تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الطبيعة والفن المحاكاة في المباحث الجمالية

ملحق ثقافي
1/ 5 / 2012م
د. رحيم هادي الشمخي:تلتقي نصوص أعلام مثل الجاحظ والمتنبي وكانط في الالتفات إلى مسألة من أكثر المسائل في المباحث الجمالية استئثاراً بالاهتمام وأشدها إثارة للجدل والنقاش،

فالعلاقة بين الطبيعة والفن «وهي مسألة خلافية أيضاً» علاقة معقدة عصية مستغلقة شديدة التشعب تكاد تشمل معظم ما يشغل الناس في الفن من قضايا ومشكلات تتصل بنشأته وخصائصه وتقويمه وما يسند إليه من وظائف.‏

فالجاحظ يذهب، وفقاً لطريقته في مزج الجد بالهزل في المحاجة وتصيد النوادر الدالة وطرق المواضيع التي قلما تحظى بالعناية والاهتمام، إلى إيراد هذا الخبر متمثلاً به على القدرة التي خص بها بعض الموهوبين من الآدميين على التقليد والمحاكاة، وذلك في سياق البرهنة على أن الإنسان عالم صغير ميزه الله بالعقل وفتح له في مجال القدرة والاستطاعة أبواب التمكين المكين.‏

أما المتنبي فقد أصدر في الشعر عما كان يعتقده ويعتد به معظم النقاد والعلماء، من تقابل وتنافر بين الحضارة والبداوة والصدق والكذب والمطبوع والمصنوع والجودة الحقيقية والبهرج الزائف، متجهاً، على طريقة الشعراء في إقامة أمثلة الموجودات والأشياء في النفوس، إلى الجزم بأن الطبيعي أولى بالتفضيل وأحق بالإيثار من المصنوع. وله في هذا المعنى أبيات كثيرة منها على سبيل المثال قوله في إحدى البائيات السائرة:‏

ومن هوى كل من ليست مموهة‏

تركت لون مشيبي غير مخضوب‏

ومن هوى الصدق في قولي وعادته‏

رغبت عن شعر في الرأس مكذوب‏

وأما الفيلسوف الألماني كانط فقد نظر في العلاقة بين الطبيعة والفن وأفاض في تحليلها في أطروحاته الجمالية الشهيرة التي ظلت إلى أيامنا هذه مصدراً لا يستغنى عنه سواء لدى الذين يعتدون بالنظرة الحكمية إلى الجمال والفن أو الذين يعترضون عليها محترزين من استبداد الحكمة بموضوع ليس، عند التأمل الدقيق، من صريح اختصاصها.‏

ولسنا بالتقريب بين هذه النصوص الثلاثة نزعم أن أصحابها، مهما جمع بينهم الشغف بالحكمة وإيثار التأمل والغوص وراء المعاني البعيدة وتبين الفروق اللطيفة وتعميق النظر في الكائنات والموجودات، أو باعدت بينهم مجالات الإنتاج والمقاصد، قد تأثر بعضهم ببعض أو تجاوب معه، فالتوارد في العناية بأمهات المسائل المعرفية شديد التواتر ومسالك الفكر كثيرة الالتقاء والتقاطع.‏

ولكننا نود أن ننطلق من كلام هؤلاء الأعلام الثلاثة لإبداء بعض الملاحظات في العلاقة بين الطبيعة والفن وما ينتج عن فهمها من أحكام جمالية كثيراً ما نعتقد أنها تتأسس على الوظيفة التي نقدر أن الفن ينهض بها.‏

وغنى عن البيان أن من هؤلاء الأعلام، مثلما هو معروف من سيرهم شائع في التصانيف التي وضعوا والأعمال التي أبدعوا، من كان عالماً موسوعياً متكلماً مهتماً بالحيوان والأدب والمذاهب والفرق والبلاغة والبيان، أو شاعراً كبيراً مبدعاً خلاقاً أمضى العمر يجهد لاهثاً وراء إمارة «في مملكة الأنام» وهو عليها دون منازع «في مملكة الكلام»، أو فيلسوفاً مختصاً في العقل وملكاته يجود فيها النظر على نحو جعل منه إماماً «في الحكمة» ذائع الصيت راسخ الشهرة.‏

يتراءى الفن، أول ما يتراءى، وأكثر ما يتراءى أيضاً، في محاكاة للطبيعة. ففي الطبيعة أشياء وموجودات يرتاح لها النظر ويطرب لها السمع وتسربها النفس وتهتز متحركة بالإعجاب والاستحسان والاستملاح بما تبعثه فيها من روعة وبهجة واستلطاف. وفي المصنوعات التي ينتجها الإنسان أشياء تبعث في النفس المسرة والارتياح وتحركها بالتعجب والإعجاب بما فيها من جودة الحذق وقوة الإتقان ولطف المهارة. وفي الطبيعة أشياء وموجودات بينة النفع صالحة للاستعمال وأخرى لا وجه، في الظاهر، للانتفاع بها أو استعمالها. وفي المصنوعات أشياء نافعة وصالحة للاستعمال وأخرى لا غاية، في الظاهر دائماً نفعية أو استعمالية لها. وكما أن مجموعة كبيرة من الموجودات والأشياء الطبيعية مما لا نفع، في الظاهر، لها أو لا وجه لاستعمالها إنما تبدو، أكثر ما تبدو، قد وجدت لتروق وتستحسن وتلتذ بها الحواس وتطرب لها وتهش النفوس كأن مجموعة كبيرة من المصنوعات مما لا نفع لها، في الظاهر، ولا وجه لاستعمالها، إنما قد وجدت لتروق وتستحسن وتطرب لها النفس وتهتز بما تحدثه فيها من متعة والتذاذ.‏

ومع أنه يصعب التمييز بين الموجودات الطبيعية والمصنوعات التي وجدت لينتفع بها في الاستعمال وبين الموجودات الطبيعية والمصنوعات التي وجدت ولا غاية، في الظاهر، انتفاعية منها، كانت المصنوعات الجميلة قابلة لأن ينظر إليها في سياق شبهها بالموجودات الطبيعية الجميلة.‏

يؤيد هذا أن إحدى النظريات الجمالية الكبيرة وأقدمها وأوسعها انتشاراً وأشدها تأثيراً في الإجراء التطبيقي إنما هي نظرية «المحاكاة» فالمصنوعات الجميلة كأنما استنبطت بوحي من الموجودات والأشياء الطبيعية الجميلة وللمشابهة والمشاكلة والمجانسة والمماثلة والمناظرة أبلغ الآثار في التعامل مع المصنوعات الجميلة، فأقرب ما يذهب إليه الذهن وأيسره وهو يتأملها إنما يتمثل في قياسها على الموجودات والأشياء الطبيعية الجميلة ومقارنتها بها.‏

ويؤيد هذا أيضاً أن فنانين ومفكرين ومنظرين كثيرين ظلوا إلى زمن قريب يعتقدون أن الطبيعة هي الهم الأول في إبداع الأعمال الفنية الجليلة، وأن منهم من ذهب إلى أن الإنسان نفسه كائن طبيعي يبدع، متى أبدع، بوحي من طبيعته ومن الطبيعة التي ينتمي إليها.‏

••• ‏

ويؤيد هذا كذلك أن الفنون ظلت ينظر إليها من خلال تضمنها سمات الموضوعات التي تتناولها وخاصياتها المميزة. وهذا مشاهد في الخطابات التي يتحدث فيها أصحابها عن الأعمال الفنية، وفي نقدنا الأدبي والبلاغي القديم مثلاً، والفنون القولية من أعصى الفنون على تمييز جيدها من رديئها بحكم أن المادة الأولية التي تصاغ منها ليست من جنس موضوعاتها، تتواتر عبارات من قبيل «الإصابة في التشبيه» و»المقاربة» و»المشاكلة» و»المجانسة» حتى إذا تهذبت الممارسة النقدية أعطت في التراث تلك العناية الفائقة بالتشبيه والاستعارة والتمثيل، وأعطت في استكناه أوجه التناسب بين الأقاويل الفنية والواقع ما يمكن أن نتمثل عليه بهذا القول لضياء الدين بن الأثير في شعر المتنبي: «وأنا أقول قولاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها «التشديد من عندنا» حتى تظن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا».‏

ومهما كان النقد الذي وجه ويوجه إلى هذه النظرية صائباً وجيهاً وكانت مآخذه عليها مقنعة، فإنه لابد من الإقرار بأن نظرية «المحاكاة» تظل، عند التأمل والإنصاف من أمتن النظريات وأقدرها على تفسير الظواهر الفنية وتقويمها في مجال يغلب عليه التعقد والتشعب ويتسم التعامل معه بالعسر نظراً لما فيه من ألوان التوعر والصعوبة.‏

•••‏

إلى العلاقة بين الطبيعي والفني يتجه اهتمام هؤلاء الأعلام الثلاثة المستشهد بأقوالهم في بداية هذا الكلام؛ فالجاحظ يذكر أن أبا دبوبة الزنجي قد أدرك في محاكاة نهيق الحمار درجة من الإتقان عالية جعلت الحمير نفسها تخالها منبعثة منها. ويزعم المتنبي أن شعر الشعراء الذين كانوا يزاحمونه على الحظوة لدى سيف الدولة ليس سوى أصداء لشعره، ومثلما يستغني بالصوت عن الصدى يستغني بشعره عن سائر الشعر؛ فمثلما يفضل الصوت الصدى تفضل أشعاره سائر الأشعار. ويذكر كانط أن مقلد تغريد العندليب قد بلغ من الإتقان والجودة المرتبة التي جعلت السامعين يعتقدون أنه تغريد صادر عن عندليب حقيقي، فاستحسنوه وأثنوا عليه تبعاً لما أحدثه فيهم من طرب واعتقدوه من ظن. ولكن هذه المواقف الثلاثة وهي تؤيد علاقة المحاكاة بين الطبيعة والفن تطرح من القضايا ما يبدو عند التأمل جديراً بتلطيف النظر أهلاً لمزيد التدبر.‏

فالذي عند الجاحظ أن المحكي قابل لأن يفضل الطبيعي يدل على هذا قوله: إن الحمير كانت «قبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه». ويعلل الجاحظ هذا بقوله: «ولقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد». فالمحاكاة تفضل الطبيعة عندما تجمع صورها المتنوعة وتصوغها في واحد يمثلها ويحوي خصائصها فكان أبو دبوبة قد جعل في تقدير الجاحظ، من محاكاته نهيق الحمار «الجوهر» الذي تؤول إليه الأعراض وتشتق منه.. وإذا اعتبرنا نهيق أبي دبوبة مكتسباً ونهيق الحمار غريزياً أمكن القول إن الجاحظ يذهب إلى أن المكتسب «وهو ثقافي» قادر على أن يفضل الطبيعي، أو أن في الثقافي شيئاً ليس في الطبيعي، وهذا الشيء هو الذي يمكن الثقافي من الاضطلاع بوظائف لا يضطلع بها الطبيعي.‏

وأما الذي عند كانط فيبدو مفيداً في أكثر من اتجاه بما يفتح عليه من مسائل في علاقة المحكي بالطبيعي؛ فالضيوف الذين استمعوا إلى التغريد المنبعث من مقلد العندليب قد استحسنوه واستملحوه واستلطفوه وأعجبوا به وطربوا له عندما كانوا يعتقدون أنه ينبعث من عندليب حقيقي. وما أن عرفوا أنه ليس أكثر من تقليد محكم الإتقان ينبعث من إنسان ماهر في المحاكاة حتى انقلب استحسانهم استقباحاً واستملاحهم استسماجاً وإعجابهم اشمئزازاً وارتياحهم استيحاشاً وطربهم انزعاجاً، فرغم أن المحكي في ذاته قد أحدث في النفوس الوقع ذاته الذي أحدثه الطبيعي فإن معلومة بسيطة لا علاقة لها بالفن قابلة لأن تفسد المتعة وتبطل الطرب والإعجاب وتحدث انقلاباً في الحكم الجمالي.‏

أما المتنبي فإن الصوت في مثاله والصدى لا فرق بينهما إلا من حيث أن الصوت ينبعث من «الطبيعة» «سليقة الشاعر هنا» وأن الصدى امتداد للصوت لانبعاثه عنه فكلما كان العمل الفني ألصق بالطبيعة كان أفضل وكلما كان أقرب للثقافي ولو شاكله تمام المشاكلة كان أقل قيمة من الطبيعي الصريح. غير أننا مع مثال أبي الطيب، إنما نقف إزاء مصدر الإبداع ومنبعثه وإزاء المبدعات الفنية في علاقتها بعضها ببعض فالمتنبي لا يتحدث عن المصنوع في علاقته بالطبيعة التي يحتذيها لأنه ركز مثاله على علاقة المصنوع بالصانع فالقول الشعري ينبعث من طبع المرء من الطينة التي جبل عليها والمعدن الذي صيغت منه مواهبه.‏

•••‏

يسلم التأمل في هذه الأقوال الثلاثة إلى مجموعة من النتائج تتعلق بالأعمال الفنية وبالأحكام التي نصدرها في شأنها.‏

ولعل أولى هذه النتائج وأقربها إنما تتمثل في أن قيمة العمل الفني لا تتجسم في الموضوع الذي يتناوله بالمحاكاة وهذا في الحقيقة رأي قديم متواتر شديد التواتر في الأعمال النظرية والتطبيقية القديمة وهو يرد بيناً جلياً في الخبر الذي يذكره الجاحظ فنهيق الحمار ليس من الأصوات التي تلتذ بها الأسماع أو تطرب لها النفوس بل هو كثيراً ما تشبه الأصوات المنكرة، وهذا يعني أن التعجب من نهيق أبي دبوبة لا ينبعث من المحكي ذاته الذي هو نهيق الحمار إذ هو في ذاته صوت كريه. ولأسلافنا الفلاسفة العرب المسلمين كلام كثير في هذا الموضوع أدرجوه في الفصول التي خصوا بها «المحاكاة» من تصانيفهم من ذلك مثلاً ما ذهب إليه الشيخ الرئيس ابن سينا في قوله: «إن النورس تنشط وتلتذ بالمحاكاة، فيكون ذلك سبباً لأن يقع عندها للأمر فضل موقع والدليل على فرحهم بالمحاكاة أنهم يسرون بتأمل الصور المنقوشة للحيوانات الكريهة المتقززة منها، ولو شاهدوها في أنفسها لنطوا عنها، فيكون المفرح ليس نفس تلك الصور ولا المنقوش بل كونها محاكاة لغيرها إذا كانت قد أتقنت». وعندما نظر حازم القرطاجني في «المحاكاة» قال: «فيكون موقعها في النفوس مستلذاً، لا لأنها حسنة في أنفسها بل لأنها حسنة المحاكاة لما حوكي بها عند مقايستها به».‏

وفي نقدنا الأدبي والبلاغي القديم أمثلة كثيرة تستوقف بقدرتها على الإقناع بأن العمل الفني ليس متجسماً في الموضوع الذي يتناوله لعل من أبرزها قول عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة: «وقد علم أن ليس في الدنيا أمثلة أخزى وأشنع، ونكال أبلغ وأفظع، ومنظر أحق بأن يملأ النفوس إنكاراً، ويزعج القلوب استفظاعاً له واستنكاراً، ويغري الألبسة بالاستعاذة من سوء القضاء ودرك الشقاء، من أن يصلب المقتول ويشبح في الجذع، ثم قد ترى مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقية حين صلب وما صنع فيها من السحر حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها وتأول فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضى منه العجب:‏

علوّ في الحياة وفي الممات/ بحق أنت إحدى المعجزات‏

كأن الناس حولك حين قاموا/ وفود نداك أيام الصلات‏

كأنك قائم فيهم خطيباً/ وكلهم قيام للصلاة‏

مددت يديك نحوهم احتفاء/ كمدهما إليهم بالهبات».‏

وهذا يسلمنا إلى النتيجة الثانية، وهي تتمثل في أن «الأثر الجمالي» الذي تحدثه الأعمال الفنية في النفوس عندما تحركها بالإعجاب والتعجب والاندهاش والاستحسان والروعة، لا ينتج عن أننا نشاهد في الأعمال الفنية الأشياء والموجودات الطبيعية التي تضطلع بمحاكاتها، فلو كان ذلك كذلك لكانت تلك الأشياء والموجودات الطبيعية كفيلة، في حد ذاتها بأن تحدث في النفس الأثر الذي تحدثه نظائرها في النفوس وهذا يعني أننا نعجب أكثر ما نعجب ونمتع أقوى ما نمتع ونستحسن أشد ما نستحسن في الأعمال الفنية قوة المهارة وجودة الإتقان وتلك القدرة العجيبة على البلوغ بفعل المحاكاة أقصى مراتب الجودة مجسمة في التماثل بين المحكي والطبيعي. إن إعجابنا يتولد إذن عن المهارة التي بلغت بإتقان المصنوع الإتقان الكامن في الطبيعي. ولما كانت الأشياء والموجودات الطبيعية قد أوجدتها قوة طبيعية في حين أوجدت المصنوعات قوة مكتسبة «ثقافية»، كان الموجودان «الطبيعي والصناعي» المتشابهان بالمحاكاة شيئين، في الحقيقة، مختلفين قامت بينهما علاقات التشابه والتماثل والتشاكل. وهذا فرق دقيق فطن له باحثون كثيرون واعتمدوه مدخلاً للنظر في المصنوعات الفنية في زمن نفذت فيه التقنية إلى أدق أسرار المبدعات الفنية المتفردة فأنتجت منها الكثير المتشابه الذي يظل، مهما حاكى بعضه بعضاً المحاكاة التامة بعيداً دون مرتبة الفن الخالص.‏

•••‏

ولعل آخر ما تسلم إليه الأحكام الجمالية من نتائج أنها تصاغ في خطاب يطرح هو أيضاً قضايا ومسائل كثيرة، فهو مثلاً كثيراً ما يرد في صيغ مجازية استعارية. فنحن ننسب إلى المبدعات الفنية في الخطاب الجمالي صفات من قبيل «الرقة والمتانة والقوة والرشاقة والملاحة واللطافة» ونسند إليه عبارات من قبيل «كثرة الماء وشدة الطلاوة وملاحة الوقع». ومن خصائص العبارات الاستعارية أنها تتضمن معنى أصلياً اصطلاحياً ومعنى أو معاني استعارية تستعمل استعمالاً مؤقتاً. ويمكن أن نرى في تلك الصيغ الاستعارية من حيث إنها تتجه إلى ما يعرف بـ «القياس الفني» تمييزاً له عن «القياس المنطقي» لمخاطبته ما وراء العقل والحس من ملكات الإدراك التخييلي ومن حيث إنها مؤقتة أيضاً، تطابقاً مع الرأي الذي يذهب أصحابه إلى أن الفن يعرف ولا يعرف إذ هو يدرك في الأعمال الفنية نفسها عملاً عملاً إدراكاً اختبارياً.‏

وهذا كله يسلم إلى أن التعثر المشاهد في المشغل النظري وهو يشهد سعياً متواصلاً دؤوباً إلى وضع النظرية الجمالية دون أن يحالفه في ذلك التوفيق، وأن التردد بين احتذاء الطبيعة بالمحاكاة والابتعاد عنها ومجانبتها للنفاذ إلى صميمها، وأن القلق الظاهر في الأحكام الجمالية واطراد تأثرها بما لا علاقة له بالفن من متنوع العوامل، وجنوح العبارة في الخطاب الجمالي إلى المجاز وإفراطه في التعلق بالاستعارة، إنما هي، عند التأمل، أوجه لتجربة جمالية يثرى فيها التعامل مع الأعمال الفنية ويسهم أيما إسهام في إنارة مسالك العلاقة بها.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية