تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ليبيا ... بحث عن وجوه أضاعت هويتها

شؤون سياسية
الأربعاء 23-11-2011
حسن حسن

ربما أخطر التداعيات وقد طويت صفحة القذافي، تكمن في حفلة الصراعات الباردة والحامية بين الفواعل الاقليميين والدوليين المتدخلين في الأزمة الليبية حالياً.

والسؤال المطروح حالياً هو مدى تقاطع المصالح ضمن حلف الناتو نفسه، وبالتحديد القطبان الفرنسي والأميركي والمقرونان بالألماني والإيطالي ، على تقاسم جبنة ليبيا النفطية ، هل ثمة تصور واضح لما بعد القذافي بين المنتصرين الحقيقيين في ليبيا وخارجها ؟ أم أن الخلافات ستعصف في ما بينهم على عقود اعادة اعمار ما كان من شبه دولة قائمة؟وما خطط اقامة نظام ليبي يحاكي المتغيرات العالمية القائمة حالياً؟!‏

عندما غزت أميركا العراق في عام 2003 ألغت عقوداً نفطية كانت قائمة مع فرنسا وروسيا بمئات مليارات الدولارات ، وكانت شركة توتال الفرنسية الخاسر الأكبر في حفلة الهيمنة على العقود لا تقسيمها . اليوم ربما الصورة معكوسة نسبياً في ليبيا ، حيث تعد فرنسا معنية ببوابة إفريقيا الشمالية ، والعصب النابض للاتحاد المتوسطي ، فهل ستكون باريس لقمة سائغة في حسابات النظام الجديد في ليبيا مستقبلاً ؟ وهل ستكون مجرد مدعوة إلى وليمة كبرى بدلاً من أن تكون شريكة فيها ؟ الأمر نفسه ينطبق أيضاً على باقي الأطراف شبه الفاعلين في القضية الليبية .‏

ثمة أسئلة محرجة على الصعيد الليبي الداخلي ، هل ستتمكن التشكيلات القائمة حالياً ، وبالتحديد المجلس الانتقالي ، من نقل البلاد من ضفة إلى أخرى في ظروف ليبية معروفة هي أقرب إلى المشاع السياسي البعيد كل البعد عن مفهوم الدولة العصرية وأسسها؟ هل يمكن تخطي الواقع الاجتماعي السياسي القائم بتشكيلاته القبلية المعقدة التي حكمت سابقاً بآليات عجيبة غريبة ؟ هل يمكن إعادة العصب الاقتصادي الليبي النفطي إلى الانطلاق مجدداً بسرعة لإعادة الإعمار ؟ أم سيكون مرهوناً بمؤتمرات اقليمية ودولية على شاكلة السوابق العربية مثل العراق ولبنان وغيرهما ؟ كلها أسئلة محيرة تبحث عن أجوبة في خضم ضباب يكتنف الوضع الليبي برمته .‏

وليس من شك أن الشعب العربي الليبي عامة ، ونخبه القائدة خاصة . وشباب ثورته على الأخص ، يواجهون تحديات مرحلة الجهاد الأكبر التي بدأت ، ويأتي في مقدمتها تأمين سيادة ليبيا ، واستقلالية القرارات السياسية الاقتصادية لنظام الحكم في المرحلة الانتقالية ، وصيانة وحدة النسيج المجتمعي الوطني، واسترداد الودائع المجمدة في المصارف الأوروبية ، والتحقق من الاستثمارات الخارجية ، وتأكيد امتلاك ليبيا لها . وهي تحديات تتطلب استجابة وطنية على قدر عالٍ من الوعي وصدق الالتزام الوطني والقومي .ذلك لأن أغلبية الشعب التي ثارت على الاستبداد والفساد وانعدام العدالة لن تحقق طموحاتها في بناء نظام ديمقراطي بمقاييس العصر ما لم تتوافر لديه متطلبات المجتمع المعاصر وفي مقدمتها سيادته وتكامله مع محيطه العربي ، وخاصة مع تونس ومصر .‏

وما هو مطلوب ليس بالأمر اليسير في الواقع الراهن ، والظروف التي حكمت مسار الوضع الحالي ، وقرب ليبيا من أوروبا ، وأهمية مواردها النفطية وامكاناتها التسويقية والسياحية ، للقارة العجوز التي تعاني أنظمتها وشعوبها أزمات مالية ومعاشية،والأخذ بالحسبان أن «الأصدقاء» الذين صدرت لمصلحتهم «الالتزامات» الموثقة، شعارهم الخالد: لاصداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما هي المصلحة الدائمة، ويقيناً أنهم سوف يعضون بالنواجز على استغلالهم المتعاظم لمقدرات شعب ليبيا أضعافاً مضاعفة في العهد الليبي الجديد الذي أسهموا في صنعه، عما كان عليه استغلالهم في السنوات الأخيرة من عهد القذافي.‏

غير أن مايراهن عليه ليس باليسير أيضاً، وفي المقدمة منه التناقض العدائي بين مصلحة وطموحات الشعب العربي الليبي، وبين مشاريع الهيمنة والاستغلال الأميركية والأوروبية، وهو تناقض في حكم اليقين سيظل متقدماً في نظر أغلبية نخب ليبيا وجماهيرها على التناقضات الثانوية فيما بين قواها الاجتماعية، المؤكد أن تعمل قوى الهيمنة والاستغلال الخارجية وأدواتها المحلية على استثارتها غير أن أحفاد الشهيد عمر المختار، الخالد في ذاكرة أمته العربية، يمتلكون تراثاً غنياً في مواجهة قوى الاستغلال والهيمنة الأوروبية، مثالها التاريخي الصمود الأسطوري في مواجهة الفاشية الإيطالية، وإذا كان بمستطاع الإعلام المروج للدعم الأميركي والأوروبي لثورة شعب ليبيا، أن يؤثر في قطاع غير يسير من شعب ليبيا راهناً، فإنه لن يستطيع تضليل الأغلبية على المدى غير البعيد، ولاسيما أن الممارسات الاستغلالية ومحاولات الهيمنة سوف تعجل بتفجير مخزون المشاعر الوطنية والقومية لشعب صعب المراس في مواجهة أعداء تحرره وتقدمه.‏

وليبيا كغيرها من الدول التي تتميز بموقع جيواستراتيجي، لكنها تقترن أيضاً بميزات إضافية ذات طبيعة استراتيجية حيوية، فهي تشكل 2 في المئة من إنتاج النفط العالمي، وهي بوابة إفريقيا الشمالية، وهي بمثابة أفغانستان آسيا، وعلى قياسها تفصل السياسات القارية والدولية، وهي صاحبة أطول شواطئ الاتحاد المتوسطي، وهي عصب الجغرافيا السياسية للمغرب العربي، وهي على بعد مرمى حجر من الولايات المتحدة الأوروبية الموعودة، وهي تختزن برمال صحاريها الكثير من الاحتمالات المفتوحة على مختلف صنوف الخيارات الداخلية والخارجية.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية