تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


منتدى رودس وحوار الحضارات.. إلى أين؟

شؤون سياسية
الأربعاء 28-12-2011
هيثم عدرة

في المجتمعات الأوروبية يوجد ميل متصاعد لمشاعر البغضاء أو لنقل لكره المسلمين، وهذا ما تمثل عبر سلسلة تصرفات بدأت عبر الكتابات ونشر الصور ..إلخ وهذا يجعلنا نقول إن التعددية الثقافية في أوروبا أضحت تحتضر،

وهنا لابد من معرفة البدائل من جهة ومن جهة أخرى ألا يتطلب ذلك معرفة الأسباب وكيف وصلت الأمور إلى هذه الحالة.‏

لا بد من القول إن تفجيرات أوسلو الإرهابية التي هزت النرويج وتتوخى حسب فكرة مدبرها أندريه بريويك تنبيه أوروبا إلى التخلص من مقولة التكافؤ العنصري والتحذير من خطر انتشار الإسلام في هذه القارة، جعلت الكثيرين يتحدثون عن تصاعد الميول اليمينية المتطرفة في الدول الأوروبية وعن التخوف من ازدياد نسبة المسلمين بين سكان الاتحاد الأوروبي، وقد انعكس انتشار معاداة الأجانب ورفض نمط الحياة والتقاليد غير الأوروبية في السنوات الأخيرة على أمزجة السكان في الدول الأوروبية حتى أن ما بين (ثلث إلى نصف عدد المشاركين في استطلاع الرأي هناك يعتبرون الوافدين من البلاد الإسلامية خطرا على الحضارة الأوروبية)، ويبدو أن المخاوف من الإسلام في أوروبا تتصاعد ليس فقط بسبب المتطرفين اليمينيين الأوروبيين، بل وكذلك بسبب نشاط المتطرفين الإسلاميين بين مسلمي أوروبا، وإلى ذلك ينتشر أكثر فأكثر الرأي القائل أن المشكلة تكمن أساسا ليس في المسلمين الوافدين على أوروبا، بل في الأوروبيين أنفسهم يضعون الحواجز والعراقيل أمام التأقلم أو الانخراط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المجتمعات الأوروبية ويعيقون التعايش والوئام بين مختلف الطوائف الدينية والإثنية، ولذلك يضطر الوافدون والمهاجرون إلى الانطواء في إطار جالياتهم وطوائفهم ويمارسون بالتالي حياتهم المألوفة وعلاقاتهم التي تعودوا عليها مع العالم الخارجي، ومهما يكن من أمر يتعين على أوروبا أن تحل بأسرع ما يمكن مشكلة التعددية الثقافية تفاديا لما قد يحصل من تفاقم وتأزم في العلاقات بين الأقلية المسلمة وبين المتطرفين من أنصار الأفكار اليمينية، التي أضحت تأخذ أشكالا مختلفة من خلال إرسال رسائل بين الحين والآخر؟!‏

وهذا يجعلنا نطرح أسئلة عديدة حول المدى أو المجال الذي وصل إليه حوار الحضارات، وما هو الدور المأمول أن يلعبه ممثلو منتدى رودس؟ ولابد من القول كيف يؤثر في جدول أعمال المنتدى ما يجري في المنطقة العربية، إضافة إلى تنامي ظاهرة كره الأجانب في أوروبا والمعضلات الأخرى؟ وما هي الأساليب التي يمكن أن يقترحها المنتدى في هذا الزمن الدراماتيكي والعصيب؟!‏

تعقد في جزيرة رودس اليونانية كل خريف ابتداء من عام 2003 دورة المنتدى الاجتماعي العالمي ( حوار الحضارات) وعلى خلفية شمول عملية العولمة ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة تزداد باطراد أهمية التفاهم الأفضل بين أبناء مختلف الثقافات والحضارات، وكذلك البحث عن السبل البديلة للتطور السلمي الذي ينبغي أن يتمحور حول القيم الإنسانية، ومن هذه الناحية يرى منتدى رودس أن مهماته الرئيسية تتركز في توحيد جهود الجميع لحماية المنجزات الروحية والثقافية البشرية وتنظيم الحوار البناء بين أكبر حضارات العالم المعاصر، ويحظى نشاط المنتدى بتقويم رفيع من جانب رجال الدين ورجالات الدولة والشخصيات الاجتماعية في كل مكان، بما في ذلك الأقطار العربية والدول الإسلامية، ويشار إلى أن الجهود المبذولة لتنظيم حوار الحضارات ضرورية وملحة الآن أكثر من أي وقت مضى، فالتوتر قائم بين الغرب والعالم الإسلامي وفي البلدان الأوروبية يشهد تصاعدا في الميول المعادية للمسلمين، وفي مظاهر العنصرية والعداء للأجانب، وفي هذا الزمن الصعب الذي تتكاثر فيه النزاعات المسلحة وتقوم في عدد من البلدان محاولات لزرع النعرات الطائفية والحزازات القومية.‏

ويمكن القول إن مندوبي منتدى رودس على يقين بأن توفير الوئام في العلاقات المتبادلة بين الحضارات والثقافات أمر ممكن وقابل للتحقيق طالما أنه يشكل الضمانة الكفيلة لتأمين الاستقرار وتوظيفه على نطاق العالم.‏

ولابد من القول أن أندونيسيا بما تشكله من ثقل اقتصادي واجتماعي وسياسي عبر سياساتها التي ترجمت على أرض الواقع خطوات واضحة باتجاه آفاق جديدة وأضحت تجربتها محط إعجاب الكثيرين، وهذا يجعلنا نطرح سؤالا كبيرا عنوانه هل يمكن أن تشكل أندونيسيا النموذج في العالم الإسلامي عموما والعرب خصوصا للتخلص من مشكلاتهم وتجاوزها، وهذا بالطبع ما نتحدث عنه له أسبابه، فقد يرى عدد من المحللين أن الربيع العربي إن صحت تسميته كشف عن رخاوة وحدة التباين بين الأقطار العربية الإسلامية، فالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الوطن العربي تفاقم العلاقات المتأزمة أصلا بين الدول العربية، وتزيد من حدة مشكلاتهم إذا لم يتم تدارك ما يحاك لهم والطرق التي تتبعها الولايات المتحدة ومن معها في أنحاء أوروبا للوصول بالإسلام إلى ما يريدون أن يصوروه عنهم، وهذا يعطي الولايات المتحدة الذرائع للمضي في تفتيت المنطقة وصولا إلى تشويه صورة الإسلام على المستوى العالمي.‏

السؤال الذي يطرح نفسه هل فعلا العرب قادرون على لجم السياسة الأميركية تجاه ما تخططه لهم عبر تأجيج النزاعات الطائفية وصولا إلى جعل الدول العربية والإسلامية تدخل في نفق مظلم يهدف إلى التأثير على مستقبلهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي.‏

بكل الظروف نعود إلى ما تحدثنا عنه في البداية حول المشاعر التي أضحت واضحة في المجتمعات الأوروبية التي تأخذ طابع العدائية تجاه الإسلام، وهذا ما تم ملاحظته على الأرض وعبر سلسلة من الرسائل صدرت من بلدان أوروبية عديدة، ونلاحظ أن الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تحاول جاهدة تصوير الاسلام من خلال الإرهاب، وهذا بحد ذاته يعتبر مبررا قويا لها لاستكمال مشروعها المنظور على المدى القريب والبعيد للسيطرة على طرق ومنابع النفط تحت شعار محاربة الإرهاب، وهذا يتطلب وعيا عربيا من جهة ووعيا إسلاميا لما يحاك ويرسم لتشويه صورة الإسلام على الصعيد العالمي ، ومن جهة أخرى المحاولات المستميتة من قبل الولايات المتحدة الأميركية لزرع بذور الفتنة في منطقة الشرق الأوسط وما يحاك للدول الإسلامية والعربية من مؤامرات الهدف منها زرع بذور التخلف والشرذمة، وهذا يتطلب وقفة إسلامية أمام ما يحاك لهم على المدى المنظور القريب والبعيد.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية