|
إيقاعات الزمن الحزين بألوان شاحبة.. ثقافة تتفاعل وتثير ردود فعل عنيفة ومتناقضة في أكثر الأحيان. فالبعض دافع وبقوة عن تعريها أمام الجمهور واتهم العرب بالتخلف والجاهلية وعدم قدرتهم على التحرر والتطور والنظر الى المسألة على أنها تعبر في جوهرها, لا في سطحها, عن مواقفها الرافضة والساخطة للحرب على العراق وفلسطين. وفي مقابل دفاع البعض عن حريتها في التعبير عن مواقفها الرافضة للحروب العبثية المشتعلة في المنطقة العربية, برزت العديد من المواقف على صفحات الجرائد وشاشات الانترنت, وكلها نظرت الى المسألة من منطلق التعاطف الكامل مع العادات والتقاليد العربية. لا ننكر الهدف النبيل الذي تعرت من أجله فنانة تشكيلية عربية, لكننا نأخذ عليها مجاهرتها بإطلالة جسدها في خطوات تعبيرها عن مواقفها الرافضة لكارثة انسانية يعيشها العالم العربي في الأزمنة الراهنة, ذلك لأن تعريها لم يؤثر لا سلباً ولا إيجاباً على مسار الأحداث المأساوية التي نعيش فصولها المرعبة في كل لحظة وبشكل يومي. وإذا كانت كل التظاهرات الشهيرة التي شهدتها المدن العالمية الكبرى ضد قرار الحرب على العراق, لم تستطع تحريك مشاعر (جورج بوش) و (طوني بلير) فهل يمكن أن يحرك تعري فنانة عربية, المشاعر الانسانية الأكثر قساوة, في صياغة تلافيف الجرح اليومي لجنون الحروب المشحونة بالدمار والأشلاء والتوتر والقصف والتفجير العشوائي. منذ قراءة خبر تعري هالة وأنا أبحث عن فسحة جديدة للكتابة عن المسألة في إطار معطيات بحوثها التشكيلية التي قدمتها في مراحل سابقة, للكشف عن الروافد الأولى التي شكلت مظهر تعريها إثر سفرها الى أميركا, وذلك للإحاطة بجوانب هواجسها الفنية والحياتية معاً. فالباحث عن مراحل فن هالة, يجدها قد جسدت المرأة العارية بوضوح تام, في العديد من لوحاتها, وفي مقال نشرته عنها في العدد 103 من مجلة فنون الصادر بتاريخ 19/7/1993 قلت: بأن هالة تسعى في مجمل معارضها لاستلهام مواقف تشكيلية جريئة على صعيد معالجة المرأة العارية وأضفت: بأنها ترسم نفسها في جميع لوحاتها, وهذه إشارة غير مباشرة الى أنها رسمت نفسها وهي عارية مرات عديدة, قبل أن تتعرى بسنوات طويلة. وكانت كما عرفتها متمردة لا تتأخر في التعبير عن مواقفها الساخطة والرافضة تجاه العديد من الأفكار السائدة. فالتمرد على السائد والمألوف يشكل في فن وحياة هالة محطة انطلاق نحو المجاهرة بحرية المرأة. فهي صريحة ومزاجية وعفوية لا تنفصل لوحاتها عن وتيرة حياتها ومواقفها وحريتها التعبيرية. لذا لم تصدمني منذ البداية في خروجها عن المألوف الاجتماعي حين تعرت وسط ساحة عامة في واشنطن. وفي الواقع لا يعنينا ان اعتقدت هالة الفيصل أن تعريها سيغير من مسار الأحداث الدامية في العراق وفلسطين, لأننا نعرف جيداً أنها ستظل نائمة في رؤى أحلامها وأفكارها ومواقفها واختراعاتها للأوهام كبدائل لم تمنحنا أية فسحة من التفاؤل, وبالتالي لم تبعد عنا همجية الحروب الراهنة وتداعياتها المرشحة للانتقال الى أماكن أخرى تتجاوز حدود العراق وفلسطين. لا ننكر موهبة هالة في مجال صياغة اللوحة الحديثة الأكثر جرأة في التعبير عن عالم المرأة العارية المجسدة في تنويعات تجاربها المتتابعة في التسعينات. فالعري يمكن أن يتحول في لوحاتها وحياتها من رمز يدين الحروب الى رمز للأرض المقهورة والمستباحة, وهذه ناحية قد تفرضها وبقوة تداعيات المرحلة الراهنة المثقلة بإيقاعات زمن حزين يلفه اللون الشاحب والباهت والقاتم الى درجة السواد.
|
|||||||||||||||||||||