ويجمع المراقبون على وجود عدم تكافؤ بين الأهداف التي حددتها الحكومة الإسرائىلية (الإفراج عن الجنديين الأسيرين ونزع سلاح حزب الله) وبين التدمير المنظم للبنى التحتية المدنية في لبنان وفلسطين على حد سواء.ولا بد من السعي للبحث عن الأسباب والدوافع الحقيقية لهذه العمليات العسكرية الوحشية التي تم التحضير لها مسبقاً بين تل أبيب وواشنطن وتم تنفيذها رسمياً بإعلان الحرب على لبنان في 12 تموز الماضي.
فالنهج الأحادي الجانب الذي أطلقه أرييل شارون بتأييد من شريكه حزب العمل والذي يقوم على علاقات القوة يهدف إلى إثبات قوة إسرائيل (الرادعة) من خلال العنف الذي يستهدف المدنيين كما يقوم على فرض حلولها على كل المنطقة مستغلة بذلك موافقة المجموعة الدولية وتأييد واشنطن التام.
وفي محاولة منها لتعبئة العالم حول حماية مصالحها في إطار مشترك,لجأت الحكومة الإسرائيلية منذ عدة أعوام إلى دفع خصومها ليكونوا أكثر تشدداً وراديكالية,فإخلاء المستوطنات والانسحاب من غزة في أيلول 2005 لم يعن أبداً نهاية الاحتلال العسكري لقطاع غزة بل على العكس تماماً فقد أدى إلى وضع صيغة جديدة وشكل جديد للهيمنة أشد تعسفاً حتى ولو كانت تقود هذه الهيمنة من الخارج.
واليوم كما في الأمس ما زالت الحكومة الإسرائىلية تتبنى سياسة تصفية الزعماء والقادة الفلسطينيين الرافضين لشروطها وإملاءاتها السياسية.ومن يعتقد أن أولمرت يهدف إلى (تصفية اسماعيل هنية كي يعيد محمود عباس وحركة فتح إلى السلطة) فهو على خطأ,لأن أعمال العنف الحالية حولت الانتباه مرة أخرى عن الحقائق المأساوية التي تشهدها الضفة الغربية كنوع من المساهمة في ترسيخ (تبريرات) الحكومة الإسرائيلية,ويتواصل بناء الجدار العازل على الرغم من أنه لن يحمي الإسرائيليين من طلقات المقاومة الفلسطينية ولن يمنع العمليات (الانتحارية) إلا على نطاق محدود.والغاية منه دعم الترسيم الأحادي الجانب للحدود الإسرائيلية,وللحفاظ على إحكام سيطرة إسرائيل وإشرافها على موارد المياه في الضفة الغربية للحيلولة دون أي محاولة لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وقد ترافق الإعلان عن انسحاب أحادي الجانب من بعض المستعمرات المعزولة في الضفة الغربية مع تكثيف حركة بناء المستوطنات في قلب المنطقة,كما ترافق عنف الغارات وعمليات القصف الجوية مع الظروف المأساوية اليومية التي يعيشها الفلسطينيون.ولا شك أن سياسة الإبعاد الجديدة التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية منذ شهور عدة إزاء عدد كبير من الفلسطينيين والأجانب المقيمين فيها تشكل مظهراً آخر لهذا الاستهداف الذي لخصته الباحثة الإسرائيلية تانيا رينهارت بالسؤال التالي (كيف نستكمل حرب 1947-1948?) أوليست الحكومة الإسرائىلية تعمل كما كانت في الماضي على دفع خصومها لارتكاب أعمال عسكرية تتملص هي من تحمل مسؤوليتها حيال المجموعة الدولية وتقوم بمبادرات جديدة ستجر بدورها أعمال عنف جديدة?
جورج بوش يرى حدود ولايته الثانية وقد شارفت على الانتهاء,وهناك حالة توتر مع إيران في الوقت الراهن.والأوضاع تزداد سوءاً وتوتراً في العراق,فهل استغلت إسرائيل هذه الظروف المعقدة لتسوية مسألة جيرانها على طريقتها الخاصة..?! ما الثمن الذي سيدفعه العالم..?? وهل ستستسلم المجموعة الدولية للانجرار وراء استراتيجية مماثلة..?!
بقلم جان فرانسوا ليغرين