تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


(قنديل أم هاشم).. ثنائيـة الخرافــة والعلـــم

ثقافـــــــة
الأحد 15-4-2012
ممدوح السكاف

(١)يشير الكاتب الأديب محمد جبريل في قراءته التحليلية لأبحاث المؤتمر الأول للقصة القصيرة المنعقد بالقاهرة عام ٢٠٠٧ وكان موضوعه الأساسي يدور حول (جيل ما بعد الريادة)

لدى أدباء المدرسة الحديثة من شباب مصر، والمقصود بالمدرسة هنا: الاتجاه نحو تجديد الفكر الأدبي وتحديث أسلوب الكتابة القصصية من حيث البنية والتقنيات والعبارة اللغوية – إلا أن القاصّ الرائد والناقد الأدبي (يحيى حقي) هو أول مَن أطلق على (أحمد خيري سعيد) تسمية (ناظر المدرسة) – أي مديرها – ولم يكن إطلاقه لهذه التسمية عليه لمجرد إعجابه شخصياً به بل لأن (المدرسة) كتوجّه فكري فني تدين لهذا «الناظر» بالريادة والأستاذية، فلقد كان واسطة العقد بين تلاميذه، أي أعضاء المدرسة... هو الذي علّمهم جمال حرية الرأي وثقل الفَقْهنة وسماجة التعصّب وسخف العداء بين الأشخاص لاختلافهم في المذهب، وعلّمهم أن أثقل داء هو الغرور، كما دعاهم إلى الإقرار بجهلهم حين يُسألون عما لا يعرفونه وكيف يحترمون الأساتذة الكبار... هو الذي كان يردّهم من التطرّف إلى الاعتدال، ومن الغُلو إلى القَصْد ومن البهرج إلى المعدن الأصيل، ويضيف (حقي) إلى ما سبق قوله عن (سعيد): كان يحب المناقشة وإثارتها ودفعها إلى درجة الاشتعال ولكنه عُرف بمقدرته على إطفاء نارها بكلمة تستخرج الحق البسيط الواضح من كل هذا العجاج والضجيج.‏

ويتابع (حقي) كلامه عن هذه المدرسة – وقد كان واحداً من تلاميذ (ناظرها) ومُريديه، فيقول: إن مُعطياتها جاءت تعبيراً عن ثورة ١٩١٩ المصرية ففي أحضانها نشأت موسيقا (سيد درويش) ونشأ كذلك أدب المدرسة الحديثة، وكلاهما منبعث عن حاجة مُلحّة لإيجاد فن شعبي صادق الإحساس عميق التأثير في أرجاء المجتمع، وأدب واقعي متحرر من التقليد واقتباس الأفكار والأخيلة من ماضي تراث الأمة العربية، لا يمتّ إلى الإبداع والابتكار بصلة. ويتوقف يحيى حقي أمام موضوع مهم للغاية هو قضية تجديد الفن والأدب على صعيد كتابة القصة بعامة والقصيرة بالذات، فيقول: - نحن أعضاء المدرسة الحديثة من أدباء وقصّاصين وشعراء ونقاد وصحفيين معاضدين لابدّ لنا أن نعلن بأننا مدينون لهذه المؤسسة الفكرية التي تربينا في أروقتها التنويرية بالكثير من الامتنان فقد كافحت من أجل أن يكون لنا أدب أصيل نابع من كينونتنا ووجودنا ونادت بأسلوب أدبي ينبذ التكلف والتصنع والميوعة اللغوية وثبّتتْ للقصة قدمها حتى أضحت فناً من الفنون الأدبية المرموقة، وأسست ركائز للمذهب الواقعي وخلّصت الحياة الأدبية من نهنهة الرومانسية وبُكائياتها والأهم من هذا كله أنها تصدّت لمظاهر الظلم والفقر والجهل والتخلف والنفاق ورفعت مقام الفلاح والعامل والحرفيّ ورجل الشارع ودعمت فكرة التكافل الاجتماعي فمهدت بذلك لثورة (١٩٥٢) وبالتالي إقامة اشتراكية عربية تتوافق مع عقائد الأمة ومُثلها الأخلاقية. وقد حدَّد الناقد محمد جبريل تاريخ نشاط هذه الحركة النهضوية في الأدب العربي بمصر قائلاً: «... ومنذ أواخر الثلاثينيات كانت رسالة «المدرسة الحديثة» قد اكتملت ولم يبقَ منها في أواخر الأربعينيات إلا ذيول».‏

(٢)‏

وُلد يحيى حقي (١٩٠٥ – ١٩٩٢) لأسرة من أصل تركي تقطن حي السيدة زينب في القاهرة وكانت الولادة والنشأة سبباً لارتباط لازَمَه طوال حياته بالأحياء الشعبية القديمة وبأهلها وتقاليدهم وتابع مراحل دراسته إلى أن تخرج من مدرسة الحقوق العليا عام (١٩٢٥) وتقلّب في أعمال متعددة قبل أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي، وفي عام (١٩٥٥) اختير مديراً لمصلحة الفنون (النواة الأولى لوزارة الثقافة المصرية فيما بعد) وكان له دور مؤسس للنهضة الثقافية التي عرفها القطر المصري في تلك السنوات وما بعدها، وفي عام (١٩٦٢) تولى رئاسة تحرير مجلة (المجلة) الشهرية لثماني سنوات نجح خلالها في تحويل تلك الدورية إلى منبر ثقافي عربي واسع الأهمية والانتشار قدّم من خلاله عدداً وافراً من المواهب الأدبية الجديدة في حقول القصة القصيرة والرواية والشعر والنقد ومن أشهرهم القاص المجدّد الراحل أواخر عام (٢٠١١) إبراهيم أصلان.‏

إلى جوار إبداعه في القصة والرواية، أسهم يحيى حقي في كتابة المقالات الأدبية والدراسات الفنية والسّير الذاتية لحياته ولأشخاص وأصدقاء عاشرهم وخبرهم وخلّف وراءه ثمانية وعشرين كتاباً من أهمّها كتابه المبكر (فجر القصة المصرية). وعلى مدى سنوات الغربة التي عمل فيها خارج وطنه كانت الحياة في الحي القاهري الشعبي وفي مدن الصعيد وقراه والروح الصابرة لأهلها لاتزال تشغل تفكيره وحنينه وقد ظهر ذلك جلياً في أدبه الروائي الواقعي المتميز بجودته وخاصة قصة (البوسطجي) وقصة (قنديل أم هاشم) اللتين تحولتا إلى فيلمين سينمائيين لاحقاً شدّا إليهما المتفرجين وما فتئا يفعلان ذلك لدى عشاق الماضي الرومانسي الجميل المصوّر بالأبيض والأسود.‏

توفي يحيى حقي عن عمر بلغ سبعاً وثمانين سنة بعد رحلة معاناة قاسية مع المرض ولكن ذكره ما برح ماثلاً في الأذهان إلى الآن لأنه يشكّل نبعاً من الإبداع الخلّاق في سيرورة حياته الحافلة بمكابدة الأسفار والشدائد وسيرورة أدبه المتقن فهو أحد كبار روّاد القصة القصيرة الفنية بمصر والوطن العربي إلى جانب مجايليه كنجيب محفوظ ويوسف إدريس وسواهما.‏

(٣)‏

ترى بعض الأبحاث الأدبية التي درست رواية (قنديل أم هاشم) المطبوعة عام ١٩٣٩ أنها تشكّل أعظم أثر فنيّ أبدعته القريحة العربية في مجال ريادة القصة وإنتاج روّادها المؤسسين لها من الروائيين المصريين والعرب خلال مرحلة البدايات أو التكوّن لهذا الفن القصصي، فإلى جانب اكتمال الشروط الفنية في «القنديل» فإنها تمثل وعياً فكرياً ناضجاً لكاتبها تجاوز وعي معاصريه وثمة وجه شبه ملحوظ بين حياة مؤلفها «يحيى حقي» وبطلها «إسماعيل»... كان «يحيى» يطمح أن يدرس الطب لكن الظروف فرضت عليه أن يتحول إلى دراسة الحقوق، و«حقي» في الرواية لا يعكس طموحه الفردي فحسب بل يُفخّم حلمه ليعطيه أبعاداً اجتماعية تتجلى في دور الطبيب الإنسان الساعي إلى تغيير واقع مجتمعه المتخلف الذي تهدّده الأمراض، فبدلاً من أن يحتكم إلى العلم يلجأ إلى التداوي من الأمراض الخطيرة بالمعتقدات الشعبية والأساطير المتداولة ولا يخفى أثر حياة (حقي) في السيدة زينب والريف المصري وتقلّبه في المناصب الدبلوماسية ورحلاته واطلاعه الواسع على حياة الغرف في كيفية بناء القصة، فقد فتحت دراسة هذا الأديب للواقع الاجتماعي المصري وما رآه من تقدّم الغرب بصورة مبكرة على ضرورة التغيير لكنه أدرك أن الثورة العنيفة لايمكن أن تؤدي إلى الإصلاح ولعلّه قرأ في الفترة ذاتها كتاباً حول «مرض الطفولة اليساري» وهو كتاب يدعو إلى الاعتدال في الممارسة الثورية إضافة إلى إحساسه بالاغتراب عن مجتمعه المصري بعد سفره إلى أوروبا، وقد أثرت هذه العوامل مجتمعة في التعبير عن رأيه تجاه مشكلة وطنه وأمته في التخلف بروايته الرائدة هذه.‏

نشأ إسماعيل، بطل الرواية، في بيئة الكاتب نفسها ويشاء القدر أن يُوفد لدراسة الطب في أوروبا وهي رغبة حقي نفسه فيوصي والد إسماعيل ابنه أن يعيش في بلاد «بره» كما كان يعيش في حي السيدة زينب بمصر وأن يحرص على دينه وفرائضه، ويخطب له ابنة عمه فاطمة النبوية ويوصيه بحفظ العهد لها والحذر من نساء أوروبا، غير أن إسماعيل خالف الوصية فشرب الخمر وراقص الفتيات في انكلترا وفسق وتعرّف على زميلته (ماري) التي أسلمته نفسها وقضت على «عذريته» وعلّمته أن الحياة جدلية متجددة وليست مبادئ ثابتة، فتغيّرت طباعه وبَدَا له الدين أسطورة والفرد سيد نفسه لا صلة له بالمجتمع وبعد تأمل وتجارب عميقة شعر بالقلق يراوده والأفكار تتصارع في عقله وحين تخلص من (ماري) زال عنه قلقه ولكنه كان قد خسر تكيّفه مع بيئته المصرية واستقلال شخصيته، ثم بدأ يحسّ بضرورة القيام بدوره في بلده المتخلف وتحقيق رسالته في تحرير وطنه من واقعه المؤلم ولدى عودته إلى مصر هاله منظر الجهل في الريف كأنه يراه للمرة الأولى، ولم يستطع الانسجام في العيش مع أسرته وآلمه أن تسكب أمه زيت (قنديل أم هاشم) في عين فاطمة لمداواتها فثار على أمه التي أنكرت عليه تطاوله على كرامة الأولياء وقرّر أن يتخلص من أزمته الروحية لا بالعودة إلى أوروبا بل بالبقاء في الريف والعمل على إنقاذه من الدمار الشامل، وحاول، وهو طبيب العيون، أن يُعالج مرض فاطمة الذي فاقمه زيت القنديل لكنه اكتشف أن العلاج الطبي وحده لا يكفي ولابدّ من معاملتها باللطف واللين وترميم الشرخ الذي أحدثه في نفسها تعاليه عليها وإشعارها بالدونية. فحقق بذلك تقدماً سريعاً في شفائها وهكذا يتصالح إسماعيل مع نفسه ويعود إلى الشعب لا متنكراً لمبادئه بل مسايراً للواقع فيعترف بشفاعة القنديل ويدرك أن العلم لايتعارض والمعتقدات ومتطلبات الروح في محاولة توفيقية ناجحة على فهم عميق لطبيعة البيئة التي يريد تغييرها وفهم أفرادها، غير أن محاولته ظلت إصلاحية رومانسية وإن كانت تمثل ارتباطه بجذور الطبقات الشعبية وبهذا عَدّ بعض النقاد المحلّلين لهذه الرواية أن بطلها «إسماعيل» يعتبر بطلاً إيجابياً، لا يعزل البطولة عن القوة الاجتماعية المحيطة ولا يجعل من البطل معجزة يصعب فهمها بل يقيم جسراً بينه وبين الجماهير، إضافة إلى تبنّيه الأساليب العلمية والموضوعية في حركة التغيير. وقد لخّص الناقد علي الراعي رؤيته لهذه الرواية بقوله: «قنديل أم هاشم» حكاية رمزية نقدية، تنادي بالعلم مع احترام الإنسان وتدعو إلى أن يخضع التطبيق لظروف البيئة وهي تهاجم الفردية والانعزال وتبشّر بدفء الاندماج وتنادي بانتصار الاتحاد على الأثرة والحرية الزائفة».‏

ولأهمية هذه القصة فإن مؤلفي الجزء الأول من كتاب (الأدب العربي الحديث) الذي كان مقرراً تدريسه من قبل وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية على طلبة الصف الثالث الثانوي اعتباراً من العام الدراسي (١٩٨٨ – ١٩٨٩) قد ضمَّنوه مقطعاً منها لاستعماله كشاهد أدبي نورد فيما يأتي بعضه: «تقدّم اسماعيل – وهو طبيب العيون – إلى فاطمة فأوقفها وحلّ رباطها وفحص عينيها فوجد رمداً قد أتلف الجفنين وأضرَّ بالمقلة، فلو وُجد العلاج المهدّئ المسكّن لتماثلت للشفاء ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي تقطره أمّه في عينيها كل مساء، فيرتاع ويصرخ في وجه أمه بصوت يكاد يمزّق حلقه: - حرام عليك الأذية... أنت مؤمنة تصلّين فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟!‏

m.alskaf@msn.com

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية