تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


فضيحة مذكرات

ملحق ثقافي
1/ 5 / 2012م
قصة: علي ديبة:المقدمة:أنصح كل مصاب بهذا النوع من الرعاف أن يبقي أسراره بين دفتي صدره، وألا يكتبها ثم يتركها لعبث الأيام في أدراجه.

أما إذا أصر ورأى في تعاليمي حذراً لا معنى له، فإنني أنصحه مرة أخرى أن يتلفها بعد حين من الزمن، حتى لا تصبح أسراره سخافة يسخر منها الكبار والصغار من أجيال عائلته.. وأنا هنا لا أستبعد دفتراً أبقاه كاتب ما كمسودة من مسودات خياله على أمل الإعادة والتنقيح، أو هو بيّت أفكاره بانتظار أوضاع سياسية لا توجعه رأسه، وبذلك يكون حقيقة قد وضع تعَبَ حياته بين السندان والمطرقة، ولنا أن نتخيل محتوى رواية رهن الكاتب فيها نبل أفكاره وصدق معارفه لأوضاع قد تتقدم خطوات واسعة نحو الأمام، وقد تعود أدراجها مئات السنين إلى الخلف،‏

وهذا ليس بشيء أمام حسابات مصيرية ترمي رواياته المسموحة والمعلنة في سلال القمامة إن وقعت هذه الوريقات المخبأة بين أيدي المتسلقين والمارقين وسواهم ممن يعبثون ويتلاعبون بمصائر الناس. لا بد أنهم سينكشون قبره ويحبسون اسمه في زنزانة لا خروج منها حتى في يوم القيامة، لأن اسمه لن يدوّن في سجل الأشراف المبدعين إنما في سجل الخونة والمتآمرين، وربما الكفرة والزنادقة..‏

سبب هذه التوطئة الفجة قليلاً، دفتر صغير وجدته مرمياً في عرض الشارع، داسته أقدام، دهسته عجلات. تهيبتُ بعض التهيب وأسفتُ كلَّ الأسف على قرطاس أرى فيه قداسة حملت تاريخ الأمم والشعوب، أخذني الفضول مأخذاً، من الذي أضاعه؟ وانزاح تخميني نحو البسيط العادي، لا بد أنه لأحد التلاميذ المهملين، أو هو لطالب تعب من ثقل حقيبته فرمى بعضاً مما بداخلها. ورنَّتْ نصيحة الوقار في رأسي شبه مؤنبة: لا تنحنِ لالتقاطه، ربما جعلت من نفسك محط أنظار الساخرين، قد يرون فيك واحداً من كبار السن الذين يرون منفعة بكل ما تقع عليه أبصارهم.‏

لم أكترث بكل النواهي، زاحمتُ سيارة عابرة، اختلطت شتائم السائق بصوت فرامل فتل رقاب المارّة العابرين وسواهم من الجالسين على الشرفات، اختطفتُ غايتي وتابعتُ سيري كأن شيئاً لم يكن. مسحتُ الغبار عن جلده الكحلي وأنا أتسال إن كان صيدي يستحق كل هذا العناء. كان هذا على لساني، أما ما جاء على لسان قلم صاحب الدفتر، فأنا سأقتطع وريقات تروي صدق نصيحتي.‏

ورقة البدايات:‏

أستيقظ كل صباح، أقصد بائع الجرائد، أتأبط لفّة من الصحف والمجلات، أبحث بين سطورها عن مسابقة تنقذني من بطالة تكاد تذهب بما بقي من عقلي، شاركتُ في أكثر من ستين مسابقة وبقي حالي على ما هو عليه، جميع أقراني الذين لم يحققوا ما حققتُه صعوداً على سلّم الدرجات صاروا يمرون بجانبي دون تحية تشهد بتفوقي، ماذا أفعل؟ هاجمتني خواطر من تلك الخواطر التي تحيلني إلى مشفى المجانين، فكرتُ أن أخلع كامل ثيابي وأرفع سروالي على خشبة، وأمشي في مظاهرة لا يشاركني فيها أحد، على أمل أجد معه من يسألني لماذا فعلت ما فعلت؟ حينها سيعلم القاصي والداني من أصحاب المعالي والمقاعد والكراسي الواطئة والعالية أنني بريء من السياسة وأنني مجرد باحث عن لقمة عيش لا أكثر.‏

ورقة عنوانها سهير:‏

سهير، نعم اسمها سهير، ومَنْ مِن رواد الجامعة من الطلبة والأساتذة والدكاترة لم يكن يعرف الصبية سهير، تلك الطالبة منفوشة الشعر ذات القوام الطويل، التي استنفذت من السوق كل الملابس القصيرة والضيقة، وملأت دنيا الجامعة وشغلت ناسها.. سهير التي لم ترسب بمادة من المواد خلال سنوات الجامعة، وقالت لما استلمت شهادتها: لولا القوانين والبروتين وكان قصدها الروتين، لاستلمتها بعامين وربما أقل.. ورغم أن خالة خالتها كانت عمة للمرحوم أبي إلا أنها تنكرت لمن هو أكثر قرابة لها، والسبب كما جاهرت وصرّحت أنها ترى فينا رقيباً يشل حريتها ويفرض عليها قيوداً تسعى للانعتاق منها. سنوات مرت دون أن أعلم من شأن غيابها شأناً، وهذا لا يعني أنها لم تخطر لي على بال أو أنها غابت عن ذاكرتي، كلما انفردَتْ نفسي بنفسي تلك الانفرادة الخاصة كنت أستحضرها ولا أستحضر سواها، حتى صرت أعرف أدق أدق التفاصيل في جسدها.‏

ورقة جاءت تحت عنوان قارب مثقوب للنجاة‏

كما القضاء والقدر وجدتها أمامي، صافحتني براحة أكثر من حارة، دعتني بجرأتها المعهودة إلى فنجان قهوة في مكان مجاور. ابتعدَتْ عن الطاولة قليلاً، هزّت كتفيها غير مكترثة، ابتسمت وقالت: حصلت على الثانوية لا لأني متفوقة، إنما رزقني الله رئيس مركز، وضع بين يدي ورقة جاهزة لكل مادة أُمتحن فيها. تخرجت من الجامعة وأنا لا أعرف من الصيدلة أبسط مصطلحاتها، وعليك أن تتخيل أنني الآن أدير دائرة طويلة عريضة في وزارة الصحة. ثم نظرت إلي نظرة رثاء وطلبت مني تهيئة الأوراق الثبوتية بالسرعة القصوى.. بعد تثبيتي موظفاً رسمياً في دائرة التأمينات دون النظر في شهادة الجغرافيا التي أحملها. توالت لقاءاتي مع من كانت سبباً في إنقاذي، لأجد نفسي في زمن لاحق أتبعها إلى أقرب محكمة عدلية في وسط من غمز ولمز الذين يعرفون سهير أكثر مني.‏

ورقة أخيرة:‏

هي مدة قصيرة لا تزيد عن السنة، توجّتني مديراً عاماً لواحدة من الشركات الكبرى، صارت رزم الفلوس لا تتسع لها أدراجي.. وظل الماضي القديم والجديد ينغص عيشي. في زمن لاحق وقفت أنظر إلى طفل صار بيننا نظرة مترددة قلقة، هو لا يشبهني في شيء، أنا أسمر قليلاً وهو أشقر كثيراً، عيناي مدورتان صغيرتان، وعيناه ملونتان متسعتان، كأنها قرأت بعضاً مما يدور في خلدي، ابتسمت ابتسامة لا تخلو من هزء وسخرية، قالت مراوغة: يا إلهي كم يشبهك، يكاد يكون نسخة طبق الأصل عنك، وأجزم أن ابننا هذا سوف يتأبط حقيبة من حقائب السلك الدبلوماسي. ازدردتُ غصة وقفتْ في حلقي، تمنيتُ أن أرد لها الصاع صاعين وأقول: لا لن يكون ابنكِ صاحب شأن لا في هذا السلك ولا في غيره، لأنك حينها ستكونين مجرّد عجوز شمطاء.. لكني ابتلعتُ لساني وتابعتُ صمتي.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية