو نص المواد الثلاث الهامة 39+41+42 من الفصل السابع (وليس البند السابع) في ميثاق هيئة الأمم المتحدة, وهذه هي حدود اللجوء إلى التدابير الزجرية ضد الدول المخالفة في هذا المجال, والتي لا يصح قمع مخالفتها بمخالفة أكبر وأخطر منها, وقديماً قيل: (خطآن لا يساويان صحّاً واحداً)!‏‏‏

ويجب ألا ننسى في هذا السياق أن اللجوء إلى تطبيق الفصل السابع من الميثاق ليس هو القاعدة وإنما هو (الاستثناء), إذ إن (الأمم المتحدة) قامت في سبيل تنمية التعاون السلمي بين الدول, و(ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها), وليس في سبيل تكتل المجتمع الدولي ضد دولة معينة واتخاذ إجراءات زجرية معينة بحقها? ونحن في هذا لا ندافع عن (المخالفة) ولكننا ندعو للتمسك بالطريقة الصحيحة لمعالجة هذه المخالفة?‏‏‏

* باحث في القانون الدولي والتاريخ‏‏‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية