تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


حنا مينة: * الموت نوم و أريدها نومةً شكسبيرية...* بعد الماغوط والعجيلي لازمني الأرق

لقاء الأسبوع
الاربعاء 26/4/2006
حوار: سوزان ابراهيم ولمى يوسف

من منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر! وهل تجهل أن الحجارة التصقت بأكف حامليها? ليس من إنسان بلا خطيئة, حتى يحق له أن يتهم سواه بها..

نحن بشر, والبشر خطاة وليس من معصوم إلا أصحاب العصمة. قبل أن ترى القشة التي في عين غيرك انزع عمود القش الذي في عينك, عندئذٍ فقط ترى جيداً انه حنا مينة الرمح المجرد الواقف في وجه الريح عارياً شفافاً كالضوء, وربما عاصفاً ثائراً كالبحر في يوم شتائي قاسٍ, هو الذي لا يساير الموضة ولا يجرب , يكتب ما يعيشه ويعيش ما يكتب. في الطريق إلى بيته العالي واقعاً ومجازاً حاولنا إفراغ كل حجرات الذاكرة, لتبقى وحدها كلماته معلقة على جدرانها كلوحات مكتوبة ومشغولة بالوجع والهم الإنساني, و بتفاصيل الدمع والقهر , وبكثير من ألوان التمرد والتحدي. حنا مينة الذي تخرّج من جامعة الفقر الأسود والحديدة التي تفولذت بالنار, ولذا أحبّ الرجال الشجعان المغامرين الباحثين أبداً عن هدف أبعد, كلما وصلوا شطآنه, رفضوا الاستسلام لنشوة النصر الآني, وهبّوا لخوض غمار تجربة أخرى . هو البحر بكل ما فيه من اتساع وحرية وعمق وغموض, وما قد يفترس, وما قد يزين أعناق النساء بقلائد اللؤلؤ والمرجان.‏

في الطريق إلى بيته العالي‏

تخيلنا أن مكتب الأديب الكبير واسع فخم الأثاث, وفوجئنا بأنه أوسع مما قد نتخيل بفضاءات كلامه, أو لنقل حكمته التي خرج بها بعد صراع مع الحياة امتد حتى الآن 82 عاماً, أثثه بشكل فاخر بكثير من الحب والصداقة والذكريات. لم يكن حواراً صحفياً كما اعتدنا أن نفعل, بل ساعات ثلاث من استدعاء الذكريات والشعر . في المكتب الصغير تساءلنا بصمت: كم من الدخان تراكم وعشش في ثقوب المكان ? فلفافة التبغ تسرق شعلة من جمر سابقتها وهكذا. على الجدران لوحات لفنانين معروفين, منهم نزيه أبو عفش, فاتح المدرس وغيرهما, لوحة تضم صوراً لعدد من الكتاب الروس ذيّلت بالقول: الأدب ثمرة الحياة, لوحة تضم بيتا من شعر الياس أبي شبكة:(ويا وطنا بالحب نكسو أديمه ويحرمنا حتى رضاه ويمنع) كثير من الكتب صورة للشهادة الإبتدائية ذات ورق مصفّر في أعلاها كتب: الدولة السورية, وزارة المعارف تعود لعام 1936 أنقذتها والدته من البلل, صورة تجمع الأديب بعائلته إثر تقليده وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة, صور شخصية له في مراحل عمرية مختلفة, ثم كثير من المجسمات الصغيرة لبعض الآثار السورية.‏

متمرد وحزين كعادته‏

كعادته تمرد على كل أسئلتنا وترك لذاكرته أن تتدفق في الاتجاه الذي يريد, لكنه كان حزيناً, بعد الترحيب بنا بدأ الكلام :‏

أنا إنسان بسيط متواضع لكن شهرتي واسعة جداً, منذ 4-5 أيام لم أذق طعم الراحة والهدوء , كثير من مندوبي الصحف اتصلوا يريدون تعليقاً بعد رحيل الصديقين الماغوط والعجيلي, الموت يا ابنتي نوم ثم لا شيء, وأنا أريد أن أنام نومة شكسبيرية , وأدعو الله أن يحررني من هذا الهم ( الكتابة ), تصوروا ما كدنا نضع زهرة على قبر الماغوط في السلمية حتى وضعنا زهرة أخرى على ضريح عبد السلام العجيلي ( تناول منديلاً ومسح دموعاً لا يريد لأحد أن يراها ) اتصلوا من جريدة السفير يريدون تعليقاً, فقلت لهم إن ملف الأديب الكبير محمد الماغوط قد انطوى والآن نفتح ملفاً جديداً للعجيلي. على مدى الأيام الماضية أنا أعيش والله في جهنم ولم أعرف للنوم سبيلاً. لقد حزنت على هذا الصديق محمد الماغوط ويوم تشييعه ذهبت وجلست في غرفة في الداخل وبجانبي الصديقة التي زرتها قبل 30 سنة وما عدت لزيارتها, كوليت خوري, لقد طلبت مني ألا أقول إن عمري 82 عاماً لأني أبدو أصغر, لكن ابني سعد أجاب: لقد قالت ذلك حتى لا تكشف عمرها. وقالت كوليت أنا سأحميك ( من ملاحقة الصحفيين و الإعلاميين ) وعندما جاؤوا طلبت منهم عدم الاقتراب مني لأنه متعب لكنهم لم يستجيبوا بل قالوا لها: اجلسي وسنصوّرك معه, فاستسلمتْ وقالت: أستاذ حنا أنا فشلت في حمايتك. أوصلتني كوليت إلى الصفوف الأمامية في تشييع الماغوط. كان هناك قوميون سوريون وعندما حملوا النعش صاحوا : تحيا سورية , يا ابنتي البعثيون والشيوعيون والسوريون أصبحوا صفاً واحداً - كلهم سوا - . لقد فقدنا وبكينا ممدوح عدوان وسعد الله ونوس والماغوط والعجيلي إلا أنا ! لماذا لا أموت ?!يا ابنتي أنا عمري الآن 82سنة أليس من حقي أن أستريح . أنا لا ينقصني المال والكتّاب في هذا البلد أغلبهم فقراء.رحم الله جميع من فقدنا , رحم الله الماغوط كم كان يحبني ويطالبني دوماً بزيارته.‏

* هل ثمة من لا يحب حنا مينة , نعتقد أن كل الناس تحبك?‏

** لا ليس كل الناس , بعضهم يحبني وبعضهم لا يحبني الأشرار لا يحبونني.‏

* هل ثمة اسم تطلقه على المكان الذي تكتب فيه كعادة بعض الكتاب ?‏

** يا ابنتي لا زمان ولا مكان , فليذهبوا كلهم إلى الجحيم.‏

* ما هي الحكمة التي خرجت بها بعد هذا العمر ?‏

** أنا أكره الحكمة المبتذلة العادية وألعنها.‏

عرضنا على أديبنا الكبير صورة فوتوغرافية تجمعه مع الأستاذ غسان الرفاعي فعلّق وثمة حسرة توشي كلامه:‏

في هذه الصورة, أي قبل سنة ونصف التقيت به في كافتيريا الشام, فبكى كل منا على كتف الآخر , لقد فرقتنا الأيام لسنوات طويلة, هو في فرنسا وأنا هنا, ولم ألتق به منذ ذلك الوقت.‏

الرواية ديوان العرب‏

* سمعنا أن أعمالك ستطبع في مجلدات?‏

** لا, هذا غير صحيح. أنا ومنذ 33 عاماً أطبع في دار الآداب حصراً لدي 40-41 عملاً روائياً و5-6 كتب في الدراسات منها ( كيف حملت القلم وحوارات وأحاديث...) كما هو موثق من قبل الناقد اللبناني محمد دكروب سنة 1982 أنا الذي قلت: أنا جنيت على نفسي إذ قلت الرواية ستكون ديوان العرب في القرن 21 ولكنها صارت ديوان العرب في القرن ال 20‏

* برأيك لماذا يتجه غالبية الأدباء إلى الرواية? وما هو الإغراء الذي تملكه الرواية?‏

** لأني قلت هذه الكلمة وانتشرت. منهم من شتمني, أو شتم قائلها لأن كل واحد يدعي أنه قائلها, وخاصة في مصر حرصاً منهم على الرغبة في أن يكونوا السباقين . ثمة كاتب مصري أرسل لي المجلة بأن هناك كاتباً مصرياً في القرن التاسع عشر قال تلك الجملة قبل حنا مينة فقلت حسناً أهلاً وسهلاً ( وضحك )‏

* لدينا 17 سفارة في العالم فقد ترجمت أعمالك إلى 17 لغة أليس كذلك?‏

** والله لا أعرف, ولا أفكر بهذه المسألة لكن دار الآداب وهي دار كبيرة عريقة وواسعة توزع كثيراً.‏

روايات وبعض ذكريات‏

رواية المرصد:‏

كتبت رواية المرصد , كان بيني وبينهم كلمة شرف. هذه الرواية التي فيها أقل سوية فنية . لقد كتبتها من أجل تأريخ هذا الحدث الكبير ( حرب تشرين ) فلأول مرة يقاتل الجندي العربي وتُحرَر أرض عربية ولولا خيانة السادات لأحرزنا الانتصار. نزل هذا الإنسان الكبير ( علي حيدر ) على المرصد ومعه فرقة مغاوير وحرروه . لقد جلست معه ساعتين وقال لي : قرأت روايتك وشعرت بأنك كنت معنا في المرصد . نشرت الرواية في صحيفة تشرين آنذاك على حلقات . جاء (سهيل ديب) وكان اتفاق بينه وبين عميد خولي رئيس تحرير جريدة تشرين في ذلك الوقت أن تطبع الرواية, فصدرت المرصد في طبعة عن دار الآداب وبطبعة أخرى عن تشرين.‏

روايتا الذئب الأسود و الأرقش والغجرية:‏

يوم توقيع كتابي الذئب الأسود احتشد الناس ومرّ صديقي حيدر حيدر ولم يتمكن من الوصول إلي . قلت لسالم النوري : لعنة الله على الذئب الأسود لم ينته , فضحك وأشعل لي سيكارة . هنالك 22 صياداً يذهبون إلى 22 غابة ليصطادوا الذئب الأسود بينما هو يتبختر في شوارع المدن والعاصمة والذئب الأسود هو الفساد يا ابنتي , والله أحفظ الكثير من القرآن الكريم, ومن الأحاديث النبوية, والله الكذب هو رأس المعاصي ( مسكينة المرأة إن كان زوجها كذاباً, أو بخيلاً, أو ليس له شخصية, أو متبجحاً أكثر من اللازم ). تنشر حالياً روايتي الأرقش والغجرية على حلقات في ملحق الثورة الثقافي وهي الجزء الثاني من الذئب الأسود.‏

لن أكتب الجزء الثاني من الياطر:‏

أرسلت أميرة سعودية أو غير سعودية لا أدري واحدة من وصيفاتها ربما, أعطتني نسخة من رواية الياطر وقالت: الأميرة تريد إهداء على الكتاب, فكتبت إهداء لا يضر ولا ينفع , ثم قدمت لي شيكاً موقعاً على بياض مقابل أن أكتب الجزء الثاني من رواية الياطر , مزقت الشيك ورميته. قبل 40 سنة كتبت الياطر وهو الجزء الأول ولم أكتب الجزء الثاني, ولن أكتبه, لن أكتبه والسلام عليكم! وسألناه: هل تستطيع ألا تكتبه حقاً? فأجاب: هذا الكلام يقولونه إذا كان الكاتب يحس بأنه سيموت فينكب على الكتابة وعليه أن يكتب, لا.. لقد كتبت نصف ما كتبته .. حنا مينة هو من يقول والذي لا يخاف في هذه الدنيا إلا من الله وأحياناً....ثم قال: عرض عليّ مليون دولار لأكتب مديحاً عن الكتاب الأخضر للقذافي لكني رفضت. أنا بسيط في حياتي ولكني أملك الملايين من عرق جبيني .‏

* كنت قد بدأت كتابة رواية حين مات النهد ثم مزقتها?‏

** وهل يموت النهد يا ابنتي? النهد لا يموت. بلى كتبتها ونشرت, أما الرواية التي مزقتها وأعدت كتابتها فهي نهاية رجل شجاع والتي أحدثت دوياً كبيراً بعد تحويلها إلى مسلسل. لقد كانت العمل الأول لابني سعد وكذلك أول عمل أخرجه نجدت أنزور في سورية- ثم استرسل الأديب في تداعيات الذاكرة: في حفل قريب التقيت الفنان أيمن زيدان وعانقني, أما بسام كوسا فهذا حبيبي وهو إنسان رائع ويكتب القصة أيضاً وهناك أبو صياح الذي تعود صداقتي معه إلى زمن تحويل رواية الشراع والعاصفة إلى مسلسل , وأيضاً جمال سليمان وسلوم حداد. قبل فترة قال لي ابني سعد بأن بعض الممثلين المصريين يريدون اللقاء بي في قصر النبلاء , بينهم محمود حميدة ونور الشريف وآخرون. وذهبت وكانت منى واصف فجلست بقربي - وهي مثّلت كل أعمالي التي حوّلت إلى أفلام , وسألتني ما آخر ما تكتبه? قلت: شرف قاطع طريق فقالت مستغربة: وهل لقطاع الطرق شرف? فأجبت: أكثر من بعض المسؤولين لدينا.‏

* أتجمعك صداقة بالأديبة غادة السمان?‏

** منذ عدة سنوات كتبت لي رسالة رسمية, فعددت الكلمات وكتبت لها جواباً بعدد الكلمات ذاتها وهي الرسالة اليتيمة بيننا, ولم ألتق بها أبداً.‏

الروح تبقى خالدة والجسد هو من يخون‏

* ما أخبار البحّار حنا مينة?‏

** لقد ودّعْ البحر, كتبت قصتي الرحيل عند الغروب.. ودّع البحر يا ابنتي, إنها المهزلة حنا مينة الذي كان يصعد الجبال وينزل الوديان, المناضل والمكافح, يصير حنا مينة العاجز الآن , يوم أعطوني جائزة الوسام قلت بضع كلمات: شكراً جزيلاً لبشار الأسد, ثم قلت: القلق هو المحرك للحب والإبداع والطمأنينة قاتلة الحب والإبداع وأنا لعنت الطمأنينة ثلاثاً. حنا مينة ليس كاتباً فقط بل له فلسفة في الحب وله فلسفة في أشياء أخرى. لقد كتبت مقالاً بعنوان: خلود الروح وخيانة الجسد, الروح تبقى خالدة حتى تنزل مع صاحبها إلى القبر لكن من يخون هو الجسد ( وضرب بقبضته على صدره ضربات متتالية ) وأردف: خير من عبر عن ذلك أمير الشعراء أحمد شوقي:‏

سلوا قلبي غداة سلا وتاب لعل على الجمال له عتابا ( وأنا لي على الجمال عتابا )‏

يسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا‏

وكنت إذا سألت القلب يوما تولى الدمع عن قلبي الجوابا‏

ولي بين الضلوع دم ولحم هو الواهي الذي سكن الشبابا‏

* كرّمت أيضاً في مصر , هل تعتقد أن تكريمك جاء متأخراً?‏

** كل عمري كنت مكرماً وبأكثر مما أستحق. لكن بشكل عام الأديب في بلادنا مظلوم, نحن كلنا مظلومون سواء كنا كتاب رواية أو قصة أو صحفيين, كلنا مظلومون.‏

* وإلى متى?‏

** إلى أن يشاء الله.‏

* كيف هي علاقتك بالله, هل أنتما صديقان?‏

** لا, زوجتي صالحة وهي تدعوه من أجلي.‏

* أتشرب كثيراً?‏

** لا . كان والدي يسكر بعد أن يشرب كأساً واحدة وسرعان ما ( يفرفش )ويضحك, لكن الله حرمني هذه النعمة فأنا مهما شربت لا أسكر , أنا لم أدخل خمارة طوال عمري , هي مرة وحيدة كانت هناك مطربة اسمها نهاوند في مقهى الكروان وراحت تغني واحدة من أجمل الأغنيات التي أحب:‏

يا فجر لما تطل ملوّن بلون الفل صحّي عيون الناس ومحبوبي قبل الكل‏

* وماذا عن أغاني فيروز?‏

** أغاني فيروز أحبها جميعاً خاصة ما كتبها سعيد عقل , هو صديقي والشاعر الذي أحبه ويحبني قال مرة: يا حنا ما تنكرزني! وقال لي: زرت مرة الياس أبو شبكة في المشفى, اسألني ليه, لأنه يريد أن يصبح عبقرياً !! في لبنان عبقري واحد هو سعيد عقل ( وقد قالها مينة مقلّداً سعيد عقل بلهجته وعنجهيته ) ويتابع مينة: الياس أبو شبكة شاعر كبير غيّر مضامين الشعر.‏

* ما أخبار حنا مينة والحب?‏

** أنا لا أحب . الناس مبتلون بهذا الأمر وقد اتصل بي أحدهم وقال لي: (يا أخي حب وخلّصنا من هذه المشكلة ).‏

* أحقاً لم تحب?‏

** لا أبداً, في عمري كله لم أحب‏

* لماذا تصرّ بأنك لا تحب?‏

** لأني لا أحب...‏

* وكيف تمكنت أن تحمي نفسك من فيروس الحب?‏

** يا ابنتي أنت لا تعرفينني, أنا عشت طفولتي في الشقاء الأسود, هناك شقاء أسود وشقاء أبيض, وما أعيشه الآن هو الشقاء الأبيض, أما طفولتي فقد عشتها في الشقاء الأسود, أجير, وأجير, وأجير, وحلاق, ثم مغامر ذهب إلى ليبيا ليحارب رومِل , والبحرية التي انتسبت إليها, وعندما رحل رومِل قلت سأخلع البدلة ولن أحارب , هذا من بعض جنوني . أنا نصف عاقل ونصف مجنون, وقد بقي نصفي المجنون.‏

* لكنك تدخن كثيرا? !‏

** نعم أدخن كثيراً وقد نصحني الأطباء ولكن,.. المعروف أني قلت: أدفع نصف مليون ليرة لمن يقتلني, والتقيت بشخص ( قتّال قتلى ) وقلت له: أعرف أنك قتلت عدة مرات فما رأيك بأن تقتلني وتأخذ نصف مليون? نظر إلي وضحك, طلب كأساً شربه, ثم قال: أولاً أنا أحبك, وصحيح أنني قاتل, لكنني أحبك وأقرأ لك أحياناً, ثم قال: ماذا أفعل بالنصف مليون ( تبعك ) وأنا ذاهب إلى حبل المشنقة.‏

* ماذا عن الحارات الشعبية في اللاذقية?‏

** ياه كتبت كثيراً , لدي 8 روايات عن البحر.‏

* اللاذقية أم دمشق أيهما تحب?‏

** لدي أمنية كتبتها هي أن ينتقل البحر إلى دمشق, أو تنتقل دمشق إلى البحر , هذه أمنية مجنونة لم تتحقق ولن تتحقق.‏

* مقاهي أيام زمان ماذا تركت في ذاكرتك?‏

** كان مقهى الهافانا ملتقى الأدباء, لكن لم يكن لدي الوقت للذهاب إليه, جلست قليلاً فيه, ثم كان هناك مقهى البرازيل الذي أغلقوه, وصارت مباريات الهدم, وقد كتب سعيد تلاوي صاحب جريدة الفيحاء راثياً المقهى في ذلك الحين:‏

قف بالطلول وقل يا دمعتي سيلي أخنى الزمان على مقهى البرازيل‏

وكنت كتبت عنه في تشرين وقال لي عبد المطلب الأمين أنت تؤرّخ. كنت أذهب إلى كافتيريا الشام لكني انقطعت عن ذلك منذ 10 أشهر لأنها ازدحمت كثيراً واتسعت الحلقة لدرجة كبيرة.‏

التقدم الاجتماعي‏

يرى حنا مينة أن المرأة ليست جزءآً من قضية الوجود, بل هي قضية الوجود. وقال:‏

أريد أن أكتب قصة وأهديها لأول ( ....) في دمشق, لأن أول امرأة رفعت الحجاب قالوا عنها (....), فما اهتمت, وأول امرأة سارت إلى جانب زوجها في الشارع قالوا عنها (....), وما اهتمت , وأول امرأة دخلت مطعماً مع زوجها وأول امرأة رقصت في مكان عام مع زوجها قالوا عنها (....) وما اهتمت.... إذاً المرأة هي من صنعت تقدمنا الاجتماعي وليس الرجل وأنا لا أتملق المرأة . في محاضرة في الأردن, في إربد, سألتني إحداهن: أستاذ حنا لماذا تتملق المرأة ? فأجبت: أنا لا أتملق المرأة لا, لا, وتابع: عيونك سود والكحلة بلاشي وأنا بحبك لوجه الله بلاشي.‏

أنا أحب المرأة لوجه الله.المهم حنا مينة ليس هو من صنع التقدم الاجتماعي - أنا تقدمي أسمح لنفسي بالعشق, لكن إن أحبتْ ابنتي أنقلب إلى رجل رجعي تافه وسخيف.‏

من أين يبدأ التاريخ?‏

أنا أقول: التاريخ بدأ مع الجنس وقبله لم يكن هناك تاريخ. حواء قالت لآدم البليد: قم وذق التفاحة, والتفاح هو رأس الحياة, قبل آدم وحواء أين كان التاريخ ? ارجعوا إلى الطبري إنه لا يجيد ربط الأحداث بعضها ببعض, المؤرخ يراكم الحوادث دون أن يوحد بينها منطقياً الحوادث حلقات مترابطة والطبري وضع الحوادث فوق بعضها البعض دون الوصول إلى ترابط بينها. بليّتي في هذا الكون أن عليّ أن أتكلم. لقد كانت المرأة شجاعة وجريئة مرتين: الأولى عندما أطعمت آدم التفاح, والثانية سأرويها لكم: ناجى النبي لوط ربه يا رب أحرق سدوم وعمورة فقال له الرب: إذا كان في قومك عشرة صالحين فلن أحرقهما. ذهب لوط ثم عاد وقال : لا يوجد, فأجابه الرب: إن وجدت صالحاً غيرك في قومك فلن أحرقهما. وذهب لوط مرة أخرى وعاد ليقول: يا رب ما وجدت غيري صالحاً, فقال له الرب: إذاً خذ بنتيك واخرج, وفعل لوط ذلك وأحرق الرب سدوم وعمورة ( ويعقب مينة: يبدو أن الذرة كانت مكتشفة تلك الأيام وإلا كيف أحرقهما! ), وفكرت البنتان لم يبق إلا هما وأبوهما , هنا وللمرة الثانية كانت المرأة ذكية وجريئة, فسقت البنتان أباهما الخمر ثم ضاجعتاه حفاظاً على النسل وأنجبتا منه فتتالت الذرية .وهنا تذكر مينة شعراً للياس أبو شبكة من ديوانه أفاعي الفردوس:‏

مغناكِ ملتهبٌ ونفسكِ جائعة فاسقي أباك الخمر واضطجعي معه‏

إن ُترجعي دمكِ الشهي لنبعه كم جدولٍ في الأرض رجع منبعا‏

حنا مينة والسياسة:‏

ويقول الأديب مينة: أنا سياسي قبل أن أكون كاتباً . 60 عاماً وأنا أسبح في بحر السياسة. وتذكرَ: أيام الفرنسيين لم أهادن. ذات مرة كنت في السجن وكنت نحيلاً وضعت في زنزانة فيها أفاعٍ, كنت في الثالثة والعشرين من عمري وكنت أعرف مسبقاً أن هذه الأفاعي قد اقتلعت أنيابها, ثم قال:‏

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب‏

فتسلّيت معها والله العظيم , وأضاف أيام زمان كان بإمكان أي عنصر من المباحث أن يدخلك السجن ولكي تخرج منه يجب أن تتذكرك الملائكة, والملائكة ليس لديها وقت وقد تنساك 20-25سنة. كتبتُ مقالاً بعنوان ترتيب البيت أولاً ولاحقاً, رتبوا بيتنا, اقتصادنا, أوضاعنا ثم اتجهوا للآخر. . الدولة تحسب حسابي وأنا أرفع من أريد وأحط من أريد , وما يريده حنا مينة أن يكون , يكون , حنا مينة يملك شرف الرجولة. قلنا: بهذا أنت تشبه المتنبي!!فأجاب: المتنبي كان كبيراً يا ابنتي, وتذكر من شعره:‏

ما لنا كلنا جوى يا رسول‏

أنا أهوى وقلبك المتبول‏

زودينا بحسن وجهك مداما‏

فحسن الوجوه حال تحول‏

وصلينا نصلك في هذه الدنيا‏

فإن المقام فيها قليل‏

صحبتني على الفلاة فلاة‏

عادة اللون عندها التبديل‏

نحن أدرى وقد سألنا بنجد‏

أطويل طريقنا أم يطول‏

وأضاف: طويل طريقنا يا ابنتي طويل.‏

وأخيراً نقول:‏

بعض الرجال يستحقون عمراً أطول وجسداً لا يخون.. بوركت جرأتك حنا مينة, بورك قلقك الإبداعي, بوركت الكتابة حين لا تكون سواراً من ذهب بل أقصر الطرق إلى التعاسة الكاملة, كنت وستبقى كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين لأنك آمنت بأن الثقافة فعل تنوير وتغيير, وسيعلو بيتك العالي لأنك المفتون بياسمين دمشق والمغرم المتيم ببردى والحارس المؤتمن على جبل قاسيون, أما البحر فهو أنت, ونحن ندرك أن أمنيتك بانتقال البحر إلى دمشق قد تحققت مذ جعلتها بيتك وحبيبتك.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية