تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


د.محمد توفيق البجيرمي: سورية.. حملت الهم القومي وصانت كرامة الأمة...الإعلام السوري يقفز قفزات جيدة...دور النشر تعمل بعقلية تجارية

في منازلهم
الخميس 9-2-2012
عمار النعمة - هناء الدويري

«تأمل يا رعاك الله» عبارة رددها بصوته المتميز الأجش فكان وقعها علينا كبيراً وهي حتى الآن لا تزال دامغة في ذاكرتنا.

قبل اللقاء قد تحسبه مغروراً، ما لم تقترب منه وتحاوره، سيصبح ما تحسبه غرورا في الرجل مودة من نوع خاص تأخذ شكل الإعجاب بدماثته وعفويته في الكلام.‏‏

هو مربٍ للأجيال.. درّس في جامعات القطر العربي السوري حتى سن التقاعد, قام بترجمة أكثر من 1٣ كتاباً إلى العربية من اللغة الانكليزية، وعلى الرغم من تقاعده فإن جعبته لا تزال مليئة بالعلم والمعرفة التي اكتسبها عبر السنين الطويلة من الكدّ والتعب.‏‏

الثورة التقت د.محمد توفيق البجيرمي في منزله وكان اللقاء التالي:‏‏

- هل لك أن تقدم لنا لمحة عن حياتك وماذا عن البدايات؟‏‏

-- أنا من مواليد 1938ولدت في قرية اجزم التي تبعد 25كم جنوب شرقي حيفا، وعدد سكانها في عام 1948 كان 5000 آلاف، هذه القرية ومعها قريتان قطعن خط حيفا- يافا على العدو الصهيوني وقد دحرنا سيارات العدو وغنمنا منها مدرعتين وقافلة من الأغذية قمنا بتوزيعها على أهالي القرى.‏‏

حيفا التي هي مركز اللواء سقطت في 22 نيسان, وبقيت تقاوم حتى 27 تموز عندما انتهت الذخيرة من المقاومين الفلسطينيين, وكان يومها أقرب جيش لنا هو الجيش العراقي فالجيش العراقي الذي كنا نتحدث معه عن طريق اللاسلكي كان يقول سنكون عندكم ولكنه لم يأت على الإطلاق، وقد علمنا أن «عمر علي» قائد هذه القوات التي دحرت اليهود في جنين وخسّرتهم 150 قتيلاً، قال:(أريد أن اتغدى في حيفا فقالوا له إذا تغديت في حيفا فسيتعشى الانكليز في بغداد).‏‏

خرج الرجال القادرون على حمل السلاح سيراً على الأقدام حتى وصلوا إلى جنين، أما نحن وقد كان عمري آنذاك 10 سنوات فجاءت «باصات» الصهاينة ونقلتنا إلى قرية اسمها الليجون ومشينا وكان الرصاص فوق رأسنا حتى وصلنا إلى جنين فالتقينا رجالنا وآباءنا وأصبحنا نحن بالنسبة للجيش العراقي المقيم هناك عنصر شغب لأننا قلنا إن الجيش العراقي باعنا ولم يُنجدنا،‏

وبالتالي «شُفطنا» إلى العراق في شهر آب عام 1948.‏‏

أثناء دراستي في الصف الرابع كان هناك تركيز شديد على موضوع تدريس اللغة الانجليزية، فقد كنا ندرسها لفترة تمتد إلى ثماني ساعات أسبوعياً، بينما تم تخصيص ست ساعات فقط لدراسة اللغة العربية,أنهيت دراسة الأدب الإنكليزي وتخرجت عام 1960 وكان معدلي 83 % وكان من المفترض بهذا المعدل أن أٌوفد إلى انكلترا ولكن دولة العراق لم تكن تعامل الفلسطينيين كالعراقيين فلم يوفدني.‏‏

درست سنة واحدة في كلية الهندسة كمعيد وبعد ذلك احضروا عراقيا ولم يجددوا لي عقدي، وآنذاك التلفزيون العراقي كان بحاجة إلى مترجمين فتقدمت إلى المسابقة ونجحت في الاختبار وتم تعييّني بأجور يومية أي ليس لي تقاعد أو تثبيت، فبدأت بالترجمة من 1961 إلى 1964 وفي نهاية 1963 جلبوا لي ثلاثة عراقيين فدربتهم على الترجمة وخاصة الأخبار، ولما بدؤوا يتقنوا الترجمة أُلغي عقدي وعملي أيضاً، وبعد ثلاثة أيام من ذلك اعتقلت وكان من الواضح أن هناك دسيسة في مكان ما, وقد اُعتبرت شخصاً غير مرغوب به في العراق، فتم تسفيري إلى سورية.‏‏

في سورية عشت حياة كريمة، وقد رحبت بي, واعتبرتني لاجئاً سياسياً, فهي البلد الذي يحمل الهم القومي للأمة العربية بأكملها, كما لقيت معاملة حسنة جداً فيها.‏‏

عُينت أستاذاً للغة الانكليزية في المعهد الصناعي الذي تحول عام 1964 إلى كلية الهندسة الكهربائية والميكانيكية، فدرست سنتين وفي ذاك الوقت أي في عام 1966 كان تلفزيون دمشق بحاجة إلى مترجمين فقدمت طلباً وعينت محرراً ومترجماً للأخبار واشتغلت في التلفزيون العربي السوري حتى عام 1968 وفي هذا العام قالت كلية الآداب أنها بحاجة لمعيدين كي يوفدوا إلى انكلترا وبالفعل أوفدت إلى انكلترا في عام 1971 وعدت في عام 1980 وكان بإمكاني أن أذهب إلى الخليج لكي أدرّس, ولكن هناك شيئاً اسمه الوفاء للبلد الذي أوفدني, رغم أنني لا يحق لي أن أُعامل كسوري ومع ذلك تم تسفيري.‏‏

درّست في جامعات الجمهورية العربية السورية عشرين عاماً حتى عام 2000 واختصاصي الدقيق كان هو الشعر ومع ذلك عُوملت كأنني «جوكر» في قسم اللغة الانكليزية بمعنى كل مادة لا يوجد لديها مدرّس كانوا يقولون ستدرسّها، فدرّست شعر ونقد أدبي وترجمة وأدب مقارن وأدب أميركي في جامعات القطر.‏‏

- ترجمت سيرة حياة مجموعة من الشخصيات السياسية ما أهم ما ترجمته ؟‏‏

-- الترجمة بدأت بها منذ أن كنت أدرس الأدب الإنكليزي, فكان هناك كتب ونصوص انكليزية مقررة كنت أقوم بترجمتها, لا بل ذهبت إلى كلية الحقوق وأخذت منهم الكتب والنصوص وترجمتها لهم, وهذا وسّع آفاقي وجعلني أمارس عملية الترجمة، وقد اتضح لي أن أجور الترجمة مرتفعة بشكل جيد جداً ولهذا السبب ترجمت العديد من الكتب.‏‏

لدي العديد من الكتب كان من أهمها:‏‏

حافظ الأسد والصراع على الشرق الأوسط تأليف باتركسيل.‏‏

عام 1986 رحلة الشاه الأخيرة تأليف وليام شوكروس.‏‏

1989 أبو نضال: بندقية للإيجار تأليف باتركسيل.‏‏

1994 كتيب بعنوان التنمية البشرية المستدامة لصالح اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا إسكوا.‏‏

كتب عن التطورات المالية في الخليج في التسعينات لصالح الاسكوا...الخ.‏‏

وفي عام 2000 ترجمت إلى اللغة العربية كتاب كيف تمسك بالزمام تأليف روبرت غرين.‏‏

وفي عام 2001 ترجمت إلى الانكليزية كتاب هل اليهودية التلمودية دين؟ تأليف الدكتور سامي عصاصة.‏‏

ترجمت إلى الانكليزية قصة أنثى العنكبوت تأليف الأديبة السعودية قماشة العليان.‏‏

وغير ذلك الكثير.‏‏

- ما رأيك بالمترجمين اليوم ؟‏‏

-- يعاني المترجمون في الوقت الحالي من مشكلتين:‏‏

الأولى أنهم مستعجلون من جهة، والثانية أنهم لايتقنون اللغة العربية بشكل جيد ويخطئون فيها، ولذلك أقول من يريد أن يترجم يجب أن يتقن اللغتين العربية والانكليزية بشكل جيد وبالتالي يجب أن يتعلموا المشي ثم الركض ثم الطيران، ولكن هم يريدون تعلم الطيران فوراً!!‏‏

- هل تؤيد الترجمة الحرفية للكتاب ولاسيما أن بعض المترجمين يجرون بعض التعديل على القصة ؟‏‏

-- ليس من الضروري أن تكون الترجمة حرفية، وأنا عادة أسأل طلابي كيف نحكم على الترجمة أنها جيدة أو غير جيدة ؟, إذا ظن القارئ أنها ليست ترجمة وإنما تأليف وكانت لغتها سليمة فهي ترجمة جيدة, وإذا عرف القارئ أنها منقولة عن نص آخر عن لغة أخرى فلا تكون الترجمة جيدة، بمعنى عليك أن تتعامل مع النص بمرونة وإذا كان هناك بالإمكان الترجمة حرفياً فلا بأس لان هذا يعطيك ترجمة حرفية ودقيقة, وإذا كان هناك بالإمكان أن تضع شيئاً من التفسير لا يتجاوز الحدّ فضعه، ولا تأخذ حريتك أكثر من اللازم.‏‏

- تجربتك في الترجمة لم تتناول الكتب التاريخية أو الموروثات العربية والإسلامية لماذا....؟!‏‏

-- لم أفكر في ذلك لسبب بسيط وهو أن على دار النشر أن تكون مستعدة لتشتري منك الكتاب وتعرف أن فيه ربحا ومردودا ماديا وإمكانية بيع، ولهذا السبب كنت اعتمد على دار النشر في اختيار الكتاب المراد ترجمته.‏‏

- هل هذا يعني أن كتب التاريخ والفكر غير مرغوب فيها في دور النشر....!؟‏‏

-- ليس هذا فقط..لان دور النشر عقليتها عقلية تجارية لاتهتم بموضوع النشر الثقافي والعلم والأدب والمعرفة، تهتم لفكرة هل هذا الكتاب يباع ويقدم مردودا ماديا، ويمكن لكتاب يهتم بالنكات السخيفة أن يأخذ حيزا عند دور النشر أكثر من كتاب علمي رصين ورزين ويتحدث بأسلوب عميق، وبالتالي يعمدون إلى ترجمة كتاب النكات بدلا من الكتب العميقة.‏‏

- كيف تنظر للكتب المترجمة الموجودة في الأسواق !؟‏‏

-- أتابعها وأجد فيها أخطاء كثيرة في اللغة العربية، من المفترض أن يكون لكل دار نشر مدقق لغوي يصحح هذه الأخطاء وينقحها...‏‏

- الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية قليلة جدا، ونفتقرها في كثير من الأحيان لماذا برأيك ؟! وبخاصة أن موروثنا العربي الفكري والتاريخي والثقافي يسرق ويسلب، كيف يمكن للترجمة أن تحافظ عليه...؟!‏‏

-- اعتقد أن هذا يمكن أن تتبناه وتتولاه مؤسسات متنوعة وليس أفراداً فقط، وأن يكون هنالك الكثير من أصحاب الأموال وفاعلي الخير يقدموا أمولاً لتبني هذه المهمة، حتى ولو كانت خاسرة تجاريا ولكنها رابحة معنويا وفكريا وثقافيا وإعلاميا ولا يمكن أن تنتشر في الغرب بشكل سريع، وخاصة وان هنالك نوعاً من الاهتمام في الإسلام و الفكر الإسلامي، و هذا الاهتمام ليس من حيث العقلية الاستعمارية فقط، و إنما هنالك اهتمام ثقافي يجب أن نروي ظمأ هذا الاهتمام الثقافي الأجنبي الغربي بالفكر العربي و الإسلامي و بتاريخنا و أدبنا، و هذا يمكن أن تتبناه و تتولاه مؤسسات تتناول النقاط المضيئة و الرائعة في تراثنا الخصب و الغني و تبدأ بترجمته إلى اللغات الأجنبية بغض النظر عن الربح التجاري و التوزيع الكبير...‏‏

- ترجمت في القضايا الدولية و المحلية و بالسياسة، هل أعطاك هذا العمل فهماً عميقاً للسياسة ؟ !‏‏

-- هذا أعطاني نوعاً من الإطلالة على ثقافات الشعوب الأخرى و على طرق تفكيرها و على ميول أهلها و على ميول حكامها بنفس الوقت، نوعاً ما يجعلني أستخدم القاموس بشكل منظم و بشكل منهجي هو الذي يوسع آفاقي ومعرفتي خاصة و أن اختصاصي أدبي و رغم ذلك استطعت الترجمة في المواضيع الطبية و استعملت القاموس و هذا يوسع آفاقي...‏‏

- هل الترجمة إعادة إبداع...!؟ و هل تفكر في مشروع خاص ؟!‏‏

-- المترجم يمكن أن يكون مبدعاً، و أفكر في تأليف كتب عن المواضيع و التأثيرات العربية و الإسلامية في الأدب الانكليزي و الأميركي و لدي مراجع، لكن ليس لدي من يتبنى هذه الفكرة لينشرها على شكل كتب لأن عقلية دور النشر هي عقلية تجارية و ربحية.‏‏

- عُرفت ببرنامج طرائف من العالم ماذا تخبرنا عنه ؟‏‏

-- عندما كنت في العراق قدمت برنامجاً مدته 5 دقائق في تلفزيون بغداد قبل أن أتي إلى سورية، وقد حصل ذلك عندما كنت أعمل في الإذاعة وكانت تأتينا أخبارغير سياسية، ويومها أطلقوا عليها في التلفزيون «نافذة على العالم», وحين بدأت أترجم هذه الأخبار بدأ المذيع الذي يريد أن يذيعها يشكو مني أنني كتبت كثيراً على مقطع قصير وبالتالي لم يستطع القراءة واللحاق بي، فقلت لمدير التلفزيون أنا أقرأ فقال: خذ البرنامج كله !!.‏‏

وحين أتيت إلى سورية جاءتني فكرة هذا البرنامج فأطلقت عليه اسم «طرائف من العالم» وهو برنامج أسبوعي بعكس ما كان في بغداد، وكانت مدته 20-25 دقيقة، كانت الأفلام تأتينا من الوكالات التي كان يشترك فيها التلفزيون السوري فأردت النص الذي كان يأتي مع الفيلم أن يخبرني «مين عم يعمل أيش عشان شو» بمعنى الأخبار الأساسية كنت أصيغها من تلقاء نفسي وأضع عليها بصمتي.‏‏

الكثير من الناس سرت بينهم جملة « فتأمل يا رعاك الله» وهذه الجملة ليست من تأليفي بل اقتبسناها من الجاحظ وهو عملاق من عمالقة الأدب العربي ويشرفني أن نستجدي منه بعض الجمل، والحمد لله أن البرنامج كان مُشاهد في معظم الدول العربية تقريباً.‏‏

- هل لديك فكرة جديدة عن برنامج ما ؟‏‏

-- حالياً فكرت ببرنامج والآن تمت الموافقة عليه وهو يحمل عنوان: (مآثر عربية) ويعتمد على أشياء مأخوذة من تاريخنا وتراثنا وأدبنا ولاسيما أن تاريخنا غني وخصب بالأشياء التي تعتبر من المأثورات فاللغة العربية هي أقدم لغات العالم وأغناها, وقد اعترفوا بها لغة سادسة في الأمم المتحدة ولم يعترفوا بالعبرية رغم النفوذ الصهيوني، والسبب بسيط وهو أن اللغة العبرية فقيرة جدا وقاحلة ولا يتحدث فيها سوى 14 مليوناً في كلّ الكرة الأرضية, أما اللغة العربية فهي غنية وخصبة ويتحدث بها 300 مليون عربي بالإضافة إلى أكثر من مليار.‏‏

- سأبقى ضمن إطار تجربتك الإعلامية التلفزيونية وبعد مسيرة تجاوزت الأربعين عاماً، ماالذي ينقص الإعلام المرئي في سورية ؟‏‏

-- ينقصه الكثير من الناس الذين يتقنون اللغة العربية، لأن هناك أخطاء في اللغة العربية، كما ينقصه الآلية الدقيقة للترجمة، لأننا حينما نترجم خبراً عن أي وكالة أنباء أجنبية أو محطة، لا نترجم بطريقة تنسجم مع مواقفنا بل نستخدم نفس المصطلحات الغربية مثلا: نقول (صرح نتنياهو أن بلاده...!؟) أي بلاد بلاده، هذه ليست بلاده، بل بلادنا المسلوبة، المنهوبة المغتصبة فلسطين.... وهنا يخطئ المترجم والمحرر والمذيع في نقل الخبر...‏‏

كما وعلينا أن نوجه خطاباً إلى البلاد الأجنبية باللغات الأجنبية وان نعين أناساً يتقنون اللغات الأجنبية وخاصة اللغات الثلاث / الانكليزية والفرنسية والاسبانية / ولابأس أن يكون عندنا أيضا برامج باللغة العبرية موجهة إلى الصهاينة أنفسهم لكي نفند لهم كل أكاذيبهم التي لاتنطلي علينا، هذا مجمل ما ينقص إعلامنا ولا تنقصه التكنولوجيا.....‏‏

- كيف تنظر إلى قانون الإعلام الجديد، والمجلس الوطني للإعلام..؟!‏‏

-- بدأ الإعلام السوري يقفز قفزات جيدة وهي الإسراع في الرد على كل الأخبار المفبركة والمصنعة والتي تضر بقضايانا والتي يعرض فيها مصنعوها تمنياتهم ولايعرضون الحقائق، يعرضون أمانيهم وأحلامهم، بدأنا نرد على هذه التخرصات بشكل جيد ولا بآس فيه، وهذه الردود يستحسن ألا تكون بالعربية فقط وإنما باللغات الأجنبية أيضا الموجهة إلى الخارج، وكان من المفترض أن يكون الكادر الإعلامي الذي يقوم بهذه المهمة مدربا منذ زمن طويل وليس الآن نعمل على تدريبهم...!؟‏‏

- هل تكفي جامعاتنا السورية لتعليم اللغات...؟!‏‏

-- مشكلة جامعاتنا في تعليم اللغة وأنا درست في الجامعات، حينما يكون عندي خمسمئة طالب في القاعة الواحدة، كيف يمكن لهؤلاء أن يستفيدوا مني، وأحياناً يكون الميكرفون في المحاضرة يعمل ومعظم الأحيان لايعمل، أنا لدي صوت جهوري يمكن أن يسمعني الطلاب... لكن غيري من المدرسات الإناث كيف يمكن لهن أن يصل صوتهن للخمسمئة طالب وطالبة...؟! وكيف يمكن أن يستفيد الطالب مع كل هذه الأعداد.. خاصة وأن هنالك إقبالا على اللغات الأجنبية نظراً لكونها تعطي نوعا من الآفاق الجديدة وفرص العمل الجديدة... وهذا يتطلب عددا اكبر من الأساتذة والمدرسين لكي يهتموا بهم ويقدموا لهم كل شيء وتجربتي على مدار سنتين في كلية الهندسة الميكانيكيةوالكهربائية من انجح التجارب لان عدد الطلاب حينها لم يتجاوز العشرين طالبا في الصف، وهذا العدد نموذجي، استطعت أن أعطيه اللغة بشكل جيد، لأنني استطعت أن ألاحظ نقاط ضعفه وأقويها لدرجة أن احد هؤلاء الطلاب وبعد عشرين عاما استطعت أن أتذكره في جامعة البعث... والذي أتى ليشكرني على تعلمه اللغة بشكل جيد في ذلك الوقت...!...؟ شعرت دفئاً في أعماقي وأن تعبي لم يذهب سدى والنموذجية في العدد والإعطاء لم تذهب سدى...‏‏

- إلى أي حد نفتقد لمراكز البحث العلمي التي يمكن أن تتبنى مشروعك هذا وغيره من المشاريع؟‏‏

-- نعم نفتقد لذلك، لأننا بحاجة إلى مراجع ومختبرات، و مشكلتنا أننا نطرد الإنسان بعد أن يصل إلى مرحلة عمرية متقدمة من العمل والخبرة، بدلاً من أن نستعين به كمستشار ونضع تحت يديه عدداً من الطلبة ليستفيدوا من خبرته، عادة نجد في الغرب أناساً تجاوزوا التسعين عاماً لا يزالون يعطون و يقدمون و يعينون مستشارين في المؤسسات والوزارات...‏‏

- من خلال ترجمتك لكتاب (مفارقة القوة الأميركية) هل تجد أن السياسة الأميركية تغيرت أو تبدلت..!؟‏‏

-- لم تتغير أو تتبدل.. لنأخذ فترة الخمسينيات مثلاً كانت أميركا والاستعمار الغربي الذي زرعت الكيان الصهيوني الإسرائيلي في فلسطين، يقولون في أقل من جيلين، أي في جيل و نصف ينسى العرب فلسطين، نحن الآن في الجيل الرابع بعد نكبة فلسطين و لم ينس أي جيل فلسطين، لأن كل جيل يرضع حب فلسطين مع حليب أمه و كانوا في ذلك الوقت يقولون عدوكم يا عرب هو الاتحاد السوفييتي، تعالوا لنعمل ضدّه أحلاف...!‏‏

لكن العرب لم يرضوا بذلك و سقط وقتها حلف بغداد عام/1958/، ولنلاحظ الآن ما يجري، يقولون عدوكم الآن يا عرب هو إيران تعالوا لنعمل ضده أحلاف نفس العقلية تتكرر، وهي تهميش القضية الفلسطينية ومحاولة إبعادها عن الرأي العام وعن مراكز الساحة واهتمام الرأي العام العربي والعلمي بالقضية وهذا كله يمكن العودة به إلى عام 1907 حتى قبل وعد بلفور في عام /1905/ كان هنالك نائب بريطاني في مجلس العموم اسمه /هربرت صموئيل / اقترح على مجلس العموم، لماذا لا نزرع في فلسطين ثلاثة ملايين أو خمسة ملايين يهودي وبذلك يكون إلى جانب قناة السويس التي قواعدنا فيها دولة صديقة لبريطانيا، في عام /1920/بعد أن احتل الانكليز فلسطين وأحضروا /هربرت صموئيل/ نفسه وقالوا: أنت اقترحت على الورق عام /1905/ أن نزرع في فلسطين كذا يهودي تعال وكن مندوباً سامياً على فلسطين وطبق عمليا»‏‏

فبدأ بالتطبيق وبدؤوا باستيراد الصهاينة بعشرات الآلاف من شتى أنحاء العالم، هذه واحدة..‏‏

وثانياً: في عام /1907/ عندما كانت أوروبا منقسمة إلى معسكريين احدهما تتزعمه بريطانيا والآخر تتزعمه ألمانيا، عقدوا مؤتمرا علميا في لندن وليس سياسيا وإنما علميا من العلماء المختصين في التاريخ والآثار والزراعة والنفط، وكان حينها رئيس الوزراء البريطاني /كاميل بنرمان/ من حزب الأحرار، خطب في هذا المؤتمر بالعلماء الذين كانوا من بريطانيا وحليفتها فرنسا وبلجيكا وهولندا والبرتغال، وطلب منهم أن يدرسوا أسباب سقوط الإمبراطوريات السابقة حتى نتمكن من تجنب سقوطها الآن لأن كل مواردنا في المستعمرات وراء البحار، درسوا العلماء وقدموا تقريراً بسيطا جدا يقول: درسنا تاريخ الإمبراطوريات السابقة ووجدنا أنها نشأت وكبرت وازدهرت وتوسعت ثم تقلصت وتلاشت وتفككت وانتهت كلها على حوض الأبيض المتوسط فمن يستطع أن يسيطر على هذا البحر يمكنه أن يسيطر على العالم بكامله ومن يعش على حوض الأبيض المتوسط ؟!‏‏

نحن الأوروبيين من الشمال، ومن الشرق ومن الجنوب فهناك العرب، لذلك نوصي بأن يبقى هؤلاء العرب جهلة ومتخلفين وفقراء ومقتتلين فيما بينهم، وحتى هذا لا يكفي، فقد يتحدون ويغلقون علينا طرق مستعمراتنا إلى ما وراء البحار، ولذلك يجب أن يزرع في وسطهم جسم بشري غريب يعمل عمل الاسفنجة يمتص كل جهودهم هذا الكلام كله في عام /1907/ وبموجبه نفذ سايكس بيكو وبموجبه نفذت وعد بلفور وبموجبه صار العدوان الثلاثي على مصر عام /1956/، والتقرير بقي سرا ستين عاما من عام /1907/وحتى عام /1967/ ؟، وقاموا بكشفه عام /1967/عندما دحرنا في النكسة.‏‏

- ترجمت كتابا بعنوان /كيف تمسك بزمام القوة / وما نريده كيف نمسك من وجهة نظر البجيرمي بزمام القوة..؟!‏‏

-- هناك أشياء هامة جدا يمكن أن يقوم بها الإنسان ليمتلك زمام الأمور أولها توسيع مداركه بشكل مستمر، وثانيا عليه أن يخاطب الناس بما يفهموه وبشكل مباشر وبشكل يرسخ الفكرة في أذهانهم، وعليه أن يكسب صداقة هؤلاء الناس وان يحاول أن يفند أي تخرصات حول تاريخه وحول أدبه وحول شعبه وحول قضاياه، يعني مثلا في انكلترا كنا نقوم بمحاضرات عن القضية الفلسطينية للطلاب الانكليز وللطلاب الأجانب الدارسين معنا من دول أخرى، وكنا نعرف انه سيأتي صهاينة إلى هذه المحاضرات وأنهم سيسألوننا أسئلة استفزازية ففي هذه الحالة يجب أن يكون لدى الإنسان شيئان مهمان، الأولى أن يمنع الشغب وضرب الكراسي ويمنع الاقتتال داخل القاعة، لأنها قاعات كبيرة تابعة لاتحاد الطلبة وهذه الحاجة كنا نلبيها عن طريق الأخوة الطلبة العراقيين ونوقفهم في الأماكن الحساسة من القاعة ليتولوا الأمور عند ضرب الكراسي، والأمر الثاني ألا ينفعل الإنسان الذي سيخطب أو يلقي محاضرة أو عندما يتحدث عن القضية، وان يكون لديه المعلومات الكافية لكي يجيب على كل الأسئلة، فكان الصهاينة بالفعل يحضرون ويسألون أسئلتهم الاستفزازية، وبالتأكيد يوجد لدي إجابة عن كل سؤال يطرحونه، وبلغة هادئة وبلغة عقلانية ومنطقية وبلغة الأرقام والوقائع والتواريخ.‏‏

يحاولون إثارة الفوضى وضرب الكراسي لكن لايستطيعون بفضل وجود العراقيين، وفي النهاية عندما يعجزون يقولون بالحرف /تفوه عليكم يا فلسطينيين تتكاثرون زي الذباب / التفت مباشرة لكل الحاضرين من عرب وأجانب وأقول لهم هل هذا نقاش موضوعي وهادئ وعلمي أم شتائم عاطفية، هل جئنا للشتائم العاطفية، وعندما يبدأ التصويت الجميع يصوّت لنا ولقضيتنا، المهم من هذه التجربة هو أن برودة الأعصاب والنقاش بهدوء هو ما يوصلنا إلى حقنا وما نريد قوله وفعله.‏‏

أذكر عندما حصل العدوان الثلاثي على مصر لخصت مجلة الاكونوميست البريطانية على العدوان على مصر عام /1958/ وكان انطوني ايدن هو رئيس الوزراء حينها بجملة واحدة فقط تقول: /ذهب ايدن إلى مصر ليحطم عبد الناصر ويعزز مواقعنا الانكليزية في قناة السويس، فحطم مواقعنا الانكليزية في قناة السويس وعزز عبد الناصر /‏‏

- تجربتك في التمثيل ماذا عنها..!‏‏

-- كنت أمثل عندما كنت في الثانوية والجامعة، وفي التلفزيون كانت بمحض الصدفة، ألف الأستاذ ياسر المالح ثلاثين حلقة عن البخلاء للجاحظ، ومدير الإذاعة والتلفزيون يومها أخبر المالح أن الجاحظ عندي أي من يمكن أن يؤدي هذا الدور،وبا لفعل قابلت الأستاذ ياسر المالح وأعجبتني المسرحيات التي كتبها منقولة من كتاب البخلاء, والماكيير عندما كان يريد أن يحضرني الدور ويضع لي الماكياج، الجحوظ كان موجوداً و لم يكن الأمر متعباً... وتصوير المسلسل في تلك الفترة كان صعباً جداً، يوجد ثلاث كاميرات فقط وبالأبيض والأسود، وكاميرتان واحدة تتعطل والأخرى تعمل وبظل تلك الظروف نجح البرنامج....إضافة لدور ابن عبد ربه الأندلسي /90/ حلقة ودور/ كسنجر/.‏‏

- وصية.. ؟‏‏

-- على إعلامينا أن يكونوا على اطلاع مستمر على كل ما ينشر ضّدنا من قبل الكيان الصهيوني أو من قبل الدول الغربية والاستعمارية, يجب أن يكون لدينا محطات إنصات ومحطات استماع، لأنه يمكننا أن نلتقط منها ما يدس علينا وبالتالي يمكننا الرد عليه.. على سبيل المثال: توجد أسطورة صهيونية تقول في سنة /1948/ بعد انتهاء الانتداب البريطاني هاجمنا جيوش سبع دول عربية، والحكام العرب هم الذين قالوا للفلسطينيين اخرجوا كي نؤدب لكم العصابات الصهيونية هذا الكلام كله كذب وافتراء، أولا» لم يكن هنالك سبع دول عربية جيوش تهاجم وكل العرب الذين دخلوا إلى فلسطين بعد انتهاء الانتداب البريطاني في 15/أيار عام/ 1948/ كان عددهم ثلاثين ألف، وكان مقابلهم /85/ إلف صهيوني مدرب و/45/ ألف ميليشيات، يعني /135/ ألف ولم يكن العرب مسلحين تسليحاً «جيداً», ولم يقل حكام العرب، رغم ملاحظاتنا عليهم في ذلك الوقت لم يقولوا للفلسطينيين اخرجوا،وإنما الصهاينة أخرجوهم بالقوة بعد حصول العديد من المذابح ومذبحة دير ياسين الشهيرة.., ببساطة من كذب هذه الأخبار وهذا الزعم هو راديو لندن لأن لديه قسم استماع وموجود لديه سجل كامل لكل الإذاعات العربية في سنة /1948/ ولم يجدوا فيها أي دعوة إذاعية للعرب الفلسطينيين من قبل العرب وإنما أخرج العرب الفلسطينيين من قبل الصهاينة، وحالياً يطالب هؤلاء الصهاينة بإلغاء وكالة الغوث لأن هذه الوكالة في سجلاتها الرسمية حالياً أن عدد الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين من سنة /1948/ وإلى الآن تجاوز الخمس ملايين لأنه ليس الذين خرجوا فقط وإنما أولادهم وأحفادهم وإسرائيل لا تعترف بمسؤوليتها عن إخراجهم ولذلك تريد إلغاء وكالة الغوث كاملة...‏‏

- كرئيس تحرير للأخبار باللغة الإنكليزية هل اختلفت نشرة الأخبار عمّا سبق ؟!‏‏

-- أعمل بوتيرة واحدة وهي أن القضية الفلسطينية خبزنا اليومي وهمنا اليومي وقضايا العرب القومية والعادلة‏‏

- وكالة أنباء عربية باللغات الأجنبية ماأهميتها الآن ماضرورتها..؟!‏‏

-- ضرورية جداَ وليس وكالة بل وكالات ومحطات بلغات أجنبية إذاعة وتلفزة وبرامج متنوعة باللغات الثلاث /إنكليزية – فرنسية – إسبانية /.‏‏

- هل تنوي كتابة مذكرات ؟؟‏‏

-- إ ن شاء الله...‏‏

- ماذا تعني لك سورية..؟ !‏‏

-- سورية تحمل الهم القومي للأمة العربية بكاملها من أيام مكافحة الأحلاف الاستعمارية إلى عصرنا هذا، وتناصر كل قضية عربية عادلة لأن سورية (بلاد الشام) سورية الطبيعية لأن معاهدة سايكس بيكو الحقيقية لم تقسم بلداً كما قسمت سورية الطبيعية (بلاد الشام)، (سورية - لبنان - فلسطين - الأردن) لذلك تبقى سورية مشدودة إلى كل شئ يؤدي إلى الوحدة العربية ويؤدي إلى العمل العربي المشترك، يؤدي إلى التضامن العربي, وإلى مساعدة المقاومة ضد الاستعمار.‏‏

- عناوينك المفضلة‏‏

-- بكل المجالات، وخاصة تاريخ وأدب.... !!!‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية