تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


نقد الشعر العربي . . من نظرية «العمود» إلى «الشعرية»

ملحق ثقافي
24/4/2007م
نذيـــر جعفـــر

عبّر الشعر الجاهلي بتنوّع صوره , وغنى إيقاعه , عن الانسجام والوحدة بين الإنسان والطبيعة , وعن شمولية الظواهر في الواقع بتعدّدها وتمايزها وحركيتها . ولكن بحكم النشأة الشفاهية لهذا الشعر لم يحظ في حينه إلا بنظرات نقدية تأثريّة ـ وهي على أهميتها ـ لا تتعدّى التوصيف وأحكام القيمة غير المعلّلة .

واستمرّت مثل هذه النظرات العابرة إلى الشعر في عصر صدر الإسلام مع التركيز في هذا العصر دون سواه على ربط قيمة الشعر بمدى دفاعه عن الدين وتمثّله لقيمه الجديدة . أمّا في العصر الأموي فقد اتجه النقد بصورة أكبر نحو الجوانب اللغوية والأسلوبية في الشرح والتقويم والمفاضلة بين الشعراء , كما نال موضوع السرقات الشعرية حظّه من الاهتمام . وبمجيء العصر العبّاسي لا تتغيّر البنية السياسية والاجتماعية للدولة الإسلامية فحسب , بل يتغيّر معها نمط الحياة , والسلوك , والعادات , لينعكس كل ذلك على المسار الشعري والثقافي . فأمام الصراع بين القديم والجديد , بين المحافظين على التقاليد الراسخة للقصيدة العربية , والمجدّدين الذين ثاروا على تلك التقاليد كان لا بدّ للنقد على اختلاف توجّهاته من أن يواجه هذه الظواهر الجديدة ويقول كلمته فيها .‏

ولكن بدلا من أن ينصبّ الجهد النقدي على البحث عن أسباب التحوّل في المسار الشعري وربطه بالحركة العامة للتطور التاريخي , والكشف عن خصائصه الفنية والجمالية , راح يتجه في معظمه نحو التقعيد والتنظير للقصيدة العربية عبر البحث في ثنائية اللفظ والمعنى , والطبع والصنعة , والغموض والوضوح , والصدق والكذب , والتقليد والتجديد , وما يتبع ذلك من موضوع السرقات الأدبية , وعلاقة الشعر بالدين , وغير ذلك . وعلى الرغم من تشعّب البحث في هذه القضايا , واختلاف وجهات النظر فيها , وثراء المادة النقدية التي تتناولها , إلا أنها تمخّضت في النهاية عن نظرية “ عمود الشعر “ التي تكرّس النموذج الموروث للقصيدة العربية في مقاييسه الجمالية الدنيا كمثال ينبغي الاحتذاء به والنسج على منواله . وقد تمّت صياغات مختلفة لنظرية “ عمود الشعر “ لعلّ أولّها وأنضجها صياغة الجاحظ ( 160 ـ 255 هـ ) في القرن الثالث الهجري , وتلك الصياغة لم تشر إلى مصطلح “ عمود الشعر “ صراحة , لكنها لم تخرج عن مفهومه ودلالته , وفيها يقول :‏

“ وإنما الشأن في إقامة الوزن , وتخيّر اللفظ , وسهولة المخرج , وكثرة الماء , وفي صحّة الطبع , وجودة السبك , فإن الشعر صناعة وضرب من النسيج , وجنس من التصوير “ ( 1 ) . وتبعتها صياغة كلّ من الآمدي , والقاضي الجرجاني , في القرن الرابع الهجري , الذي شهد ظهور ابن طباطبا , وقدامة بن جعفر , وربّما كان الآمدي أوّل من استخدم مصطلح “ عمود الشعر “ . لكن صياغته له تكشف عن فهم محدود للشعر لا يرقى إلى منزلة فهم الجاحظ , ثم تبلورت تلك الصياغة في صورتها الأخيرة والمتداولة حتى يومنا على يد المرزوقي ( 421 هـ ) في القرن الخامس الهجري الذي بلغ فيه النقد ذروته مع عبد القاهر الجرجاني ( 471 هـ ) ونظريته المتفرّدة في “ النظم والتأليف “ . وعمود الشعر عند المرزوقي يتحدّد بسبعة قوانين هي : 1 ـ شرف المعنى وصحّته . 2 ـ جزالة اللفظ واستقامته . 3 ـ الإصابة في الوصف . 4 ـ المقاربة في التشبيه . 5 ـ التحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن . 6 ـ مناسبة المستعار منه للمستعار له . 7 ـ مشاكلة اللفظ للمعنى وشدّة اقتضائها للقافية حتى لا منافرة بينهما . ( 2 ) . تلك القوانين الصارمة هي ( عمود الشعر ) أي قوامه وأساسه , ومعاييره الجمالية التي اتفق عليها معظم النقّاد في تقويمه والحكم عليه . ومن المهّم أن نبدي الملاحظات التالية حول نظرية “ عمود الشعر العربي “ : ـ هذه القوانين التي تواضع عليها النقّاد لا تنظر إلى الشعر من خلال تنوّعه , وتمايز تجاربه , وتعدّد اتجاهاته . بل من خلال وحدة هويته الشكلية التي تتجلّى في عروض الخليل فحسب . ـ الشعر الجاهلي بظواهره الفنية والجمالية أغنى وأعقد من أن يختزل إلى هذه القوانين , لأنه شعر قائم على وحدة التجربة الذاتية وتفرّدها شكلا ومحتوى , ولكل شاعر عالمه ولغته وطريقة تعبيره , وما يقال عن تشابه التجارب في ذلك الشعر , أو عن قيام بنيته على وحدة البيت فحسب , وليس على الوحدة الموضوعية والنفسية , ما هو إلا قصور فاضح في الاستقراء والاستنتاج . ـ القانونان الرابع والسادس في “ عمود الشعر “ أي “ المقاربة في التشبيه “ و “مناسبة المستعار منه للمستعار له “ يتنافيان مع طبيعة الشعر القائمة على الابتكار والإدهاش وطاقة التغيير عبر الصور والدلالات الجديدة . وقد انتبه عبد القاهر الجرجاني إلى ذلك , فقال : “ التشبيهات بقدر ما تباعد بين الشيئين تكون إلى النفوس أعجب “ . ( 3 ) ـ هذه الصياغة لعمود الشعر لا تعبّر بدقّة عمّا وصل إليه النقد في ذلك العصر , لأنها تتجاهل كثيرا من النظرات النقدية الثاقبة في طبيعة العمل الشعري , منها ـ على سبيل المثال ـ ما قاله ابن سينا في أن الشعر “ محاكاة وتخييل “ ( 4 ) . وما قاله أبو هلال العسكري في أحقية الشعر بأن تكون “ ألفاظه كالوحي , ومعانيه كالسحر “ ( 5 ) . وما قاله قدامة من أن الصدق ليس هو العنصر الهام في الشعر وإنما التخييل . ومّما يلفت الانتباه حقا أن كلا من “ جاكبسون “ و “ تودوروف “ وهما من أعلام النقّاد البنيويين في عصرنا يشيران إلى عنصري “ المحاكاة “ و “ التخييل “ في الأدب عامة , فيقول “ تودوروف “ : “ أما عن الأدب فهو “ محاكاة “ بوساطة اللغة , كما أن الرسم محاكاة بوساطة الصورة , وإذا خصّصنا فيمكننا أن نقول إنه ليس أي محاكاة كانت , وذلك لأننا لا نقلّد بالضرورة الواقع , ولكن نقلّد كائنات وأفعالا ليس لها وجود , ولهذا فإن الأدب تخييـل , وهذا هو تعريفه البنيوي الأوّل “ . (6 ) . ـ لا نميل إلى ربط نظرية “ عمود الشعر “ بتأثير أرسطو , وإن كنّا نلمح هذا التأثير في بعض الكتابات اللاحقة , وهو تأثير لا يتعدّى صياغة بعض المصطلحات . لقد ظل “ عمود الشعر “ المعيار الجمالي السائد طوال قرون عدة , وما حركة الإحياء في بداية القرن العشرين التي كان من أعلامها البارودي , وشوقي , وحافظ , إلا تنويعا جديدا على ذلك الوتر القديم . ولعل أول ثورة على “ عمود الشعر “ في عصرنا قد بدأت مع جبران خليل جبران ( 1882 ـ 1931 ) الذي كتب في إحدى رسائله إلى ماري هاسكل : “ أؤمن يا ماري , أن المستقبل لن يكون متنكّرا لعملي . سيتعذّر عليّ إثارة اهتمام أولئك الذين يعبدون الآلهة القدامى , ويتبعون الأفكار القديمة , ويعيشون برغبات قديمة “ . (7) . لقد كان جبران بوعيه الرومانتيكي يحدس بالتغيّرات الجذرية التي ستعصف بجملة المفاهيم والأسس التي شكّلت معايير ثابتة للشعر بدءا من القرن الثالث الهجري وحتى مطلع القرن العشرين . فمعه بدأت أولى الإرهاصات ـ كما يشير محمد جمال باروت ـ في تأسيس كتابة جديدة ووعي جديد بتلك الكتابة , كتابة لا تتوقف عند تجاوز الموروث بل تصل في آخر تجلياتها عبر قصيدة النثر إلى حد القطيعة المعرفية والجمالية مع ذلك الموروث . هذه المغامرة في حقل الشعر ونظريته تزامنت مع بداية تفكك النظام الإقطاعي وصعود البورجوازية المتنورة عبر احتكاكها بالغرب وتعكس كل من مجلات “ الهلال “ و” المقتطف “ و” أبوللو “ في الثلاثينيات آفاق هذا المشروع التحديثي في مصر الذي بدأه جبران ونعيمة في المهجر. (8). والنقلة الثانية في مشروع الحداثة بدأت مع نهوض البورجوازية الصغيرة وتسلمها زمام المبادرة التاريخية في الستينيات , وقد عكست مجلتا “ شعر “و” الآداب “ ملامح هذا المشروع على اختلاف أطيافه , عبر احتضانهما لشعر الماغوط والسيّاب والبيّاتي وحاوي وسواهم . لقد قادت الأنتلجنسيا الليبرالية في حركة “ مجلة شعر “ أعنف صراع ـ على حدّ تعبير جمال باروت ـ في خضم مشروعها التحديثي بدءا من البيان الشعري ليوسف الخال , ومرورا بديوان “ لن “ لأنسي الحاج , وانتهاء بجهود أدونيس المتلازمة شعرا ونقدا . وقد تأثّرت هذه الحركة بالنموذج الغربي تأثرا بالغا في مجال الشعر ونقده , ومن هنا بدأ عدد من المصطلحات يتسلل إلى الكتابة النقدية استجابة لهذه التغيّـرات , مثل : قصيدة النثر “ و” الشعرية “ و “ البنية الدلالية “ و” الإيقاع الداخلي “ , وذلك إثر الاطلاع على كتابات سارة برنار , وأعمال فريق مجلة : “ تيل كيل “ . وبدأ مصطلح “ الشعرية “ في الثمانينيات يتصدّر عناوين بعض الكتب إثر قراءة جاكبسون , وجينيت , وتودوروف , وكريستيفا , وغيرهم . فظهر كتاب أدونيس “ الشعرية العربية “ , وكتاب كمال أبو ديب “ في الشعرية “ , وهما من الكتب الرائدة في هذا المجال . كما درج مصطلح “ الخطاب الشعري “ جنبا إلى جنب مع “ الشعرية “ ويعدّ كتاب “ تحليل الخطاب الشعري “ لمحمد مفتاح القطرة الأولى في هذا الغيث , أما كتابا : “ حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر “ لكمال خير بك , و “ الحداثة الأولى “ لمحمد جمال باروت , فهما من أولى المحاولات الرائدة والجادة في تأريخ الحداثة واتجاهاتها الفنية . المصادر والمراجع : 1 ـ الجاحظ : الحيوان ـ تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ط 1 مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ـ ج 3 ص 131 ـ 132 . 2 ـ شرح ديوان الحماسة لأبي علي أحمد بن محمد الحسن المرزوقي ـ نشره أحمد أمين ـ عبد السلام هارون ـ ط 1 ـ القاهرة 1951 ـ ص 9 . 3 ـ الجرجاني , عبد القهر : أسرار البلاغة ـ شرح وتعليق وتحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي ـ د . عبد العزيز شرف ط 1 دار الجيل ـ بيروت 1986 ص 412 . 4 ـ للتوسّع : عبّاس , د . إحسان : تاريخ النقد الأدبي عند العرب ـ ط 5 دار الثقافة ـ بيروت 1986 ص 412 . 5 ـ أبو هلال العسكري في شرحه لديوان أبي محجن الثقفي . 6 ـ تودوروف , مفهوم الأدب ـ ترجمة د. منذر عياشي ـ ط1 ـ النادي الأدبي الثقافي بجدة 1990 ص 39 ـ 40 . 7 ـ نبيّ الحبيب ( رسائل الحب ببين ماري هاسكل وجبران ) جمعتها فيرجينا حلو وترجمها الأب لوران فارس ـ الأهلية للنشر والتوزيع ـ بيرون 1974 ج 1 ـ ص 131 . 8 ـ باروت , محمد جمال : الحداثة الأولى ـ ط 1 ـ اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ـ دبي 1991 ص 184 .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية