تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الوطن والتحولات ومعايير الانتماء والهوية

شؤون سياسية
الأربعاء 12-6-2013
بقلم: د. أحمد الحاج علي

سوف يبقى مبدأ التحولات هو العنوان الأهم الذي ينتظم واقع الصراع المرير القائم الآن في سورية وعليها والتحولات تتضمن الانجازات عسكرية كانت أم فكرية أم سياسية

ومنطق التحولات حينما نعتنقه ونكتسب درجة فاعلة فيه سوف يكشف فينا ولنا آفاقاً كنا نراها ضيقة ومعطيات كنا نراها إجرائية تدخل في الإيقاع النمطي لأي حراك أو تطور والتحولات ذاتها هي معتقد في المقام الأول، وهي بعد ذلك وعي وانتماء إلى أن تستغرق حياتنا بكاملها فإذا النفس البشرية تتفاعل مع التحولات.‏

وإذا أنماط السلوك في كل مستوياتها تنطبع بطابع التحولات، وإذا النظرة إلى المستقبل باعتبارات اللحظة الراهنة هي أيضاً تأخذ حصتها من منطق التحولات، ولذلك نرى بصورة أساسية أن التحولات هي قصة الوطن فيما بني عليه وفيما يخوضه من معارك كبرى عسكرية وسياسية واجتماعية وهي أيضاً قصة الوطن في افصاح الوطن ذاته عن مصادر الطاقة البشرية وعن وعي قوانين الصراع وأحواله وعن يقين ثابت أن كل ما هو قائم الآن إنما يلخص فكرة استثمار ماهو موجود في حياتنا الوطنية وأن كل مايحدث الآن هو القواعد المؤسسة للمستقبل القادم فالمستقبل لابد أن نمسك به منذ الآن حتى لايبقى هذا المستقبل نهباً لتخبط الاحتمالات وأفقاً للترددات الخافتة أو الصاخبة التي يعيشها عادة من لاحصة له بالتحولات الجارية ولاعلاقة له أصلاً بالتحولات القائمة، إن المدى هنا يبدو شاملاً من جهة ومصيرياً من جهة أخرى.‏

ولذلك مازلنا نعتقد بشراسة ويقين أن منطق التحولات يقوم على قواعده الثلاث المعروفة تاريخياً وعملياً، يقوم على قاعدة الهوية الوطنية والتي تتجاوز حدود الانتماء الجغرافي أو الديمغرافي والتي يدخل في مفاصلها الوعي بما يعنيه من استحضار للتاريخ وبما يطلقه من اشعاعات في ظلمة الواقع الراهن وبما يستطلعه بخيارات عملية متبلورة في المستقبل القريب والبعيد، والهوية الوطنية تقوم على أساس وحدة المشهد في الصراع فالوطن هو الذي يقاتل الآن أو هكذا يجب أن يكون الحال والحكم معاً، وإذا ما استطردنا بهذا المعنى سوف تبرز أمامنا بصورة آخاذة صيغ البطولات ومستويات المواجهة العسكرية في الميدان من خلال أداء قواتنا المسلحة هذه القوى التي انصهرت في الوطن وقد آن الآوان ليصهر الوطن والمواطن فيها لأن التحولات بأصلها تيار وطني حينما تكون حقيقية وهي مشهد شامل متكامل تتنوع فيه المواقع ويتعدد فيه الفعل المؤثر ولكن الوطن والهوية الوطنية وقيمة الانتماء لابد أن تكون عاملاً واحداً، فهناك من يقاتل إلى درجة بذل الروح والدم والتخلي عن الدنيا بكل مباهجها ويصنع لنا التحولات كما حدث بالقصير على سبيل المثال، ولا يعقل بعد ذلك بل لايقبل بعد ذلك أن يكون هناك في تفاصيل الحياة الوطنية في معالمها ومفاصلها من لايزال يدعي الهوية الوطنية كلاماً وشعارات وينأى بنفسه قصداً أو بغير قصد عن موجبات الهوية الوطنية فإذا هو غارق في الدنيا وآلاء الدنيا، وإذا هو مازال في لحظة البحث عن ذاته وتكريس كل معاني ما يحدث الآن لهذه الذات ونحن نرى أن هناك من يحتكر قوت الشعب ويسرق مصادر الحياة عبر رفع الأسعار دون شعور بالتناقض أو الخسة وهناك من لايزال يسحب الوطن إلى ذاته في حين أنه كان عليه أن ينخرط في الوطن ويندمج في لحظة التحولات الخطيرة الآن، ولعل فكرة التحولات بالأساس تفجر فينا ولنا قصة الصراع بين الإنسان والوطن هناك من اختصر الوطن في ذاته وهناك من أطلق ذاته إلى حدود الشهادة والعزوف عن الدنيا بكل مافيها من مغريات وآثام ووجاهات.‏

والتحولات هي الوطن في زمن وعيه لذاته وإنتاج نسق المواجهة للتحديات الخارجية ومايتطلبه ذلك من انخراط ذاتي أو قسري في الحالة الوطنية التي تتبلور الآن وتنتج آفاقاً ومعالم تتناقض مع نزعات مثل الترهل والتردد والذاتية والادعاء والشعارات الفاقعة المفرغة، إن المعركة الكبرى التي يعيشها الوطن السوري ونموذج ميدانها ومستوى قسوتها هو القصير بما يعنيه هذا الدرس وبما جرى هناك بالقصير من قدرة عقلية وجسدية على التنظيم وإدارة المعارك بيقين العقل وسلامة القلب ووضوح الرؤيا وتطابق الحدود بين الوطن والمواطن هذا التحول لايمكن أن يكون مجرد فعل طارىء على مسيرة الوطن أو أنه بقعة ضوء في امتداد الظلام الدامس. إن الأصل والموضوعية والسياق الأخلاقي جميعها تلح على نقاط أربع هي المحاور المؤسسة وهي امتداد الطريق وهي النتائج المتحققة وبعد ذلك هي صياغة مقدمات المستقبل باعتبارات التحولات القائمة الآن أما النقطة الأولى فهي أن الوطن بكامله بتاريخه الذي كان وبتراثه وإرثه بذاكرته الحضارية الحية هو الذي صاغ بعبر وثبات وسمو هذا التحول في القصير وفي كل بقعة من أرض سورية لذا فإن التحول هذا هو ملكية وطنية لأنه صياغة بالدم والنضال وطنية أيضاً.‏

لقد كانت قواتنا المسلحة هي الرسالة وحامل الرسالة في هذا التحول وهذا هو المعنى العميق الذي التقطته القوى الحاقدة والمعتدية في حين أن هناك نماذج وشرائح في الجسد الوطني السوري لاتزال تدور على ذاتها وتكرس بل تكدس معطيات الوطن لهذه الذات العجفاء المنخورة والمتضخمة، نحن نتحدث الآن عن جيشنا المضحي أولاً والمنتصر ثانياً ولكن ذلك هو التقنين الفكري والأخلاقي لكي ندرك بأن هذا الجيش هو شعبنا وأبناء شعبنا وأن المعاني الكبرى التي حركته وحركها هي قيم الوطن وأخلاقيات الوطن وضرورات الوطن وهنا ندرك بأن الاستجابة لمثل هذا الوعي لابد أن يكون طابعها العام هو روح المسؤولية والمقدرة على مراجعة الذات والانخراط في السياق الوطني الذي يعبر عن نفسه الآن في مواجهة الحرب الكونية على سورية وهذه هي النقاط الثلاث التي تكمل قصة النقاط الأربع كما عرضنا لها، إن التاريخ يقدم لنا خلاصات لعل الأبرز والأخطر فيها هو خلاصة تقول إن الأهم من النصر هو الاحتفاظ بالنصر وهذا هو معنى التحول وخلاصة أخرى تقول إن الوطن المنتصر هو الذي يستنهض كل قواه وهذه لحظة عميقة وواسعة لكي يلتحق كل مواطن الآن في موكب المواجهة والشهادة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية