تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


غربة شعر و فروسية شاعر ( إنسان رقيق و شاعر متمرد)

ملحق ثقافي
23/6/2009م
مصطفى الولي

يسأل المهتمون بالشعر, ومحبو الشاعر مظفر النواب, عن دواوينه الشعرية وأعماله، فيفاجأون حين يعلمون أنها مطوية في الأدراج, بين أوراق وملفات مظفر.

والأمر الأكثر غرابة أن ما نشر له من أعمال, وهي محدودة )الريل وحمد- وتريات ليلية – وربما قصيدة ثالثة( كان بمبادرة من محبي شعره وتجربته. ولعل ذلك حرم القارئ المهتم, ليس من الاطلاع على قصائده مكتوبة ومطبوعة, بل أيضاً ترك النقاد دون وثيقة مكتوبة يتعاملون معها نقدياً. ويفسر ذلك ندرة التناولات البحثية والنقدية لشعر مظفر بلونيه: الشعبي والفصيح.‏

ولطالما بحث أصدقاؤه هذه المشكلة معه, فكان يعد بجمع أوراقه, وإعادة كتابة ما ألقاه على المنابر من قصائد, ودفعها إلى الطباعة. لكنه حتى الآن لم يفعل. ولقد كنت واحداً من هؤلاء الذين حاولوا إقناعه بضرورة القيام بهذه المهمة, مع إبداء الاستعداد للانكباب على مراجعة الأوراق, وكذلك تفريغ الكاسيتات كتابة, وضبطها بالتشاور معه.‏

ومن نافل القول أن أعماله ستلقى تنافسا من دور النشر على الفوز باحتكار نشرها, ولو أنه من المهتمين بجمع الثروة المادية, كانت ستوفر له كل ما يطلبه من حقوق وهو لم يفعل ذلك. ومع الأسف بقي الجيل الجديد جاهلاً بشعر مظفر, وأما الجيل الذي عاصر زمن حضوره الواسع , هو اليوم لا يملك إلا القليل من شعره المطبوع.‏

يعرف أكثر الناس مظفر النواب من خلال شعره الثوري المتمرد والرافض للحالة العربية. وقلة قليلة تلك التي تعرف شعره الإنساني , خاصة وأنه ألقاه باللهجة العامية العراقية, ويطلق النقاد والأدباء على شعر العامية المذكور»الشعر الشعبي العراقي».‏

ويعد مظفر أحد أبرز شعراء العراق في هذا اللون من الشعر, مما ساعد المتخصصين بالغناء أخذ عدد من قصائده وتلحينها للمغنيين, لتتردد على ألسنة البسطاء, الذين عثروا في كلمات تلك الأغنيات على تعبير عن همومهم ومشاعرهم وأحزانهم.‏

شعر مظفر يشبه حياته. إنها حياة المعاناة والقهر السياسي. منذ سنوات شبابه الأولى نال من القمع, وتردد أكثر من مرة على السجون, وفي إحدى سجناته نجح في تنفيذ عملية هروب شبه أسطورية, وكانت المنافي وطنه المتنقل . بدأت معاناته المتواصلة وهو في منتصف العقد الثالث من العمر, حين كان احتدام الصراع السياسي في العراق قد بلغ ذروته. وتعبر العديد من قصائده العامية التي كتبها مظفر عن تحديه للعسف والقهر والظلم. نذكر هنا قصيدته التي يرثي بها أحد أبناء عشائر سعود الذي قتلته السلطات باعتباره مناهضا لها. ولا بأس أن نورد بعض أبياتها, مع علمنا أن بعض كلماتها المنطوفة بالشعبية العراقية تستعصي على فهم القراء من غير العراقيين, ولذلك ارتأينا تغيير نطق بعض الحروف لتكون المعاني قريبة من الفهم لدى القارئ.‏

هذوله احنا سرجنة الدم‏

خلينا زهر النجوم من قدح الحوافر سود‏

تتقادح عيون الخيل وعيون الزلم بارود‏

وياخذنه الرسن للشمس‏

....‏

يسعود احنه عيب انهاب يابيارق الشرقية‏

هذي يشامخ( جمع شماخ) الثوار تبرق نار حربية‏

ولقد نشرت هذه القصيدة كاملة في ديوان «للريل وحمد» الذي ذاع صيته , خاصة وأن قصيدة للريل وحمد أصبحت أغنية أداها أكثر من مغن عراقي. ومن أجمل أبياتها المغناة :‏

مرينه بيكم حمد واحنا بقطار الليل وسمعنا دق قهوة‏

شمينا ريحة هيل‏

ياريل( ياقطار) صيح بقهر صيحة عشق ياريل‏

هودر هواهم ولك‏

حدر السنابل قطا‏

إنها من أول قصائد مظفر في الحب والعشق, ومن أجملها على الإطلاق. وتحولت إلى أغنية عشق لدى الناس البسطاء لأن صورها ومفرداتها ومعانيها تعبر عن لغة الناس اليومية وحميمية العلاقة مع الأشياء والأدوات والتراث . ولذلك يذهب البعض إلى وصف مظفر بشاعر الريل وحمد, فيما يرى فيه آخرون شاعر الوتريات الليلية, على اسم ديوان آخر له, مضمونه تمرد ورفض سياسيين للحالة العربية منذ نهاية الستينيات.‏

أدار مظفر النواب ظهره بشكل كامل لمواقع المسؤولية وسلطات القرار في شتى المدن والبلدان والعواصم. وموقفه هذا هو مزيج من التمرد والثورة مع التصوف والتقشف , فنشيده ومبتغاه لم يكونا في هذا المطرح. ومن يعرف ما ألقاه من قصائد وما نشر له على قلته, لن يعثر على ملابسة واحدة تشي بمساومة أو ممالأة لدولة أو سلطان. بالضد من ذلك تعرض للمضايقات وربما الملاحقات والمنع والإبعاد , وفي أكثر من مكان في الأرض العربية, لأنه نال بأشعاره من سياسات السلاطين والحكام, خاصة في قصائده التي تتحدث عن فلسطين , التي شكلت المساحة الأوسع من شعره السياسي. وفي» وتريات ليلية» ظهر النواب شاعراً متمرداً رافضاً لا يعرف المهادنة , فكيف يمكن أن يكون مداحاً لأحد من السلاطين.‏

روح التمرد والثورة في شعره وكأنها أخذت طريقها إلى مشهده على المنبر خلال الإلقاء. فبصوت قوي مجلجل يلقي القصيدة. وبحركات جسد تضفي على معاني اللغة الشعرية أبعاداً نفسية وروحية تشد اتصال المتلقي مع القصيدة, وتظهر بانفعال الشاعر مع أبياته مصداقية العلاقة بينه وبين ما يقوله شعراً.‏

أما المفارقة في هذا الخصوص- قوة الصوت وشدته- نجد نقيضها الكامل حين نصغي للنواب متحدثا في جلسة ليست لإلقاء الشعر. يتحدث مظفر بصوت بالكاد يسمع, ويحتاج إلى رهافة في الإصغاء. ومن صفاته حسن الاستماع لمحدثيه واحترام كلامهم, ويشارك بهدوء في الحديث يشعرك بفارق كبير عن صوته على المنبر. هذا من حيث الشكل, أما المحتوى فهو إنسان مرهف يحس بالآخرين لا تصدر عنه كلمة قاسية أو جلفة بحق أحد. وهو غالباً ما يقتصد بالحديث وأحيانا يكتفي بالإصغاء, إلا إذا ألح عليه أصدقاؤه برغبتهم في الاستماع إلى رأيه في قضية ما قيد الحوار.‏

في حضرة الغناء لمظفر مكانة مدهشة. يعشق أم كلثوم وبعض الغناء الفولوكلوري العراقي. وحين يروق له الغناء , ولأم كلثوم غالبا, يجعل المستمع مأخوذا بسحر صوته الذي يتدفق من عمق الأحاسيس, وبين القرار والجواب في الغناء يأخذ قسطاً من الراحة لحنجرته, لكنه لا يلبث يستعين بفنجان فهوة ساخن جداً قوي الحلاوة ممزوج معه ملعقة من زيت الزيتون. ويؤكد أن استعادته لقوة صوته تتطلب تلك الوصفة.‏

ورغم معاناة المنافي والمخاوف والتهديدات الحاضرة أبدا , كان مظفر حضنا دافئا وصدرا حنونا على المنفيين الآخرين. وبكل ما يستطيع مادياً ومعنوياً, يقدم كل ما من شأنه تقليل معاناة الآخرين, ومدهم بأسباب التغلب على صعوبات الحياة في المنافي وفي ظروف القهر الأخرى.‏

من يتعرف إليه في الحياة اليومية كإنسان يكتشف مرجعياته الفكرية والثقافية, ويقف حيال خصوصيات في السلوك والنظر إلى الحياة.‏

يختزل البعض مظفر النواب فكرياً وثقافياً بتاريخه عضواً في الحركة الشيوعية العراقية. ولا شك أن لتلك المرجعية أثراً عليه, لكن مظفر مهتم جداً بتراث المجتمعات العربية الإسلامي, ومن محطاته المتنورة, وتجارب التمرد والثورة التي مرت بها شعوبنا في العصور السابقة, يستلهم مظفر إرادة الفعل والتغيير. كما أنه قارئ جيد ونهم لكل بحث عن النفس الإنسانية وروح الإنسان وقدراته الخفية, ويغريه كل ما يصدر عن علم «البارا سيكيولوجي». ولا عجب في ذلك إذا تذكرنا علاقة النواب بعلماء الصوفية وشعرائها في التراث العربي.‏

في بعض قصائده التي في الوتريات نجد دلالة على العلاقة بالتراث وبالصوفية. في القصيدة الأولى من الوتريات يفتتح النواب ديوانه بمقطع شعري يستعير فيه من التراث حين يقول:‏

أما أنا فلا أخلع صاحبي‏

عاشرته وخبرته وعرفته‏

ولذا لا أخلع صاحبي...‏

أنا قرمطي أولئك قالوا مشاعة الأرض ومشاعة السلاح‏

ولكن لم يقولوا مشاعة الإنسان‏

.....‏

وفي مقطع لاحق من القصيدة الثانية يقول مظفر:‏

أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان!‏

توجهت إلى المطلق في ثقة. كان أبو ذر خلف زجاج الشباك المقبل.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية