تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


ملامح روائية في دراما التلفزيون

ملحق ثقافي
23-8-2011
أحمد الخليل:نظر الكثيرون إلى علاقة المسلسل التلفزيوني بالرواية وعدّوه رواية مشخصة أمام الكاميرا، مستشهدين بالمقطع الزمني للمسلسل وشخصياته المتعددة وما تمثله من فئات اجتماعية وصراعات.

ويقيس هؤلاء مفهوم المسلسل على الراوية من حيث هي: «قصة نثرية طويلة ذات حبكة تتكشف من خلال أعمال شخصياتها أو أقوالهم أو أفكارهم تعنى عادة بتحليل النفس البشرية ونقد الأوضاع الاجتماعية، والرواية عمل فني يعتمد على عنصر الحكاية التي لها بداية ووسط ونهاية تبدأ الحكاية بداية مشوقة ثم تتوالى الأحداث ويتأزم الصراع ثم تبدأ العقدة تنكشف حتى تصل إلى النهاية وأطلق عليها النقاد لحظة التنوير».‏‏

‏‏

فالمسلسل إذاً يشبه الرواية في عناصره، لكنه يختلف عنها في تقنيات السرد ومجال الحرية المفتوح أمام الروائي والمغلق أمام كاتب السيناريو، إضافة لاختلاف هام وهو إلغاء دور الخيال في المشاركة في أحداث وشخصيات الرواية والتفاعل معها أثناء القراءة، بينما يختلف تماماً شرط المشاهدة عن شرط القراءة كفعل فردي مكمل للفعل الإبداعي الذي هو الرواية. والبعض ينظر إلى كاتب السيناريو كمحترف لمهنة أكثر من كونه مبدع؛ فهو خاضع لمقاييس جهاز التلفزيون كجهاز إعلامي يرتبط بالمصالح السياسية، وما المسلسل إلا حامل فني لفكر هذا الجهاز وشركات الإعلانات التي تمنح المسلسل أهميته لكونه حاملاً لسياسة الترويج والاستهلاك وأفكار منتجي السلع وأصحاب المصالح الاقتصادية. لكن أهمية التلفزيون تأتي لكونه لا يحتاج إلى جهد للمتابعة أو ثقافة معينة أو حتى تعليم، فالجميع يشاهد التلفزيون ويتلقى أفكاره وبرامجه. من هنا يأتي إغراؤه للكتاب وبعض الروائيين إن كان من الناحية المادية أو الانتشار وإيصال فكر الكتاب. فمهما كان الكاتب شهيراً قد لا يجد إلا بضع آلاف من القراء يهتمون به، بينما أي عمل تلفزيوني ومهما كان وضيعاً أو رديئاً كمنتج فني يتابعه جمهور بالملايين!!‏‏

‏‏

الرواية التلفزيونية!!‏‏

ومن أهم الكتاب الذين حاولوا التقريب بين الرواية والمسلسل الكاتب المصري أسامة أنور عكاشة الذي بدأ قاصاً ثم اتجه كلياً إلى التلفزيون. وفي تجربته المرئية يصر عكاشة على أن يكون «نصه التلفزيوني» نصاً أدبياً رفيعاً، وليس مجرد ورق للتمثيل والتصوير، وبعدها مصيره إلى العدم كما كان يقول، ومعروف عنه عدم قبوله بتغيير أي حرف من نصه بعد بروفة الطاولة التي يحضرها مع المخرج والممثلين. وإصراره على وصف أعماله بأنها «رواية تلفزيونية» وليست مسلسلاً. وهو أول كاتب درامي يطبع سيناريو مسلسله في كتاب وهو «ليالي الحلمية»، فلقد كان مقتنعاً أن نصه المرئي ينتمي إلى نصوص محفوظ وتولستوي وتشيخوف.‏‏

ويعتبر النقاد أن نص عكاشة يختلف عن نصوص كتاب السيناريو الآخرين بسطوة الملامح الروائية مثل النفس الملحمي كما في «الشهد والدموع» بجزأيه، و»ليالي الحلمية» بأجزائه الخمسة، وصولاً إلى آخر أعماله «المصراوية». فهو لا يسرد حكاية تقليدية عن الثأر والزواج والطلاق وثراء أحد الأشخاص فجأة، بل يؤرخ بالصورة لوطن بكامله، لمدينة، لطبقة اجتماعية تتآكل، فالنفس الملحمي في مسلسلاته بما يقتضيه من امتداد سردي معقد، يقتضي وعياً هائلاً بجدلية الزمان والمكان، وبالتغيرات العميقة التي تنتاب الشخصيات، وقدرة على استشراف المستقبل.‏‏

‏‏

أدباء وروائيون في التلفزيون‏‏

وفي هذا المنحى يقول الروائي وكاتب السيناريو نهاد سيريس الذي قدم للتلفزيون أعمالاً مهمة جداً «خان الحرير والثريا»: «لم يعد المسلسل التلفزيوني يكتفي بضيق القصة الأدبية ولا بالصراع الدرامي المسرحي المحدود، فالرحابة التي تتيحه تعدد الحلقات والإمكانية غير المحدودة للكاميرا المحمولة تجعلان من الضروري تنويع الأشكال الأدبية التي يستفيد منها نص المسلسل لكي يستقيم. من هنا تأتي الأهمية القصوى للرواية الأدبية لكي يضعها الكاتب الدرامي نصب عينيه حين يشرع في الكتابة...».‏‏

والرواية الأدبية تقدم «حسب سيريس» أهم خصائصها للرواية التلفزيونية، ألا وهو صوت الشخصية الذي يميزها عن باقي الشخصيات. إن صوت الشخصية يحدد مكانها في هذا النسيج المعقد. إنه مثل الإحداثيات التي تحدد توضع نقطة ما في الفراغ العام وبدون هذه الإحداثيات تفقد النقطة خصائصها «ووجودها» مثلما تفقد الشخصية سماتها وبالتالي مبرر وجودها».‏‏

في بداية انتشار التلفزيون تبرم الكتاب والروائيون منه وعدوه عدواً للإبداع، لكن مع تكرسه في المجتمع وتأثيره المذهل في الرأي العام، بدأ الأدباء يغيرون من قناعاتهم ويدخلون تباعاً إلى هذا الجهاز. ومن أوائل الكتاب اللذين كتبوا للتلفزيون الراحل عبد العزيز هلال، حيث قدم عدة أعمال للتلفزيون، وكان قد بدأ بكتابة القصة القصيرة في نهاية الأربعينيات «بدأ هلال بالكتابة للتلفزيون منذ الستينيات»، وتعزز مكانه ككاتب في فترة تأسيس الدراما التلفزيونية السورية في السبعينيات «أسعد الوراق» 1975 وسلسلة سيرة بني هلال التي أخرجها علاء الدين كوكش «الأميرة الخضراء، الأميرة الشماء، الزيناتي خليفة، جابر وجبير، ودليلة والزيبق» الذي أخرجه الراحل شكيب غنام أنتج في الأردن 1974 ‏وفي عام 1978 كتب مسلسل «الاختيار» المقتبس من رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسي الشهير دستويفسكي، ثم كتب مسلسل «المجنون طليقاً» الذي أنتجه التلفزيون العربي السوري 1986 كما كتب مسلسل «الأجنحة»، ومسلسل «الهجرة إلى الوطن» وأخرج له المخرج مأمون البني 1996 مسلسله الأخير «المهر الدامي»، و كان آخر ما أنجزه في الفترة الأخيرة من حياته مسلسلاً تلفزيونياً بعنوان «البصير»، ولكنه لم ينتج حتى الآن.‏‏

‏‏

ثم جاء الكاتب الكبير الراحل ممدوح عدوان الذي قال: يجب عدم تجاهل التلفزيون والعمل من خلاله. ومعروف عن الراحل عدوان قيامه بكتابة عدة سيناريوهات مأخوذة عن أعمال أدبية عالمية منها «اللوحة الناقصة» و»جريمة في الذاكرة» و»اختفاء رجل»، وهي أعمال مأخوذة من روايات أجاثا كريستي و»شبكة العنكبوت» ورواية «الضغينة والهوى» للروائي فواز حداد و حمل المسلسل عنوان «الدوامة» وهناك سيناريو جاهز عن روايته «أعدائي».‏‏

ومن التجارب الأدبية المهمة والتي شكلت نقطة تحول في الدراما السورية رواية «نهاية رجل شجاع» للكاتب الكبير حنا مينه التي حولها الكاتب حسن م يوسف إلى سيناريو تلفزيوني بنفس الاسم ولاقى المسلسل حين عرضه 1993 متابعة كبيرة جداً.‏‏

ومن التجارب المهمة أيضاً على صعيد دراما التلفزيون تجربة الروائي خيري الذهبي الذي قدم العشرات من الأعمال التلفزيونية والإذاعية: «مسلسلي ملكوت البسطاء والشطار» من إخراج سليم صبري، طائر الأيام، والوحش والمصباح، إخراج علاء الدين كوكش، أبو حيان التوحيدي إخراج صلاح أبو هنود، البناء 22 إخراج هشام شربتجي، لك يا شام إخراج: غسان جبري، مخالب الياسمين، ووردة لخريف العمر ورقصة الحبارى إخراج يوسف رزق، حسيبة إخراج: عزمي مصطفى «أبو خليل القباني، إخراج إيناس حقي».‏‏

وقدم منذ سنتين مسلسل «باب المقام» للكاتب والأديب وليد إخلاصي أخرجه فهد ميري، وفي الموسم الأخير عرضت عدة مسلسلات مأخوذة عن أعمال روائية أبرزها مسلسل «ذاكرة الجسد» المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي كتب له ريم حنا السيناريو وأخرجه نجدة أنزور ومسلسل «أسعد الوراق» المستقى من رواية «الله والفقر» للكاتب الراحل صدقي إسماعيل كتب له هوزان عكو السيناريو وأخرجته رشا شربتجي.‏‏

ومن التجارب الشابة الملفتة في الكتابة التلفزيونية تجربة الروائي خالد خليفة «سيرة آل الجلالي» و»زمن الخوف»، «الوردة الأخيرة» وهدوء نسبي.. وتجربة الروائي فادي قوشقجي «عن الخوف والعزلة، وليس سرابا، وتعب المشوار».‏‏

ملامح روائية في موسم 2011‏‏

من الأعمال التي تعرض في هذا الشهر وتحاول الاقتراب من الأجواء الرواية من حيث الشخصيات والزمان والمكان والحكاية والحبكة يأتي مسلسل «الغفران» للكاتب حسن سامي اليوسف والمخرج حاتم علي، والعمل حكاية حب رومانسية مأخوذة عن رواية «الحب والفراق» ويروي قصة حب رومانسية بمستوى أدبي راق، الحب يجمع بين «عزة وأمجد» اللذين التقيا على أكثر من صعيد، واتحدت آمالهما وجهودهما لإقامة أسرة سعيدة، غير أن هذا الحب القادم من روح أزمنة أخرى، لا يلبث أن يهتز تحت ضربات زلزالية غير متوقعة!! فإذا به يتحول إلى حكاية فراق لا مهرب منه. ومن خلال تلك الحكاية الرومانسية يحاول المسلسل الإجابة عن الكثير من الأسئلة حول السعادة؟ وأين تكمن عناصرها؟ وكيف يمكن الحصول عليها بأقل قدر ممكن من الخسائر؟‏‏

مسلسل «تعب المشوار» والذي تأجل عرضه، قصة وسيناريو الكاتب فادي قوشقجي وإخراج سيف الدين سبيعي، ويتناول المسلسل حالة «التعب» التي تعتري العلاقات المعاصرة بين أفراد مجتمع ينهكه ما تراكم على كاهله من نكسات ونكبات وهزائم، فصار يفتقد إلى حلم واضح، ويتحدث المسلسل عن شبكة واسعة جداً من العلاقات الاجتماعية الشديدة المعاصرة، تدور في غالبيتها في إطار الطبقة الوسطى، وفي إطار صراعاتها تبدو هذه الشخصيات ممزقة أحياناً بين الأصالة بما تمثله من قيم وسلوكيات يحرص الكثير من أبناء مجتمعنا على المحافظة عليها، وبين الحداثة التي يخشى منها الكثيرون خوفاً على أخلاق المجتمع، وحرصاً على خصوصيته وهويته.‏‏

مسلسل «الولادة من الخاصرة»: تأليف الشاعر والصحفي سامر رضوان، وإخراج رشا شربتجي، وتدور أحداث المسلسل حول أشخاص من طبقات مختلفة، ولكلٍ من أولئك الأشخاص ظروف نشأتهم خاصة، ويعاني معظمهم حالات مختلفة من الخوف المرضي، ويرصد العمل الفرق الهائل في طبيعة الحياة بين الفقير والغني، والتناقضات التي تعيشها شخصيات السلطة والمال في مجتمعنا، وذلك عبر مسيرة ثلاث عائلات: عائلة جابر التي تعيش في العشوائيات، وعائلة رؤوف ضابط المخابرات الذي تسيطر عليه شهوة الانتقام من المجتمع لكونه عاش طفولة قاسية جداً، وعائلة واصل صاحب معمل الألبسة. والمسلسل يتعمق في تقصي أسباب العنف في المجتمع ويرصد تركيبة بعض الفئات النفسية والسياسية ودورها في تفسخ النسيج الاجتماعي.‏‏

مسلسل ســوق الورق تأليف آراء الجرماني وإخراج أحمد إبراهيم أحمد يسلط العمل الضوء على حياة مجموعة من طلاب الجامعة ومشاكلهم ودور الانترنيت والفيس بوك بتغيير سلوكهم وطريقة تعاطيهم مع الآخر إلى جانب تطرقه الأساسي لمحور الفساد الإداري في الجامعات والفساد العلمي من خلال رسائل الدكتوراه، وتسلط أبناء المسؤولين على الآخرين وتهتكهم الأخلاقي وعرضه لبنية اجتماعية متفسخة حاكمها ما يريده المجتمع وناظمها التمتع بالمظاهر وهمها إبقاء عيوبها في العتمة الذاتية والأسرية.‏‏

مسلسل «في حضرة الغياب» ويجسد العمل سيرة الشاعر الكبير الراحل محمود درويش «2008»، عن نص للكاتب حسن. م. يوسف، وإخراج نجدة أنزور والعمل الذي أثار جدلاً واسعاً منذ حلقته الأولى وخاصة أداء فراس إبراهيم مجسداً شخصية محمود درويش يسرد مقاطع من السيرة الذاتية لأهم شعراء العرب المعاصرين منذ طفولته في فلسطين إلى خروجه منها إلى المنافي مروراً بقصة حبه الشهيرة بالفتاة اليهودية «ريتا» وعلاقاته مع شعراء جيله وعلاقاته النضالية والإنسانية داخل وخارج الأراضي المحتلة ضمن سياق روائي يكثف مراحل مهمة من حياة محمود درويش ومن مراحل القضية الفلسطينية عبر موشور الشاعر وإبداعه حيث الجدلية القائمة بين الخاص والعام.‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية