وتارة اخرى هو الفيلسوف والحكيم ,تبدو فلسفته صوفية موغلة في اعماق النفس البشرية حتى لتكاد تقول :ان جبران هو عالم نفس وفيلسوف واديب, ورجل الانسانية الذي لايأبه بقيمة اخرى غير القيمة الانسانية بأبعادها, وفوق هذا وذاك هو الفنان (الرسام) الذي استطاع ان يلف وبروح شاعرية حزينة مجمل لوحاته التي ابدعها واقام لها معرضا لاقى الاقبال والاستحسان,
وجبران خليل جبران في كتاباته النثرية يبدو شاعرا يفجر النثر قصيدة شعرية.. جبران خليل جبران ربما كان الاديب العربي الاكثر شهرة في العصر الحديث واعماله المطبوعة هي الاكثر انتشارا, فما من طالب علم وادب إلا وقرأ جبران خليل جبران, وتركت هذه القراءة اثرها العميق في تكوينه..
جبران خليل جبران الاديب المتجدد دائما وابداً, الفيلسوف الباحث عن الحقيقة في اعماق النفس البشرية, والشاعر الذي نثر الجمال نجوما ابداعية, هذا الاديب الرؤيوي تبدو اليوم الحاجة ملحة للعودة الى منابع ابداعه ومحاولة الابحار فيها, وان كنا في كثير من الاحايين لانتذكر مبدعينا الاحياء والاموات الا في المناسبات, فإننا نشير ان هذه الاشارات السريعة لحياة جبران وأدبه , انما تأتي في الذكرى الرابعة والستين لرحيله عن هذا العالم اذ رحل يوم 10/4/1931م
>محطات في حياته..?
حياة جبران غنية بالمحطات المثيرة حزنا وحرماناً, وهي تكاد تصبغ الوان ابداعه بطعمها وشكلها وحزنها, فمن الشرق ومن سحر لبنان وجماله والاخفاق في الحب الاول الى الغرب وصحراء الفكر والضياع في غابات الاسمنت والحديد وفقدان الدفء الانساني, والسباحة في المياه غير العذبة بين هذين الحدين الحضاريين مسافات ومسافات ومحطات ولكن كيف قطعها جبران وكيف وفق بينهما?
ولد جبران خليل جبران كما يشير يوسف عبد الاحد في كتابه (جبران في آثار الدارسين) ونقلا عن د. سهيل بشروئي ولد عام 1883 م وتحديدا في اليوم السادس من شهر كانون الاول, في بلدة (بشرّي) على سفح جبل الارز في شمال لبنان.
عام 1894 م هاجر مع امه واخيه من امه واختيه الصغيرتين الى العالم الجديد واستقر الجميع بمدينة (بوسطن) بالولايات المتحدة واتخذوا لهم سكنا بالحي الصيني.
ويشير عبد الاحد انه في عام 1897 م عاد جبران الى وطنه لبنان والتحق بمدرسة الحكمة, وعكف على الدراسة, وكان جلّ اهتمامه منصبا على دراسة اللغة العربية وآدابها, فاطلع على الشعر العربي القديم والحديث, وتعرّف على الحركة الادبية المعاصرة في العالم العربي.
عام 1899 م كانت اولى صدمات الحب في حياته, اذ تعرف على فتاة عاش معها تجربة حب عنيف انتهت الى صدمة قاسية, وقد سجل قصة حبّه هذه في كتابه (الاجنحة المتكسرة).
ويشير عبد الاحد انه سافر بعد ذلك الى الولايات المتحدة عن طريق باريس, بينما يقول ميخائيل نعيمة في المقدمة التي كتبها لمجموعة جبران العربية انه- جبران- ظل في مدرسة الحكمة البيروتية من 1896م الى 1901م (واغترف مايكفيه مؤنة العمر ثم راح يثير بقلمه وريشته مااغترفه من ذلك الجمال وينثره بلباقة الفنان الامين لفنه وسخاء الشاعر المثقل بالشعور..).
عام 1902 م عاد الى لبنان مرافقا لعائلة اميركية كان دليلها في زيارتها للشرق, لكنه سرعان ماعاد الى بوسطن حين وصله نبأ وفاة اخته (سلطانة) ولم ينته عام 1903 م حتى كانت الاسرة فقدت معظم افرادها, ولم يبق الا جبران واخته ميريانا..
>بواكير الإبداع..
في عام 1904 م اقام معرضا لرسومه في مرسم( الفرد هولاندداي) المصور المشهور وكان من اول, المهتمين بجبران وابداعه.. وفي عام 1905 م كما يشير ميخائيل نعيمة كتب جبران مقالا في الموسيقا واصدره في نيويورك على شكل كتيب فكان الحلقة الاولى في سلسلة مؤلفاته التي اختتمها بكتابه المكتوب بالانكليزية (التائه) والمنشور بعد وفاته, وعن كتاب (الموسيقى) يقول نعيمة: (اول مايستوقفك نمط في الكتابة يتميز بسهولة التعبير, وحلاوة التلوين ولطافة الوقع, وصدق النية, وسلامة الذوق, وعمق الاحساس, والنزعة الى الابداع في الوصف والتشبيه).
بعد عام ونيّف اصدر جبران كتابا اخر اكبر حجما وابعد مدى, وقد سمّاه (عرائس المروج) وضمنّه قصصاً ثلاثاً:( رماد الاجيال والنار الخالدة) و( مرتا البانية),(يوحنا المجنون).
في (مرتا البانية) يصور فتاة قروية فقيرة الحال, طاهرة القلب والجسد, يغويها رجل من المدينة فتحمل منه وتلد غلاما, ثم ينبذها وطفلها.. يلتقيها وهي تحتضر- المؤلف- ويقول لها: تعزّي يامرتا بكونك زهرة مسحوقة ,ولست قدماً ساحقة, فتجيب مرتا المحتضرة:(نعم.انا مظلومة,انا شهيدة الحيوان المختبىء في الانسان, انا زهرة مسحوقة تحت الاقدام..ايها العدل الخفي الكامن وراء هذه الصور المخيفة, انت السامع عويل نفسي المودعة ونداء قلبي المتهامل, منك وحدك اطلب واليك اتضرّع..).
وفي عام 1908 م صدر لجبران في نيويورك كتاب (الارواح المتمردة) وقد نشرته جريدة (المهاجر) لصاحبها امين الغرّيب, وفي صدره التقدمة التالية:(الى الروح التي عانقت روحي. الى القلب الذي سكب اسراره في قلبي الى اليد التي اوقدت شعلة عواطفي ارفع هذا الكتاب).
>مؤلفاته..
واذا كان ضيق المجال لايسمح بعرض موجز لمؤلفات جبران خليل, فإننا نشير الى اسمائها كما وردت في المجموعتين الصادرتين في مجلدين(العربية) و(المعرّبة) في المجلد الاول (العربية) نجد الاعمال التالية:
(الموسيقا- عرائس المروج-الارواح المتمردة- الاجنحة المتكسرة- دمعة وابتسامة- المواكب- العواصف- البدائع والطرائف).
وفي المجموعة المعربة نجد:( المجنون-السابق- النبي-رمل وزبد- يسوع ابن الانسان-آلهة الارض- التائه- حديقة النبي).
وعلى مايبدو فإن كتاب(العواصف) كان آخر كتاب اصدره جبران باللغة العربية, ويشير نعيمة الى ان (جبران) بعد ان شق طريقه الى العالم الانكليزي انصرف عن العالم العربي الى حد بعيد, فما اصدر كتابا عربيا جديدا, ولكنه ظل يكتب مقالات متقطعة- والقول لنعيمة- اهمها ماكان ينشره في الاعداد الممتازة التي كانت تصدرها جريدة (السائح)في مطلع كل عام, وكان آخر ماكتبه بالعربية مقالا اعده للسائح العدد الممتاز في مطلع كل سنة 1931م وهو حوار يدور بين ملك وراع فيخرج الراعي منه ظافرا, ولكن ذلك العدد لم يصدر, ولم يكتب لجبران ان يقرأ مقاله مطبوعا
>نساء في حياة جبران..
شغل دارسو جبران بهذا الجانب طويلا, كتبت عشرات الكتب والدراسات, بعضها اعاد تكرار المعطيات نفسها, وبعضها الاخر قدم اضافات جديدة, واذا كنا هنا نشير الى بعض ملامح هذه العلاقة بين جبران والمرأة, فإنما نريد ان نصل الى العلاقة الروحية التي ربطته ب¯ (مي زيادة) والقصة الخالدة بينهما.
كان حبه الاول كما يسميه, طاهرا نقيا تسبح فيه النفوس في فضاء روحي غير محدود, ويشعر معه ان جسده ليس سوى سجن ضيق ينبغي الانطلاق من وراء قضبانه ,حبه كان صوفيا يتسامى على طبيعة اللحم والدم وحلق بأجنحة ميتافيزيقية تلامس النور في السماء.
بعد هذه المرحلة ينتقل (جبران) الى العلاقة مع (ميشلين) ويقال ان ميشلين انتحرت بعد وفاة جبران, وبعدها كانت العلاقة مع ماري هاسك التي تبنت جبران وامدته بلا حدود ولكنها رفضت الزواج منه, وفي القائمة نساء اخريات ولكن العلاقة الاكثر شهرة وانسانية كانت مع مي زيادة.
ارسل جبران الى مي رسالة في 25 تموز 1919م اعترف فيها بحبه, وفي 23/اذار عام 1925م كتب اليها متغزلا بجمال عينيها: ( وقد سألت عينيك ياماري لأنني كثير الاهتمام بعينيك, لأنني احب نورها, واحب النظرات البعيدة فيهما واحب خيالات الاحلام المتموجة).
وبعد موت جبران كانت مي تصطحب معها رسائله اليها وقد وجد معها كتاب يتضمن ابحاثا في سير بعض ادباء العصر وصورا لهم, كتبت عليه الى جانب صورة (جبران) العبارة التالية: (وهذه مصيبتي..)
وفاته: توفي جبران في 1/4/1931 في مستشفى القديس فنسنت بنيويورك بعد فترة طويلة من المرض, وقد وضع جثمانه بقاعة في نيويورك ليراه المعجبون ونقل بعد ذلك الى بوسطن وسجي في قاعة جمعية السيدات السوريات, وفي تموز نقل رفاته الى لبنان ووصل الى لبنان في 21 آب ,ورقد رقدته الاخيرة في ديرمارسركيس.
>نبوءات أدبية..
في كتابه (البدائع والطرائف) وتحت عنوان: لكم لبنانكم ولي لبناني) كتب قائلا: لكم لبنانكم ومعضلاته ولي لبناني وجماله, لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي, اما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها رنات الاجراس واغاني السواقي..
لبنانكم ينفصل آناً عن سورية ويتصل بها آونة ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقود ومحلول, اما لبناني فلا يتصل ولاينفصل ولايتفوق ولايتصاغر لكم لبنانكم وابناؤه,ولي لبناني وابناؤه , ومن هم ياترى ابناء لبنانكم? الا فانظروا هنيهة لاريكم حقيقتهم.. هم الذين ولدت ارواحهم في مستشفيات الغربيين,هم الذين استيقظت عقولهم في حضن طامع يمثل دور اريحي هم تلك القضبان اللينة التي تميل الى اليمين والى اليسار ولكن بدون ارادة وترتعش في الصباح وفي المساء ولكنها لاتدري انها ترتعش.هم تلك السفينة التي تصارع الامواج وهي بدون دفة ولاشراع, اما ربانها فالتردد, واما ميناؤها فكهف تسكنه الغيلان- أوليست كل عاصمة في اوروبا كهفا للغيلان..? هم الاشداء الفصحاء البلغاء, ولكن بعضهم لدى بعض, والضعفاء الخرساء امام الافرنج..هم الاحرار المصلحون المتحمسون ولكن في صحفهم وفوق منابرهم والمنقادون المرجعيون امام الغربيين..?).