تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


عرض (الدون كيشوت)...معــارك إنسـانيـة لــم تهـدأ مــع الزمــن..

ثقافة
الجمعة 1-5-2009م
آنا عزيز الخضر

شكلت رواية (الدون كيشوت) مادة جذابة لأعمال مسرحية كثيرة، لغناها بالأبعاد النفسية والفلسفية والإنسانية من جهة واكتنازها باللعبة الدرامية المعادلة لها من جهة أخرى،

فعبر احتفالية دمشق كعاصمة للثقافة تم العمل عليها كعرض مسرحي تجريبي من قبل فرقة (كون) الشبابية المسرحية، إذ استثمرت مفردات فنية منحت العرض الكثير من الراهنية، وها هي تعود نفس الرواية عبر عرض جديد ضمن الاستمرارية باحتفالات يوم المسرح العالمي على صالة مسرح الحمراء بدمشق لتبقى قضية بحث (الدون كيشوت) رحلة على ما يبدو أبدية ومستمرة ولن تصل إلى مبتغاها.‏

فالظلم لم ينحسر في الحياة والقسوة باقية، أما اللصوصية تصول وتجول هنا وهناك على مرأى من فارسنا ذاك في العرض وخارجه، وفي نفس الوقت لا يتمكن الإنسان فيه أن يتأقلم مع تلك السلبيات، إذ سيبقى رافضاً لها أبداً، فلا هي تغيرت ولا الإنسان تقبلها، ليعيش في معارك مستمرة وبأشكال مختلفة بدءاً من الزمن الماضي وحتى الوقت الحاضر، فزمن النص المسرحي في القرن السابع عشر، حيث الخراب المتفشي في كل الأماكن، فما كان من (الدون كيشوت) إلا السعي والخلاص بنفسه وقاية لها من الآثام والشرور التي تترعرع في هذا الوسط المقيت والذي يضم ما يضم من التفسخ والانحلال والظلم، وديكتاتورية تحاصر الجميع من كل الجهات، فيتصدى الدون كيشوت لمحاربتها، لكن دون جدوى، فهو يحارب طواحين الهواء، كما يحارب أوهاماً أتت من المخيلة وليس من الواقع، لتكون تلك الطواحين من أبلغ المؤشرات على عبثية معركته، وإن اندفع إليها لتمسكه بمبادئه ومثاليته باحثاً عن قيم الفروسية التي تدحض ذلك الواقع بفساده والذي لاقاه أينما توجه، عند الجباة ورجال الوالي والقوادين، واللصوص، ليعيش في شقاق فظيع مع ذاك الواقع، فمن الصعب على إنسان اطلع عبر قراءته وكتبه على قيم الفروسية القديمة من الشجاعة إلى الإيثار والأخلاق العالية والعبر تقبل الواقع، فهو لن يتصالح معه ومع هذا الدمار الإنساني المستشري لذلك تهيأ لمعركته متسلحاً بجمالية أفعاله ثم انطلق في الآفاق، حارب هنا وهناك ناضل وصبر، لكنه بقي كمن يحارب وهماً بسبب ضراوة معركته تلك، فهي مع مجتمع طاله الفساد بأكمله، فكيف لـ(دون كيشوت) أو خادمه الذي آمن بأفكاره أيضاً وعدالة معركته..أن ينتصرا ورغم ماحصل لهما فإن الهزيمة في وقتها لن تعني أبداً سطحية القضية أو هشاشتها، بل تبقى معلقة تستمر إلى وقتنا الحالي دون أن تحسم.‏

يستكمل العرض المسرحي /الدون كيشوت/ أحداثه مع ذلك الفارس ورحلته عبر ديكور فني جدرانه شفافة، تجسم تناقضاته النفسية وهذيانه بفعل ظرف مجتمعي، لايحتمل ليختلط في دواخله الواقع مع الوهم مترجماً أبعاداً نفسية واجتماعية وسيكولوجية للشخصية ولمسيرة العرض، وقد استطاعت مفردات الديكور استقبال حالته الانفعالية والمسرحية لتكون حاملاً فنياً بحق لايصال أفكار ومبادئ هي بوقف التنفيذ، تعاني التخبط والإحباط والضياع تجاه الزمن البعيد وتجاه الوقت الحاضر، رغم المحاولات الإنسانية الرافضة والمستمرة لتجاوزها.‏

المسرحية: اعداد/طلال نصر الدين/ واخراج/مانويل جيجي/ تمثيل/مصطفى الخاني/ /سوسن أبو عفار/نهال الخطيب//زيد الظريف/ و/فرقة إشارات للرقص/‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية