فالغزو الأحمق لهذا البلد المنكوب,أصبح مأساة قومية أميركية أو سبباً لكارثة اقتصادية مازالت تتفاعل وتتضخم لتشكل عبئاً لايحتمل على الاقتصاد الأميركي, وكما أكد مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجنسكي فإنها, أي الحرب شكلت نكسة عالمية لأميركا, مشيراً إلى أن إنهاءها يعتبر من أعلى المصالح القومية الأميركية.
إذا كان الحال كذلك, فلماذا تصر إدارة بوش على المضي في مغامرتها المجنونة في العراق, فقد تبنى الجنرال بيترايوس والسفير كروكر في تقريرهما نهج رئيسهما بوش وأصرا على تأجيل الانسحابات التي بدأتها القوات الأميركية, وقد رفض بوش الصيف الماضي البدء بسحب قواته بحجة »العنف« واليوم يرفض بحجة أخرى, وهي أن الأمن متوفر على حد زعمه ويخشى من انفلاته!
ويبدو واضحاً أن الصراع العلني بين الديمقراطيين والجمهوريين يحمل دلالات كبيرة, فالجمهوريون يدلون بحججهم ويؤكدون أن انسحاباً من العراق سيكرر ماحدث في فيتنام بعد الانسحاب الأميركي عام ,1975 فقد توحد شطرا فيتنام تحت الحكم الشيوعي وربح القطبان السوفييتي والصيني الجولة أثناء الحرب الباردة آنذاك. إنها لحجة واهية, فقد استخدمت واشنطن آنذاك كل قوتها ووسعت الحرب لتشمل الهند الصينية / لاووس وكمبوديا /إضافة لفيتنام. ولكنها أقرت أخيراً بفشلها بعد أن دمرت بلداً وقتلت الملايين فيه.
لكن ذرائع الجمهوريين لاتصمد أمام الواقع, فما الفوائد التي جنتها أميركا من غزو العراق, وهل »المخاطر« على الولايات المتحدة هي أقل مما كانت قبل الحرب, وهل ال 3 تريليون دولار وهي تكلفة الحرب تستطيع الإدارات المقبلة تعويضها من نفط العراق والمنطقة. وهل النكسة الاستراتيجية الأميركية يمكن تجاوزها دون الانسحاب من العراق?!
أسئلة كثيرة لاتجد إدارة بوش لها جواباً منطقياً واحداً لاستمرار حربها المدمرة ضد العراق وشعبه. إنها » الفخ الاستراتيجي « كما يصفها أحد المحللين أو فيها لايستطيع المرء أن يربح المعركة ولا أن يخسرها, لا أن يبقى ولا أن ينسحب, فهو يتأرجح دوماً بين الهجوم والدفاع, بين الاندفاع والتقوقع, لكن الأمر ببساطة لايعني زمرة المحافظين الجدد ورجال المال والمافيات المتسلطة ومعظمهم من الصهاينة المؤيدين لاسرائيل ومن المتصهينين الذين يقدمون مصالح تل أبيب على مصالح بلادهم.
وبحسب الكاتب الفرنسي فرانسوا ميسان مؤلف كتاب » شبكة كارلايل ..ممول الحروب الأميركية « فإنها, أي هذه الشبكة تضم النخبة الأميركية من مديرين عامين لشركات تصنيع السلاح, ومسؤولين لشركات المرتزقة وشخصيات من وزارة الدفاع. ولاننسى محامي ومستشاري الرئيس بوش, إنها ناد يضم مسؤولين سياسيين وعسكريين, يمتازون كما يقول المؤلف: » بشراهتهم للحصول على أكبر المكاسب في أقصر الآجال. اختاروا أقصر طريق, وأفضل المصادر, النفط وتجارة السلاح «. همهم إذكاء الحروب ليكدسوا أرباحاً خيالية, أما عن المؤسسين فيورد أسماء أربعة تدل هويتهم على علاقاتهم الواضحة بالصهيونية المالية والسياسية وهم كما يورد ميسان ستيفن نوريس وديفيد روبنشتاين ودان دانيللو ووليام كونواي.
لقد التقوا في فندق » كارلايل « الشهير في نيويورك واختاروه عنواناً لهم وأصبح لشبكتهم موقع متقدم بين المؤسسات الخمس الأولى في عالم المال والاستثمار في نيويورك. وحدث هذا كله في أقل من عام, علماً أنهم وحدوا قدراتهم عام .1987
وهم لايعرفون حداً ولاحدوداً لنشاطاتهم من بيع السلاح إلى بيع الشقق الفاخرة ومن شبكات الاتصال إلى خطوط أنابيب النفط, يقول ميسان: » زبائن الشبكة متنوعون من البنتاغون إلى سيؤول , وهي تحتل مركز القرار السياسي الأميركي منذ 11 أيلول عام ,2000 وتتوسع علاقاتها بدءاً من رحيل هاليير تون ديك تشيني الذي كان وزيراً للدفاع وأصبح نائباً للرئيس إلى آل بوش القاطنين في البيت الأبيض. إنها تخطط للحروب لتجني الأرباح. رجالها منتشرون في مفاصل الإدارة الحالية.
لكن هل من مزيد? نعم, فرغم أن الكساد والانهيار الاقتصادي يكاد يضرب أركان الامبراطورية الأميركية المنفلتة كما يعبر عن حالة أميركا اليوم المؤرخ البريطاني اريك هوبسيوم. نقول رغم ذلك فمازالت كارلايل تسيطر على مقدرات القرار الأميركي, فالحرب ضد العراق مستمرة وكذلك ضد أفغانستان, والأساطيل الأميركية تتحرك وهي تتعزز بالأسلحة والجنود لتهدد مناطق ودولاً أخرى, والهدف هو إرضاء جشع مافيات المال التي لاتشبع ولو أدى الأمر إلى كارثة تصيب أميركا نفسها قبل بقية العالم.
يوماً ما حذر الرئيس ايزنهاور من حصول المجمع العسكري الصناعي على نفوذ واسع وغير مشروع في أميركا, وهذا ماحصل فعلاً, فرجال البنتاغون أصبحوا أدوات للأذرع الاخطبوطية لشبكات المال مثل » كارلايل « التي تهدف إلى إرضاء وبالتالي تقاسم الغنائم مع مصانع الأسلحة والصناعات البترولية وتجمعات صناع القرار.
فهل ننتظر إفلاس وانهيار امبراطورية تحكمها عصابات المال والتي تعتقد أن نجاتها تكون في إشعال الحروب باستمرار. أم أن التاريخ سيقول كلمته أخيراً كما قالها مرات عديدة, وسيعلن على الملأ إفلاس امبراطورية اعتمدت على المافيات المالية في قراراتها الاستراتيجية.