تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الحبّ والكراهية بمنطق المنافقين

شؤون سياسية
السبت 26-1-2013
عبد الرحمن غنيم

أخيراً بدأت فترة الولاية الثانية للرئيس الأميركي باراك أوباما . وكما هو معتاد عند الناس بشكل عام فإنهم يتوقعون من الرئيس الأميركي في ولايته الثانية تطوراً أو تغييراً في السياسات بحيث يصير أكثر انسجاماً مع قناعاته أو مشاعره الذاتية

بما يعتريها من الحب أو الكراهية حتى ولو بشكل نسبي معيّن , لأن هناك اعتبارات يتعذر عليه أن يتجاوزها . والواقع أن الكثير من الناس يفترضون بأن أصول أوباما الإسلامية والإفريقية والبيئة التي جاء منها لا بدّ وأن تؤثر عليه , أو بتعبير آخر , على عواطفه الشخصية , أي على ما يحب وما يكره . ومن واقع متابعتنا لسياسة أوباما في الفترة الرئاسية الأولى يمكن القول إنه يبدو أن للتعبير عنده صيغتان مختلفتان :‏

الأولى : تتمثل في التعبير المادي الفعلي عن الرأي متمثلاً في مقال أو رسم أو فيلم أو مسرحية . وهذه – في زعمه – محميّة قانونياً حتى وإن كانت تمس مشاعر المسلمين أو حتى المسيحيين . ونقول « في زعمه » لأنّ هناك حالات من هذا النوع يجري قمعها في أمريكا وأوروبا . وهي تتمثل عملياً في أيّ شيء يمكن أن يمسّ اليهود وادّعاءات اليهود .‏

والثانية : تتمثل في التعبير العاطفي . أي أن تكره أو أن تحبّ . وهنا يبدو الموقف الأوبامي من التعبير العاطفي صارماً إلى حدّ أنه يجعل من كراهية أمريكا وإسرائيل سبباً يبرر إعلان الحرب على الكارهين . فهو يريد هنا اغتصاب حبّ الناس لأميركا وإسرائيل اغتصاباً . وحتى لا نظلم أوباما نقول بأن هذا المنطق كان سائداً في أمريكا منذ زمن قبله وتابع هو الأخذ به , لكنه بات يركز على كراهية إسرائيل كسبب للعداء الأميركي للآخرين باعتبار أن إسرائيل في نظره جزء من العائلة الأمريكية وأعزّ .‏

في الواقع أنّ موقف أوباما من صيغتي التعبير هاتين يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات حول شخصية أوباما وتكوينه النفسي والفكري والعاطفي :‏

تُرى هل ولدَ أوباما في بيت أبيه الكينيّ الأصل حسين أوباما مسلماً وتنصّر حين شبّ عن الطوق ؟ أم إن والده كان قد تنصّر وأورث ابنه النصرانية ؟ . سؤال إجابته مهمة لأنها تبيّن إن كان أوباما قد ورث الديانة المسيحية عن أبيه أم إنه اختار التخلي عن الإسلام واعتناق المسيحية لسبب ما أو لغرض في نفسه , ومتى فعل هذا ؟ . وهي قضية قد تبدو عابرة بالنسبة للبعض , وجزءاً من الحرية الشخصية للإنسان . لكن هناك ممّن يتبناهم أوباما من المنظمات الإسلاموية من سيعتبره مرتدّاً . وما يهمّنا هنا أن حالة أوباما قد تعني أن لديه ميلاً مكتسباً من التجربة في أن يعتبر الإساءة إلى الإسلام أو المسيحية حريّة تعبير وهو الموقف الذي اتخذه بالفعل من قضية الفيلم المسيء للرسول محمد « صلعم » , بينما يعتبر كراهية أميركا أو إسرائيل سبباً يبرّر القمع أو حتى الحرب . وقد حاولنا أن نتحرّى عن هذه النقطة المتعلقة بديانة أوباما فاكتشفنا أنه ما من جواب أكيد حول ديانته . فهناك من يقول ببساطة إنه مسلم, وهناك من يقول إنه يهودي ومن يهود الفلاشا , وهناك من يقول إنه مسيحي . ولكن ما من أحد يعطي جواباً محدداً واضحاً نهائياً حول حقيقة ديانته .‏

هل عرف أوباما في بيت أبيه شيئاً عمّا يسمّى بـ « المروق » ؟ . وبالتالي : هل يشعر بينه وبين نفسه أنه مارق ؟ أم أنه لا يفقه شيئاً عن هذه الدلالة وإنما يعرف فقط تعبير « الدول المارقة » الذي روّجه سلفه بوش الابن فيعتبر أن كل دولة لا تخضع لإرادة واشنطن مارقة , ولا يعتبر نفسه حين يستهدف الآخرين وخاصة المسلمين مارقاً ؟ .‏

هل عرف أوباما في بيت أبيه شيئاً عن « النفاق » و « المنافقين » ؟ . لا ندري ولكن من المرجّح أنه مارس في تجربته العملية الكثير من النفاق بدليل أنه نجح في أن يكون أول أمريكي ملوّن يصل إلى رئاسة الولايات المتحدة . فبدون قدر كبير من النفاق في مجتمع مثل المجتمع الأميركي , بل دون قدر هائل من النفاق , ما كان بوسعه أن يصل إلى هذا المنصب .‏

من المنطقي أن ننتظر من إنسان شابت سلوكه عوامل الردّة والمروق والنفاق بهذه النسبة المئوية أو تلك أن تصدر عنه المواقف المنسجمة مع هذه السلوكيات . وهذه كلها في نظره « حرية تعبير » .‏

هل يعني ذلك أن أوباما الذي يتوعد كارهي أميركا وإسرائيل دائماً معاً !! بالويل والثبور وعظائم الأمور قد فهم – كما نفهم نحن – أن المسيحية هي دين المحبة . وبالتالي , فهو منحاز إلى الحب وضدّ الكراهية بحكم كونه مسيحياً ؟ .‏

لنصدّق أن الرجل يفكر على هذا النحو . أليس من المنطقي أن يكون مع الحب بشكل مطلق وضدّ الكراهية بشكل مطلق , وفي كل مكان وزمان ؟ . فإذا كان مع الحبّ بشكل مطلق فكيف يعتبر التعبير المادي عن كراهية المسلمين أو حتى المسيحيين حرية تعبير بينما ينظر إلى انتقاد اليهودية بمنظار مختلف تماماً ؟ فهل اليهود في نظره بقرة مقدّسة لا يجوز أن يقربها أحد , بل ولا يجوز أن يعبّر أحد عن عواطفه تجاهها ما لم تكن هذه العاطفة هي الحبّ حصراً ؟ . ألا يقدّر مثلاً بأن مساواة اليهود مع الآخرين تستلزم ببساطة معاملتهم معاملة الآخرين لا أكثر ولا أقل , وأن المسألة لا تخضع بتاتاً لقانون الحب والكراهية حين يتصل الأمر بالعلاقة بين الأديان . فالسويّ من ساوى في عواطفه بين الجميع , وأما من بالغ في عواطفه تجاه طرف فإنه يكون منحازاً وعرضة لاتهامه بالتعصب .‏

من الواضح أن موقف أوباما من هذه المسألة هو موقف المنافق . فهو يعرف مدى سيطرة اليهود على الطبقة السياسية المسيطرة في الولايات المتحدة ومدى هيمنتهم على كل شيء . ولذلك فهو يريد إرضاءهم بأيّ شكل كان , وينافق معهم ويتملقهم في كل شيء .‏

يقول البعض في بلادنا : إن أوباما المسكين ما كان يمكنه – وخاصة في فترة ولايته الأولى - إلا أن يحني هامته أمام اليهود الصهاينة وإلا فإنه سيكون أمام احتمالين : إمّا أن تثار في وجهه فضيحة ويعزل كما حدث مع رؤساء آخرين من قبل أو أنه سيقتل كما حدث مع الرئيس جون كيندي !! . وهذا كلام نفهمه ونصدّقه . لكننا نفهم أيضاً أنه يعني بأن الديمقراطية الأمريكية هي أكذوبة كبرى وأنه لا وجود لها على أرض الواقع على الإطلاق. فما دام الرئيس الأميركي مرتهناً لليهود الصهاينة فمعنى ذلك أن الدولة الأمريكية شعباً وسلطة معاً هي قيد الارتهان لهم , وأن لا حرية ولا ديموقراطية في أمريكا « ولا ما يحزنون» في التحليل النهائي .‏

وفي هذه الحالة نتساءل : أيّ مشروعية هي تلك التي يملكها رئيسٌ مكبّلٌ بالأغلال في بلده في أن يطالب الرئيس السوري مثلاً بالتنحّي مثلما كان قد طالب رؤساءً آخرين من قبل بالتنحي , ولكنه لم يطالب أحداً من ملوك العرب بالذات بالتنحّي ربما على القاعدة الفقهية الأوبامية طبعاً والقائلة بأن « الملك يملك كلّ شيء في مملكته » ؟ .‏

طبعاً , ليس من حق الرئيس الأميركي أصلاً ولا من حق أي رئيس آخر أن يصادر خيارات شعب آخر . لكنّ معيار أوباما بسيط : إن الرئيس السوري لا يحبّ أميركا وإسرائيل ولا يخضع لإرادتهما , لذلك يجب أن يخلي مكانه لمن يحبّهما أو يزعم أنه يحبّهما والمهم لمن يخضع لهما .‏

وهذا الكلام بمفهوم العلوم السياسية يعني أن الرئيس الأميركي الفاقد للديمقراطية في بلده يريد تقويض الديمقراطية في سواها أيضاً لصالح اليهود الصهاينة أيضاً .‏

هل بات واضحاً الآن لماذا هو الرئيس الأميركي حاقد على النظام في سورية , ويسعى لإحلال الفوضى باعتبارها نقيض النظام , بينما هو متحمّس في مساندته واستغلاله للأنظمة “ الديموقراطية جداً !! “ في دول مجلس التعاون الخليجي ؟ . ولماذا هو يواصل الحملة على سورية بينما هو يتجاهل إرادة شعب البحرين أو المتظاهرين في مملكة آل سعود ؟ .‏

إن تلك الأنظمة تحبُّ أميركا وتحبُّ إسرائيل وتخضع لإرادتهما المشتركة . فهي إذن «صالحة » . وهذا هو المقياس الذي يتحدّد به مفهوم أوباما للصالح والطالح في عالمنا . إنه مقياس النظر إلى الأمور بعين واحدة , هي العين الصهيونية . فمن تصهين كان صالحاً ومن لم يتصهين فهو طالح . وهذا يجعلنا نتساءل ما إذا كان أبو حسين أوباما هو الأعور الدجّال, أم أن علينا أن ننتظر مجيء من هو أشدّ منه حبّاً لليهود الصهاينة وكرهاً لكل من يكرهون أميركا وإسرائيل ؟!! .‏

يبقى أيضاً سؤالٌ آخر : هل حتماً أن أوباما معنيٌ بحبّ أميركا أو كراهيتها في هذه القصّة أم أنه معنيٌّ فقط بحب إسرائيل وكراهيتها ؟ .‏

في معرض الإجابة نقول إنه لو كان أوباما يضع حب أميركا في حساباته لاتبع سياسات أمريكية تستدرج هذا الحب . لكنّ بوصلة الحبّ والكراهية عند أوباما تقتصر على الموقف من إسرائيل . وهو إنما يجعل أميركا في وضعية المحبّ لإسرائيل والساعي إلى إجبار الآخرين على الاقتداء بأميركا في حبّها ولو رغم أنوفهم . فمن لا يحبّ إسرائيل فهو في عداد الكارهين لأميركا المولّهة في حبّ إسرائيل إلى حدّ العمى .‏

المشكلة أن أوباما ليس فريداً وحده من بين ساسة أميركا في تبنّي هذا المنطق . فكل رئيس يصل إلى البيت الأبيض يتوجّب عليه أن يكون محبّاً برضاه أو رغم أنفه لإسرائيل . وقد يصدف أن ينزلق لسان أحدهم بجملة تنبئ بتبرمه من ضغوط اللوبي الصهيوني , وعندئذ سيفاجئه اليهود الصهاينة بفضيحة أو يتعرّض للاغتيال . وأما من انتهت فترة رئاسته , ولم تعد لرأيه قيمة , فإن وسائل الإعلام الأميركي التي يسيطر عليها اليهود ستعامله بالتجاهل إذا هو عبّر عن آراء لا ترضيهم , أو وفق تصنيفهم تنم عن كراهيته لهم وليس الحبّ .‏

في كلّ مكان يكون منصب الرئيس دلالة على منصب سيادي أعلى إلا في أمريكا رغم كون النظام فيها رئاسياً , أي تتمركز فيه السلطات في يد الرئيس . فالرئيس الأميركي هو سجين البيت الأبيض الخاضع في كل سياساته وممارساته لأوامر وأهواء سجّانيه . وهو ملزم في أن يحبّ إسرائيل وأن يكره من لا يحبونها . وليت الأمر يقف عند حدود الحب والكراهية لقلنا إن أميركا تتبنى مبدأ « حرية العواطف » مثل تبنّيها المزعوم لـمبدأ «حرية التعبير » . فعلى أساس الحب والكراهية يمكن للرئيس الأميركي أن يشن حرباً أو أن يساند حروباً طالما أن عشق إسرائيل يستلزم مثل هذه الحروب . وهنا لا بدّ وأن نتذكر المقولة «ومن الحبّ ما قتل » , غير أن قتلى الحبّ الأميركي لإسرائيل هم بعشرات أو مئات أو ملايين الأشخاص . وهو حبٌ يبدو أنه سيستمر عنيفاً إلى أن تشيخ أميركا وتصير عاجزة عن الحب عجزها عن الحرب , أي عجزها عن الكره . فطالما أن في أمريكا شيء من عنفوان القوة ستظل غارقة في حبّ إسرائيل وفي كراهية من لا يشاركها في هذا الحب .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية