تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ذاكرة المطر

معاً على الطريق
الخميس 8/9/2005
أنيسة عبود

صحيح, البارحة هطل مطرأيلول وركضت رياح الشمال في ثيابنا. غير أني لم أجدها. ولم أسمعها تنادي كي نجمع البرغل المقشور عن السطح. صرخ الرعد عالياً. ركضت مسرعة إلى مسطح التين. كان المسطح خالياً, مقفراً حتى من أنفاسها.. اتجهت إلى مسطح الدخّان.. ناديتها, لم ترد... راحت الأمطار تشتد وتخترق شعري وثيابي. شعرت بلسعة البرد الخريفي. ظننت أني سأجدها في حقل القطن تساعد أخوتي في نقل أكياس الخيش المحشوة بالقطن الأبيض. لم أستطع الذهاب إلى الحقل. المطر يشتد والقرية تتجه إلى البيوت.. انطفأ التنور حيث كانت زوجة عمّي تخبز آخر النهار.. فاضت رائحة الخبز المحروق والحطب المنطفئ, شعرت أني وحيدة في هذاالعالم الذي ستجرفه العاصفة بعد لحظات, بقايا عناقيد العنب العصية في أعالي الأشجار نزلت مجبرة إلى المصطبة, وأشجار التوت تركت أوراقها وانحنت..

(طشّان) المطر دخل من تحت الأبواب المغلقة وبدأت مزاريب البيوت تعزف أنشودة الشتاء- وهي- لم تعد. تذكرت الفستق العبيد الذي نشمسه على سطح الجيران.. ركضت أصعد السلم الخشبي. لابدّ أنها هناك تجمع الفستق... كنت أصعد الدرجات بحذر وخوف.وعند آخر درجة وقفت. المطر ينهمر والغيوم غطت شمس الغروب, بدأت خيوط العتمة تنسج عباءة الليل.. زحمة على السطح. هذا يجمع البرغل وذاك يلمّ الفستق.. وآخرون يرمون الحبوب الأخرى من )الروزنة) غير أني لم أجدها بين هذه الجموع المستنفرة تحت مطر أيلول.‏

اقتربت من-شرّاف السطح- وأمسكت بغصن توت ينحني على السطح ثم صرخت بأعلى صوتي- أمي.. أين أنت ياأمي - أعدت الصراخ عدة مرات ورحت أنظر حولي أتلمس جهة الصدى فوجدت السطح خالياً من الحنطة والبرغل والفستق والجيران.. شعرت أني وحيدة على جبل مثل جبل الأقرع. الغيوم تركض فوقي والورق اليابس والهارب يرتفع ثم يسقط في الزواريب...تقدمت إلى الروزنة فلم أجد روزنة ولا بشراً.. أين ذهب الجميع? أين أمي ? لم أعرف أبداً أنها تغيرت هكذا.. كانت تسرع لتسبق مطر أيلول ورياح أيلول وتجمع التين والبرغل وتساعد أخوتي في تغطية الحطب وخيش القطن والتبن وتمز الزيتون.. كنت أشعر بها بأنها عمود بيتنا الكبير وأنها القنديل الذي نعلقه في الساموك.. كنا نتعب وكانت لاتتعب, وإذا نشكو كانت تنهرنا وتقول: هل نترك الموسم يضيع?!‏

أحياناً كان مطر أيلول يداهمنا عند الفجر وكان صعب جداً أن توقظنا مع ذلك كانت لا تكل ولا تملّ إلى أن ننهض من دفئنا ونصعد الأسطحة والمطر ينهمر والشقاء اللذيذ ينهمر. تمنيت أن ترد أمي على صوتي حتى أستعيد رائحة خبزها القديم.. تمنيت أن أراها تجمع البرغل حتى أكتشف مرة أخرى رائحة المطر الخريفي وطعم التين المبلول وعطر التراب المبلول.. لكنها لم ترد فاضطررت لهبوط السلّم بهدوء إذ كنت لا أرى أمامي... أحياناً لانرى بأعيننا, بل نرى بذاكرتنا.. تساءلت: هل أنا ضائعة? لا... هناك كرم التين. وهناك ضيعة(ديرمن) وهذا هو الجسر الذي انكسر مرات وحبونا فوقه مرات , وهذا هو النهر الذي جرفني مرات.. مشيت باتجاه النهر.. هاهي أشجار الصفصاف.. وتلك شجيرات الرمان وهذه أنا عائدة من المدرسة.. وتقدمت إلى الأمام فوجدت قبر أمي وأبي... و.. ظلّ المطر ينهمر..‏

تعليقات الزوار

أيمن الدالاتي |  dalatione@hotmail.com | 07/09/2005 23:55

يبقى الكريم مشدودا لأصله مهما ابتعد وغرّب, فهاهم كتاب الأرياف عندنا مازالوا يستحضرون زمان الوصل في الأرياف, مع أنهم على ماأذكر هجموا هجوما عنيفا في الستينات والسبعينات على المدن واستطوطنوها, وقبلوا بكل مهنها من غير استعداد أو إتقان, إنما بالحماس والفضول. لقد تركوا الريف يوم كان الريف بتلك الصور الرائعة التي يصورونها لنا اليوم, فلم يتمسكوا بجميل مايرونه من ريفهم, بل فضلوا عليه عصرنة المدينة بأية طريقة..إركب البوسطة وارمي الأرض وراء ظهرك وتعال للمدينة ودبر حالك والزق بأي مكان فلا تتركه مهما حصل.

فراس سراقبي |  ferasooo@shuf.com | 08/09/2005 02:03

الأب والأم نقطتين ملونة في وردة تفتحت في الصباح الباكر

علي الحمود الطراد |  alitrad@maktoob.com | 08/09/2005 22:29

التذكار شكل من أشكال اللقاء و السيدة أنيسة دائما تأخذنا إلى لقاءات جميلة و صافية ومحببة . وأنا اتابع صحيقة الثورة من أجل أنيسة عبود فشكرا لك

حنان يبرودي  |  alibrkat@scs-net.org | 10/09/2005 10:10

في عالم العزلة والوحدة اللامتناهي تبقى مع ذاتك تقلّب في أوراقها مبعثرً وجامحاً في مخيلتك لأيام الريف والنقاء والطبيعة المميزة وتبقى صورة المحبين عالقة بين أوراق الشجر وحفيف أوراقها

munzer |  munzer312@hotmail.comm | 15/12/2005 08:59

Thanks alot you are rely make us remaper our rouet.once agine thanks alot

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 أنيسة عبود
أنيسة عبود

القراءات: 142
القراءات: 176
القراءات: 195
القراءات: 217
القراءات: 830
القراءات: 262
القراءات: 220
القراءات: 228
القراءات: 264
القراءات: 323
القراءات: 316
القراءات: 276
القراءات: 339
القراءات: 248
القراءات: 319
القراءات: 447
القراءات: 381
القراءات: 512
القراءات: 192
القراءات: 363
القراءات: 252
القراءات: 371
القراءات: 311
القراءات: 297
القراءات: 381

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية