تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


السخرية في الشعر العربي

ملحق ثقافي
19/4/2011
فوّاز حجّو:يُعدّ الشعر الساخر قليلاً نسبياً في شعرنا العربي، قديمه وحديثه، وهذا ما انعكس على الدراسات الأدبية التي تناولت هذا الشعر،

وإذا عدنا على دواوين الشعر العربي على كثرتها نلمس ندرة الشعر الساخر فيها، وبالمقابل إذا عدنا إلى المكتبة، وما فيها من كتب أدبية عن الشعر الساخر نجدها هي الأخرى تشكو من ندرة الكتب التي عنيت بالشعر الساخر، ولولا وجود كتاب «السخرية في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري» للدكتور نعمان محمد أمين طه، الذي صدر في مصر عام 1978م، لوجدنا صعوبة بالغة في العثور على كتاب خاص بالشعر الساخر، مع العلم بأن كتاب «السخرية في الأدب العربي»، يشمل الشعر والنثر، وأن هذا الكتاب مقيَّد بزمنٍ محدّد لا يتجاوزه، هو نهاية القرن الرابع الهجري.‏‏

وإن الموضوعية تقتضي أن نذكر كتابين سابقين عن الأدب الساخر، وإن كانا بعنوانين لهما علاقة بالفكاهة والضحك، هما: كتاب «الفكاهة في الأدب.. أصولها وأنواعها» للدكتور أحمد محمد الحوفي الذي صدر في مصر سنة 1956م، وأعيد طبعه سنة 1966م، وكتاب «أدبنا الضاحك» لعبد الغني العطري الذي صدر في بيروت سنة 1970م، وأعيد طبعه في دمشق سنة 1992م.‏‏

‏‏

ومن هنا جاءت الحاجة الماسّة لمتابعة البحث في الشعر العربي الساخر على امتداد العصور، وصولاً إلى العصر الحديث، وأظنُّ أن كتاب «هكذا يسخر الشعراء.. دراسة عامة عن الشعر الساخر من الجاهلي إلى اليوم» للباحث عبد القادر حمّود الصادر عن دار نون4 بحلب، قد قام بهذه المهمة، وسدَّ ثغرةً كبيرةً في المكتبة العربية، وما زلنا بحاجة على دراسات أخرى تقوم بمهام جديدة في دراسة هذه الظاهرة، والبحث في جوانبها الأدبية، مع ربطها بحركة الحياة، وتطوّر المجتمع، وبنفسية الشعراء، للوصول إلى دراسات معمَّقة في هذا الشأن.‏‏

ولعل أهم ما يمكن أن يعالَج في ظاهرة السخرية في شعرنا العربي هو رصد تطوّر هذه الظاهرة من الماضي على الحاضر، ورصد خصائص شعر السخرية قديماً وحديثاً، وبالتالي متابعة ما استجدَّ على شعر السخرية في العصر الحديث قياساً لهذا الشعر في تراثنا الشعري العربي.‏‏

ولا شكَّ في أننا بحاجة ماسة إلى معايير دقيقة تميّز شعر السخرية الجادّ من الشعر الذي يتوسّل بالسخرية بطريقة اعتباطية لا تخلو من التهريج.‏‏

وبما أن شعر السخرية في العصر الحديث أخذ بعداً جديداً يتعلّق بتطوّر الأدب وغائيته، فإن الشعر الساخر أكثر ما توجّه إلى النقد الاجتماعي والسياسي، وتعرية الظواهر السلبية في واقعنا العربي، وقد تصل هذه التعرية إلى درجة الفضح، ومن هنا تحوّلَ شعر السخرية، فيما تحوّل، إلى سلاح فعّال لمواجهة الفساد في مجتمعنا وحياتنا التي استفحلت فيها ظاهرة الفساد.‏‏

وقد التقى الشعر الساخر الجادّ والهادف مع فنّ الكاريكاتير، وأفادَ من هذا الفنّ، كما أفادَ فنّ الكاريكاتير من الشعر الساخر، ومن خلال الربط بين هذا الشعر وذاك الفنّ، استطاع الشعر الساخر المعاصر أن يفعل فعله في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وأن ينهض شعر السخرية بمهمة النقد والتعرية والفضح، وأن يقوم بدور فعّال، وينجح في هذا الدور، وهناك عدد من الشعراء المعاصرين لا يستهان بهم، نجحوا نجاحاً كبيراً في تناول الحياة السياسية بشكل خاص بالنقد والتعرية، وعالجوها بطريقة ساخرة وجريئة، وكانت قصائدهم أشبه بالسياط الملتهبة التي لجأ إليها الشعراء كعلاجٍ مؤلمٍ أشد الإيلام يذكرنا باللجوء إلى الكي لمعالجة بعض الأمراض المستعصية.‏‏

وإذا كان شعرنا القديم يتّهمُ بأنّه فقير في الشعر الاجتماعي، وهذا الاتهام ترافق مع تعاظم شعر الواقعية بأنواعها، فإن شعر السخرية يندرج بشكل أو بآخر ضمن الشعر الاجتماعي، لأنّ السخرية فيه كانت اجتماعية أكثر منها سياسية، وعلى هذا الأساس فإنَّ البحث والتنقيب في شعر السخرية هو بحث في صميم الشعر الاجتماعي، الذي زُعم بأنّ شعرنا العربي القديم فقير بالجانب الاجتماعي إذا ما قيس على الجانب الذاتي.‏‏

وما أكثر الاتهامات التي وجّهت إلى شعرنا العربي، ونكتفي بذكر ذلك الاتهام الذي أشار إليه الحوفي في كتابه «الفكاهة في الأدب.. أصولها وأنواعها»: «أعجب حينما أسمع الناس يتجنّون على أدبنا العربي، فيتهمونه بالعبوس والجهامة، ويزداد عجبي إذ أقرأ هذه الدعوى يردّدها بعض الدارسين، مستدلين بأن اللغة العربية لا تحتوي إلا على قلة من الكلمات الدالة على الضحك والسرور والطلاقة، وبأن الشعر والنثر القديمين خاليان من الصور الفكهة والنوادر المستملحة. وهؤلاء وأولئك واهمون متجنون على اللغة والأدب، لأن مدح العرب للضحك، وهشاشة عظمائهم للإضحاك، وحفاوة المؤلفين بالفكاهة كفيلة بنقض الاتهام الجائر..... والحقّ أنَّ اتهام اللغة العربية بالكلوح، واتهام أدبها بالجهومة، راجع إلى الجهل باللغة والأدب، أو إلى تعصب على العرب وتحامل على لغة العرب.» ص34.‏‏

وإذا عدنا إلى كتاب الأستاذ عبد القادر حمّود وجدنا مؤلفه يربط الحاضر بالماضي، ويتابع ظاهرة السخرية في شعرنا العربي منذ أقدم العصور إلى وقتنا الراهن، وهذا ما يجعلنا نواكب مسيرة هذه الظاهرة الشعرية، ونضع أيدينا على تطورها عبر العصور، وهذا ما يسجّل للكتاب ولمؤلفه.‏‏

والجدير بالذكر أنَّ مؤلف الكتاب اتخذ مرجعية واسعة الطيف من دواوين الشعراء أولاً، ومن الدراسات التي تناولت ظاهرة الشعر الساخر عبر تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه، ولم يدّعِ مؤلفه أنَّه يحرث في حقل بكر، وفي هذا احترام لجهود الباحثين، ومحاولة للبناء عليها، وإنَّ ما بناه المؤلف في هذا الصرح يستحقّ منا كل الاحترام.‏‏

ولا شكَّ في أنّ مؤلف الكتاب أفادَ من مناهجَ نقديّة متعدّدة، ولم يتقيّد بمنهج محدَّد، ويبدو أنّ هذا الإجراء النقدي يرتاح إليه أكثر من غيره، فتارةً يعتمدُ على المنهج الوصفي، وتارة أخرى يعتمد المنهج التحليلي، ومن ثمَّ يلجأ إلى الاستنتاج، للوصول إلى نتائجَ محدَّدة من دراسة هذه الظاهرة، ولا نعدم في منهجه النقدي وجود أحكام قيمة هنا أو هناك، وهذه الأحكام النقدية منها ما هو منسوب إلى باحثين آخرين عرض المؤلف لبعض مواقفهم من شعر السخرية، ومنها ما هو لمؤلف الكتاب، وذلك فيما يخصّ تلك النماذج الشعرية التي يعرض لها المؤلّف لأوّل مرّة، ويتناولها بالدراسة وتسليط الضوء عليها.‏‏

وإذا اقتربنا أكثر من الكتاب وجدناه لا يقتصر على دراسة ظاهرة السخرية في الشعر كما هي في مناهج نقد الشعر، وإنما يوسّع دائرة البحث ليتناول شعر السخرية، كما تناولته الدراسات النقدية التي تناولت أدب السخرية بشكلٍ عام، وهذا يعني أنَّ أدب السخرية على اختلاف الأجناس الأدبية التي كتب فيها يتصف بالشمولية، ولذلك أفاد منه المؤلف في كتابه.‏‏

وإذا استعرضنا الكتاب وجدناه في تناوله لظاهرة السخرية يبدأ من مفهوم السخرية في اللغة، ويفرد له صفحة، والمعتاد لدى الباحثين أن ينتقلوا من المفهوم اللغوي للظاهرة إلى المفهوم الاصطلاحي، وهذا ما لم نجده على نحو تتابعي، في حين نجد المفهوم الاصطلاحي للسخرية يردُ بعدَ ذلكَ في ثنايا الكتاب، وكنت أودّ أن يتناول في مفهوم السخرية في اللغة ما وردّ عن هذا المفهوم في القرآن الكريم، الذي عرض للسخرية على نحوٍ ملحوظ، إلى درجة أن بعض الباحثين كتب كتاباً عن ظاهرة السخرية في القرآن الكريم، وكذلك نجد المؤلّف يتحدّث عن دوافع السخرية، ويفرد لها صفحة لتبيان هذه الدوافع، ومع ذلك يعود ثانيةً ليتحدّث تحت عنوان «ما الذي يجعلنا ساخرين؟» حديثاً لا يبتعد كثيراً عن دوافع السخرية، وكان يمكن له أن يضم هذا العنوان إلى دوافع السخرية ويوحّد بين العنوانين. وأثناء حديثه عن السخرية وفنّ الهجاء في الشعر العربي، يعود المؤلف إلى شعر الهجاء الذي ظهر منذ العصر الجاهلي، ويرى من خلاله أقدم نموذج للسخرية في شعرنا العربي، وإذا كان الإسلام من منطلق أخلاقي قد نهى عن السخرية التي تحطّ من شأن الإنسان، ومن ثمَّ نهى عن الهجاء الذي يورث الأحقاد بين الناس، فإن السخرية في شعر صدر الإسلام خبت قليلاً، وما لبثتْ أن تأجّجت نارها مع ظهور فنّ النقائض الشعرية التي اتسعت دائرتها على أيدي أبرز شعراء العصر الأموي وهم: جرير والفرزدق والأخطل، ومن خلال النقائض تطوّر فنّ الهجاء.‏‏

وفي معرض الحديث عن السخرية في الشعر العربي لا يفوت المؤلف أن يتحدّث عن التهكّم بوصفه شكلاً من أشكال السخرية، وتحتَ عنوان «من التهكم إلى السخرية المطلقة» يحاول المؤلف أن يفرّق بين التهكّم والسخرية، ويشير إلى خصوصية التهكّم، باعتبار التهكّم درجة أخفّ من السخرية المطلقة، ثمَّ يقدّم لنا صوراً مبكرةً للتهكم ويبدأ بالحديث عن أبي نواس، ومن ثم أبن الرومي، مروراً بالبحتري، ووصولاً إلى المتنبي الذي وجد في شعره أقسى صور التهكّم، وهنا أجد الباحث وقع في إشكالية ليس من السهولة حلّها بمكان، ففي ذكره لخصوصية التهكّم يصفه بأنه أخف من السخرية، فكيف أصبح التهكّم لدى المتنبي في أقسى صوره، أليست هذه الصور القاسية في شعر المتنبي أدخل في السخرية منها في التهكم.‏‏

ومن العناوين اللافتة في الكتاب عنوان «شر البلية»، وهو عنوان شائع لما يثير الضحك من المواقف التي تكون على نقيض الضحك، ومن خلال إشكالية هذه المواقف، وما فيها من حالات اجتماعية وسياسية، تجعل الموقف ينتقل من النقيض إلى النقيض، ولهذا وجدنا لديه مثل هذا العنوان: «ضحك كالبكاء.. الضحكة المرة»، وفي مثل هذه المواقف تأخذ السخرية شكلاً من أشكال الأسف والندم وغير ذلك، وأظنُّ أنَّ الفصل اللاحق الذي جاء بعنوان «السخرية السوداء.. من الاجتماعي إلى السياسي»، لا يبتعد كثيراً عما يعرف بـ»شر البلية»، فهذه السخرية السوداء هي الأخرى من «شر البلية»، ولا نستطيع أن نعرض لكلِّّّّّّّّّ ما جاء في هذا الفصل المهم، ونكتفي بالإشارة إلى ذلك العنوان الجزئي وهو: «السخرية أدب فضائحي»، الذي كان عنواناً دالاً، وقد عالجه المؤلف معالجة رصينة، ويُحمد للمؤلف وقوفه مطولاً مع الشاعر عبد الله البردوني الذي وصفه بقوله: «يلهب الظهور بسياطه»، فهذا الشاعر الساخر بامتياز يعدّ علامة بارزة في شعرنا العربي الساخر، وكذلك وقوفه مع الشاعر أحمد مطر الذي وصفه بما وصف البردوني بقوله: «وسياط أخرى للسخرية»، ومن خلال النماذج التي قدَّمها لهذين الشاعرين تكتمل الصورة التي أراد المؤلف أن يرسمها للسخرية السوداء في شعرنا.‏‏

وإذا انتقلنا إلى الفصل الخامس، نجد الباحث يتناول السخرية بوصفها سلاحاً يمكن أن يستخدمه الشاعر في الهجوم والدفاع على حدٍّ سواء، ويبدأ بالحديث عن هذا السلاح واستخدامه للدفاع عن المواقف والآراء الاجتماعية والوطنية، ثمَّ للدفاع عن المواقف والآراء الأدبية، وذلك من خلال نماذج شعرية من تراثنا العربي أولاً، ومن خلال نماذج شعرية معاصرة. ومن الوجه الأسود إلى الوجه الأبيض للسخرية، ينتقل المؤلف للحديث عن سخريات الظرفاء والمتظارفين، ويرى الباحث أن الوجه الأبيض للسخرية يتجلى في ذلك الشعر الذي يتّجه إلى «الضحك من أجل الضحك» كما يتجلى في الفكاهة التي يلجأ إليها الشعراء «للتخلص من المواقف الحرجة»، ثم يتحدث عن «شعر التحامق» و»الشعر الحلمنتيشي» بوصفهما نموذجين للسخرية البيضاء. ويختم المؤلف كتابه بالفصل السابع الذي خصصه للتندّر، ومن أين يبدأ، ويراه يبدأ بالنفس ومن ثم ينتقل إلى التندر بالآخرين، ولا يقتصر على الناس، بل يأخذ بالتندر بالحيوانات والحشرات، ولا يفوت المؤلف أن يقدّم نماذج شعرية لهذا التندر.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية