تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


سمفونية بيتهوفن التاسعة والمعاني الإنسانية المتجددة

ثقافة
الاثنين 17/10/2005م
عن لوفيغارو - دلال ابراهيم

من الصعوبة بمكان بعد الاستماع مراراً وتكراراً للسيمفونية التاسعة للموسيقار الالماني بيتهوفن الاصغاء الى موسيقاه وكأنها المرة الاولى التي تطرق مسامعنا. فما من لحن موسيقي عربي تم عزفه بأسلوب صحيح وآخرغير سليم كتلك السيمفونية.

ومن المعروف ان السيمفونية التاسعة هي اناشيد التعبير عن الفرح وحتى عن الحرية. وكان (شيللر) الاديب الالماني صاحب العديد من القصائد الغنائية قد استبدل عدة كلمات من رائعة (بيتهوفن) التاسعة ارضاء للسلطات المحلية يومئذ مما ساهم في خدمة العديد من الانظمة الحاكمة في المانيا بشكل اساسي آنذاك . وكانت تلك السلطات تحمل(للاخوة) التي تنادي بها تلك السمفونية مفهوماً خاصاً وضيقاً. وتظهر تلك الرؤية في فيلم ( اورانج ميكانيك) للمخرج ستانلي كوبريك, كخلفية فنيةله وكأن الحركة الرومانسية مهدت الطريق امام انفجار المشاعر الاكثر وضاعة فيما بعد.‏

وتمثل هذه السيمفونية سمة للوحدة بين الشعوب, ورسالة شمولية واضح معناها . وقد استخدمت في العديد من المناسبات وكانت بمثابة الرابط القوي الذي جمع شطري المانيا الغربي و الشرقي.وفي افتتاح اولمبياد هلسنكي عام 1956 واولمبياد روما عام 1964 كانت السيمفونية نشيد حفل الافتتاح.‏

ويمكن للمرء عند سماعه للموسيقا ان يستخلص نتائج سريعة ومخالفة تقول ان الموسيقا ليس لها اي معنى ويمكن فهمها بطرق مختلفة ومتناقضة. ولكن ا لواقع يعتبر اكثر تعقيدا, اذ من الضروري العودة الى الظروف والى المصادر من اجل فهمها , وان الاستماع الى موسيقا بيتهوفن دون فهم الظروف السياسية والتاريخية والفلسفية التي احاطت به حينذاك يمكن ان يخلق نوعا من المتعة السمعية فحسب ولكن لفهم نواياه المثالية والموسيقية يتطلب تركيز انتباه اضافي يقود الى فتح آفاق اخرى ايضاً.‏

وكما جرت العادة تبقى الاسطورة دون مستوى الواقع . ففي اواخر ايام حياته, كان بيتهوفن قد حقق نجاحاً موسيقياً واسعاً واصبح واثقاً من رصيده الموسيقي, ولذلك كان يدفع بحدود عقوده الموسيقية الى كافة الانواع التي تبلغها ومع ذلك كان يعاني من صعوبات مادية. ولم يباشر بتأليف السيمفونية التاسعة.‏

التي جاءت عقب عمله( ميسا سوليمنس ) الا بعد ان اطمأن ان جمعية هواه الموسيقا في لندن التي طلبت منه تأليف عمل جديد جاهزة للدفع وقلقه على وضعه المادي المتردي قاده الى قبول تأليف رباعية , في نفس الوقت , كان قد طلبها منه الامير غالاتزين, وهو يعلم تماماً انه لن يستطيع اتمامها له بسرعة. ومع ذلك , لا يمكن ان تقول ان السمفونية التاسعة كانت عملاً بناء على طلب بالمعنى السطحي للكلمة. فقد الفها الموسيقار عام 1823 وجاءت ثمرة تفكير امتد عشر سنوات. وفي السابع من ايار عام 1824 جرى تقديمها على احد المسارح في فيينا.‏

كان الموسيقار الاصم يجلس بالقرب من ميشيل اونلوف, قائد الفرقة. وظهره الى الجمهور. ولم يعلم بحجم الحماس والتصفيق ا لحاد الذي رافق عمله هذا الا حينما اخذته العازفة كارولين اونغر من ذراعيه وادارته نحو الجمهور ليشهد مدى التهافت والتهليل.‏

وبعدها مباشرة بعدة ايام قليلة, تم عزفها على احد المسارح الشهيرة ولم تعزف في لندن الا في العام 1825‏

ورغم أن الجمهور اعجب مباشرة بتقديم هذا العمل الا ان النقاد كعادتهم كانوا اقل حماساً من تلك الشريحة, مع العلم ان غالبية هؤلاء اجمعت ان تلك السمفونية الرائعة معبأة برؤية جديدة. هذا ومن المؤكد ان الموسيقار الكبير بيتهوفن لم يجازف هكذا بشكل اعتباطي وبدون دراسة في تأليفه عمل بدأ بتجديد معالمه وخطوطه العريضة منذ عام 1812 وكان حينها يفكر في ادخال اصوات الى عمله السمفوني , وبما انه كان من المعجبين بأشعار الشاعر تشيلر, ويكن كذلك اعجاباً خاصاً بالشاعر غوته,فقد اخذ من اشعارهم وضمنها سيمفونيته وقد اختار بيتهوفن بالاضافة الى المستلزمات الفنية لموسيقاه , مهمة روحية, انطلاقاً من قناعته ان على عمله ان يسهم في تهذيب النفس البشرية, والفرح والحرية , الترنيمة النهائية لسمفونيتهم التاسعة,هما في نظره اسمى تطلعات البشرية. ولأنه متشرب بفلسفة كانت الذي يقول (القانون الاخلاقي في داخلنا والسماء تتلألأ فوقنا ) تلك هي الرسالة التي تضمنتها السيمفونية التاسعة.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية