تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تناسج ثقافات الأداء العالمي

ملحق ثقافي
1/ 5 / 2012م
ترجمة: سناء عرموش:أود أن أنظر إلى الرقص كشكل فني داخل سياق تناسج ثقافات الأداء والنقاشات حوله غالباً خيانة افتراضية ضمنياً، كون الرقص عالمياً، ويمكن أن يكون مفهوماً من قبل أي شخص وفي أي مكان، الرقص كالممثل العالمي!

لكن مجرد لمحة خاطفة على تاريخ وتنوع أشكال الرقص في الثقافات المختلفة تكشف أنه يعبر عن مفاهيم ثقافية محددة، إقليمياً ومحلياً من خلال تفاعل الجسد، والتدريج الإيقاعي. من جهة أخرى، أداء الرقص دعوة «حركية» للتحديد والمشاركة الشاملة، يمكن أن تحدث تجارب مختلفة مثل استبعاد أو عدوان.‏

ما هي الخبرة؟ ما هي المعرفة المحددة التي تتجسد في الرقص، وتقنياته وكريوغراف الأداء؟ إلى أي مدى يعبر هذا الوصف «معرفة وجود الإنسان» الذي يمكن تصور الأداء الفعال من خلال حركات الجسد، والتفاعلات، والفضاء الزمني، والنموذج؟‏

تركيزي في هذا البحث هو مناقشة تناسج ثقافات أداء الرقص ضد المفاهيم النظرية السائدة في الدراسات الثقافية اليوم، وأسئلة الثقافات المتحولة في الفضاء الثالث: مناطق اتصال، وتناسج ثقافات الأداء، التبادل العالمي لأداء الرقص، كلها تدور حول الفئات والمصطلحات مثل تقليدية، تجريبية، كلاسيكية، ومعاصرة. هذه الفئات لديها تأثير جمالي، ثقافي، وتواصل اقتصادي. فقد أصبح من الواضح حتى الآن أن هذه الفئات تبقى خارجاً، حتى في الوقت الذي كان وما يزال يشكل إطاراً إنتاجياً، باحثاً عن شيء ما، وتقييماً لأحداث الرقص. أود أيضاً أن أطرح مسألة، إذا لم يحن الوقت لإعادة التفكير في هذه الفئات، وعما إذا كان كما في المثال التالي قد يوضح أداء الرقص، فلم تلعب دوراً نشيطاً في تفكيك فئات محددة، هذا يعني بأي طريقة يتواصل الرقص!‏

قبل العودة إلى مثال الرقص، أود أن أضع استخدام المصطلح في المنظور الذي يتيح لنا صياغة الأسئلة المتعلقة باللقاءات بين الثقافات على نحو ما يتوافق مع الظروف والمشاكل في عالمنا الحالي المعولم، المصطلح، أشير هنا إلى التناسج، اسمحوا لي أن أتوقف لحظة عند هذه النقطة للانضباط والاعتماد على الدراسات المسرحية والراقصة، في إشارة إلى المركز الدولي للبحوث «تناسج ثقافات الأداء» الذي تأسس في برلين قبل عامين.‏

الفكرة الأساسية لهذا المركز هي اكتشاف سبل الثقافات المسرحية أو التناسج سواء من منظور تاريخي، أو في ظل عولمة اليوم، وكذلك التعاون بين الفنانين من مختلف الثقافات، أو تغيير وتداول الإنتاج في مهرجانات دولية. مثل حالات التناسج، تثير أسئلة الهوية الثقافية، وكشف الأشكال التقليدية للعرض المسرحي أو مفاهيم الجسد في الرقص، والرفض أو التدخل في عمليات التناسج، كان له أثر في تحقيق الاستقرار أو عدمه. فرضية المشروع هي عمليات التناسج لا تخلق التجانس «بمعنى نظريات العولمة أو التهجين»، لكن تخلق درجة من التنوع، مصطلح التناسج، يوصف نوعاً معقداً من الأفعال التي تسمح إنتاجها بكل أنواع الخلافات الجديدة، في الواقع ما تجعلهم مرئية.‏

النظر إلى هذه الطريقة، أداء مسرحي وراقص يمكن أن يكون بمثابة نماذج لقاءات بين الثقافات للأبعاد السياسية والاجتماعية العامة، فعمليات التبادل بين الثقافات موجودة منذ فترة طويلة على مستويات عديدة دائمة ومتزامنة معاً، بحيث يبدو من المناسب النظر إلى الدورات المختلفة التي تنتهجها الحداثة والتقليد «في مجالات الدين، المجتمع، الفن والسياسة» باعتبارها أقمشة كثيفة منسوجة من هذه اللقاءات. المسرح يقدم الخشبة للممثلين والمشاهدين، وفي هذه الحالة، غير قابل على معالجة الظواهر الاجتماعية، نقد، تغيير، أسلبة، أو نفيها.‏

كيف يعبر البيان عن نفسه؟ ماذا نفعل مع عدم الانسجام؟ ما هو تأثير نقل التقنيات، ووسائل الإعلام على القيم والتقاليد الاجتماعية والجمالية؟‏

اسمحوا لي أن أشرح بمساعدة مثال مسرحي، أود أن أؤكد أن الأسئلة التي طرحت هي في الواقع ذات الصلة ليست فقط بالفن والمسرح، لكن أيضاً لتحقيق الأكاديمية داخل وخارج العلوم الإنسانية، على سبيل المثال، أود أن أحاضر هنا، وأفترض أنه مألوف للبعض منكم هو حوار في الرقص وحوله، محادثة بين راقص تايلاندي يدعى بيشيت كلونجون الذي تدرب على الرقص الكلاسيكي ومصمم الرقصات الفرنسي جيروم بيل. ما يزال الحوار مستمراً على خشبة المسرح الذي بدأ عام 2004 عندما التقى الراقصان في بانكوك بمناسبة أداء الإيماء، المحادثة حول عملهما كراقصين من ثقافتين مختلفتين.‏

على مستوى الأداء، الخشبة فارغة باستثناء كرسيي كلونجون وبيل في مواجهة بعضهما، استغرق الاستجواب 90 دقيقة، أولاً الفرنسي استجاب للتايلاندي، ثم بالعكس، للوهلة الأولى يذكّرنا الإعداد بحوار تلفزيوني على شكل سؤال وجواب، من أنت؟ من أين أتيت؟ لماذا أصبحت راقصاً؟ مع ذلك فالاختلافات بين هذا والشكل الحواري شائع «الذي يلمح إلى الاثنين مع اللعب» سرعان ما يصبح كلونجون واضحاً في طرح الأسئلة بعناية وذكاء وبطريقة عرضت فنهما. كلا الطرفين يوضحان في الحوار ويعلقان على أسس فنهما، بيشت كلونجون يفعل ذلك من خلال الحديث عن تاريخ الرقص في خون، مبيناً مبادئ ممارسته، وإظهار شخصياتها الأساسية، الرجل، المرأة، الشيطان، والقرد، ما تجعل الاختلافات واضحة في بنية الباليه، جيروم بيل يفعل ذلك من خلال شرح الأفكار وراء أدائها الذي يكرس لمفهوم الرقص، في حين تبين أيضاً أجزاء من المشاهد الفردية، مشهد من أكثر المشاهد جمالاً، حيث عرض كلونجون لبيل سلسلة قصيرة من الحركات، بيل يشبهه، كلاهما راقصان، دور المرأة في رقص خون في حوار نفسي. في هذا الحوار، المكون من الكلمات والإيماءات، يفترض الاختلاف على شكل الرؤية لنفسيتهما «في حركات الرقص» وفي التأثيرات على الثورة الثقافية.‏

لا يهمنا هنا فيما إذا كان راقصاً جيداً وتدرب في الغرب، أو لا يمكنه تعلم حركات معقدة بالأيدي، بل المهم رشاقة الجسد، والاتصال النموذجي للقدمين على الأرض، أو كيفية حركات الوجه، وتحويل تقنيات الرقص للجسد هو جزء من أداء محلي وعالمي. المشكلة أعمق من هذا بكثير، تفاوض المواقف تجاه الخبرة لأداء الطلاب في رقصة مؤداة منذ سنوات طويلة من الممارسة، هذا الموقف العقلاني لا يزعزع الانضباط، وعلاقة الأستاذ الذي يصف كل حركة يتحكم فيها، يكون في محور الرقص لدى خون مع نموذج مبسط للجسد. بعد سنوات قليلة، وضع بيشت كلونجون أداءً منفرداً بعنوان «أنا شيطان»، فتصور كيف أصبح راقص خون! قدم العرض تكريماً لأستاذه مع دراسته لمدة 16 عاماً.‏

جيروم بيل حالة مختلفة، إنه يرفض صراحة براعة الكلاسيكية في الباليه أو الرقص الغربي الحديث في مفهومه للفن، يرفض الانتظام «رغم أنه تدرب كراقص» لتلبية توقعات جمهوره، الذي يربط بين أداء الرقص مع عرض حالات جميلة للأجساد وذات مستوى عالمي في فن الحركة. يوضح بيل أن هذا لا يقلل من أداء الرقص ويحوله إلى سلع مستهلكة، هذا الموقف لا يريد أن ينغمس في التوقع، ما يريده من الجمهور أن يولي اهتماماً لموقف التوقع «رفض التقليدية، تحويل تركيز الرغبة، توجه بيل نحو الفراغ». هذه أماكن بيل في تقليدية أداء الغرب والحد الأدنى من مفاهيم الفن، الذي بدأ مع رقصة جون كيج الشهيرة حيث يتوقع الجمهور سماع كونشرتو البيانو، لكن بدلاً عنه يواجه عازف البيانو الجالس ببساطة خارج اللعب بمفرده، عند هذه النقطة، يصبح بالفعل واضحاً جداً أن هذا الحوار بين راقصين من ثقافات رقص مختلفة مراراً، ومراراً يتناول العلاقة بين التقليدية والتقليد في الرقص الكلاسيكي والابتكار ومفاهيم الرقص.‏

باحثة الرقص الأمريكية الناقدة سوزان فوستر لاحظت المفاضلة بين التقليدية والتجريبية «التقليد من جديد على تقوية الحضارة وتنفيذها في العالم عبر الكولونيالية الأوروبية، وأن هذه المفاهيم أساسية. إنها تنص على أن التقليد محاذاة التجريب مع النساء والرجال، وهذا يحول بيشت إلى مجرد رقم رغم استمرارية الحيرة والجهل في التقليد الكلاسيكي، يثير النقد أسئلة مهمة تظهر في المحادثة أثناء الأداء يدل على أن بيشيت ليس في وضع أقل كما تدّعي سوزان فوستر، قبل كل شيء هذه مسألة حول كيفية إدراك الجمهور! في هذا الأداء، يعالج الأداء بعضه، لكن في الوقت نفسه يعالج الجمهور، أصبح المشاهدون شهوداً ومراقبين، لن يكون من الممكن للمتفرج طرح هذا التفسير، على العكس يظهر جيروم على الخشبة بوصفه «نموذجاً غربياً»، يرتدي ملابس مريحة، بكلمة واحدة، نسائية «تأنيث»، وعلى سبيل المقارنة، حتى لو كان بيشيت حافي القدمين ويرتدي قميصاً ويقدم شخصية قوية ومركبة فهي واضحة تحول نظرها إلى الأداء الذي يتفاوض بين كليشيهات الشرق والغرب من حيث التقليد والتجريب بين النسوي والذكري.‏

هذه مقتطفات قصيرة تدل على أن الحوار يجري على عدة مستويات متداخلة، المستوى الاستطرادي من الاتصال اللفظي، والمستوى المادي الظاهري اللاشعوري، مستوى الفضاء بين هاتين الجهتين «الفضاء الذي يحتضن الجمهور والأداء» وأخيراً مستوى الرموز الثقافية والفنية وتقاليدهما.‏

في هذا الحوار، تبين أن إظهار الذات تكتسب أهمية لدى المشاهد، ويظهر جوانب جديرة بالملاحظة عند الراقصين والتوكيد على الاستعراض أحياناً، السمة الأولى هي الاحترام المتبادل للكشف عن نفسها عبر الإجابات، ووفقاً لأحد المعلقين «تعرض وتقول» وتسلط الضوء على الشكل مع المتعة والفائدة لإظهار الاختلاف بين ثقافتين عبر وسائل التفكير الغربي والشرقي، ويمس قضية العولمة المتفجرة حالياً، السمة الأخرى للحوار كانت لها أهمية أيضاً «إنه لقاء جميل» في لشبونة «ليس هناك توقع في التفسير، يبدو أن كل شيء جديد وصادق وحقيقي وواضح». من الواضح أننا لا نتعامل مع الحوار بشكل عفوي ومرتجل، إنما هو حوار الأداء الذي لا يزال يفترض شكلاً مختلفاً من كل مظاهر الأداءات، «التظاهر من المواجهة الأولى ليس خداعاً متعمداً أو هماً مسرحياً»، لكن لدى بيشيت كان المعنى قريباً، وهو دليل على أنه يقف أول مرة بين أعضاء من ثقافات غربية في المشهد الأول، المشهد الذي يثير الإعجاب من خلال إظهار الحكايات الأسطورية.‏

في الوقت نفسه، الإشارة إلى هذه المشاهد من المواجهة الأولى يجعل واضحاً «مصادر المسرح» أن في عصرنا الحالي يوجد في المرة الأولى قبل التاريخ، ما يعني أن العودة أو النقل عن هذا العمل تحت شروط الثقافة المعاصرة هو تحويل ذلك، عمليات الثقافات تتناسج مع تاريخهم الذي هو أقدم من الخطابات حول العولمة.‏

من خلال التقارير أن بيشيت كلونجون قضى بضع سنوات في الغرب، من أجل دراسة مختلف أنواع أشكال الرقص الغربية، مثل الفلامنغو، الرقص الأفريقي، خطوة الرقص، الارتجال والاتصال، يقول: إنه على الرغم من أنه اكتسب مهارات فنية، «أنا لا أفهم ذلك» وقال إنه يعرف جيداً كيفية تنفيذ الحركات، لكنه لا يعرف الغرض منها، أو لماذا ينبغي أن يشارك فيها، يدرك أيضاً أنه تعلم شيئاً من هذا لمعرفته رقصة خون، أهمية الطاقة والجسد، بهذه الطريقة يقول بيشيت علم للمرة الأولى أنه راقص خون، ولماذا مهم بالنسبة إليه، ينوي الآن إحياء تقليد الرقص خون الكلاسيكي في تايلاند لجمهور تايلاند في الوقت الذي يتم تنفيذ إصدارات شعبية منه للسياح، وهكذا، تناسج أنماط الحركة والمفاهيم التقليدية ذات الصلة باستجابة الجسد بين الثقافات، في الواقع، في ظل ثقافة العولمة وورش الرقص، في هذه الحالة يؤدي إلى اكتساب تحول وتجدد واستمرار هذا التقليد، إنها قصة/ تاريخ تهدف إلى كسب علاقة جديدة من خلال كسر التقاليد والاختلاف.‏

اسمحوا لي أن أذكر مثالين من أكثر الأمثلة في هذا الحوار والأداء قبل أن أختتم ملاحظاتي مع الأسئلة والحجج في ورقتي، هناك سؤالين حول موضوع الأداء، الأول يتعلق بإمكانية تصوير الموت على خشبة المسرح، الموت، الاحتضار، الموت «جنباً إلى جنب مع الحب، والزواج والولادة والغذاء» هي مناطق كما الأثنولوجيا، وعلم الاجتماع، المؤرخون والبحث باستفاضة عنها، أشارت ودلت إلى الطقوس والتقاليد الذهنية والممارسات الاجتماعية في كل ثقافة، أهمية هذه الموضوعات الأنطولوجية «تمثلها في الفن» تخضع لعملية التغيير التدريجي، هذه ظواهر عقلية مؤرخي المدرسة الفرنسية وتحليلها باعتبارها «واجباً مقدساً»، خاصة عندما يكون التعامل مع الموت والمواقف الفردية تغييراً ظاهرياً، يقول بيشيت إنه من غير الممكن تصور الموت والاحتضار على خشبة المسرح في رقص خون، كما سيرى غير المحظوظ، يمضي لإظهار مثالين حول كيفية الاحتضار في الكواليس أو في مكان غير منمق إلى حركات الطقوس، إما من خلال وجود البطل الذي أصيب في معركة ويموت في الكواليس، أو من خلال إيماءات الحزن أو من خلال حركة في مشهد أكثر حزناً، عندما يؤدي طريق الآلام عبر الخشبة بالمشي البطيء جداً، وكما يؤكد بيشيت دهشة بلجيكا، بينما العملية تستغرق خطوة بخطوة، حوالي نصف ساعة، من جانبه، يظهر بيل كيف أنه يموت على خشبة المسرح ببطء، يستلقي على أرض خشبة المسرح، ويبقى في حالة احتضار بينما موسيقى أغنية البوب تعزف «اقتلني بهدوء»، هذا كل ما يفعله، من المستغرب أن بيشيت لا يتفاعل مع الأسئلة بالتساوي، ولا مع التفسير، لكن يتذكر: هذا يذكرني عندما ماتت أمي، يصف ما الذي يحركه في الأداء، الفترة التي يأخذ قسطاً من الراحة قد انتهت، العملية انتهت ورحيل تدريجي لامرأة تحتضر، يثبت شبح الاختلافات بين المؤدين وثقافاتهم «في الكواليس» هناك «أحياناً مدهشة» التقارب والتشابه، رغم الاختلافات الثقافية، من قبل لا تمثيل الموت وجعله من قبل وسائل مختلفة علامات وسائل الإعلام «هذا هو، مشي لبيشيت وموسيقى لجيروم»، المحادثة بين المؤدين، تحقق الالتقاء في هذه المرحلة، ربما لأن الموت عالمي جداً، رغم أن بيشيت يرى أنه من المسلمات الشعور بشيء خفي من الفكاهة.‏

كابريل براندستيتر‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية