تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


القاعدة حاجة أميركية صهيونية

شؤون سياسية
السبت 12-1-2013
عبد الرحمن غنيم

تباينت الآراء خلال الفترة الأخيرة حول تقييم الموقف الأميركي من تنظيم القاعدة. ويمكن القول في هذا الصدد إنّ هناك ثلاثة آراء :

1 – رأيٌ يقول إن تنظيم القاعدة تابع للولايات المتحدة , خاضعٌ لها , تحرّكه وتعبث به كما تشاء , وإنه لولا ذلك لاستحال تماماً أن تقوم دولٌ وجهاتٌ خاضعةٌ للولايات المتحدة خضوعاً كلياً مثل السعودية وتركيا وقطر وتيّار المستقبل في لبنان بتقديم المال والسلاح والخدمات اللوجستية للقاعدة .‏

2 – رأيٌ يرى أن الولايات المتحدة تصنف إرهاب القاعدة على نوعين : نافعٌ ومحمودٌ يوجّه لمن تستهدفهم الولايات المتحدة , فيستفاد منه . وضارٌّ ومرفوضٌ يوجّه ضرباته للولايات المتحدة وشركائها الغربيين , فيتوجب ضربه . وهكذا فإنها تغض الطرف عن نشاط النوع الأول أو تشجعه , بينما تعمل على قمع النوع الثاني أولا بأوّل.‏

3 – هناك رأيٌ ثالث يعتقدُ أصحابه أن الولايات المتحدة معنية بالتخلص من تنظيم القاعدة , فتسلط الجزء الأكبر منه على دول مثل سورية والعراق , وغايتها إفناؤه , بينما تلاحق ما بقي منه في أماكن أخرى بهدف القضاء عليه أو إضعافه .‏

إنّ الأمرَ الذي لا ريب فيه هو أنّ كلّ واحدة من وجهات النظر هذه لها ما يسندها, بحيث يصعب علينا أن نحيّدَ أياً منها لصالح وجهة نظر أخرى . لكنّ فهم الموقف على نحو إجمالي يتطلب تحليلاً أكثر شمولية .‏

إنّ أيّ تحليل شامل وجدّيّ لا بُدّ وأن ينطلق من السؤال حول طبيعة الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة وطبيعة الأدوات التي يمكن أن تلجأ إليها في تحقيق هذه الأهداف .‏

لا أحدَ يمكنه أن يجادل في أنّ الهدف الأميركي الأقرب يتمثل في تخليق ما يسمّى « الشرق الأوسط الجديد » , واستهداف سورية وإيران هو جزء من هذا الهدف , بينما الهدف الأميركي الاستراتيجي الأبعد يتمثل في ضرب القوة الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً لكل من روسيا والصين . وإنجاز الهدف الأول هو خطوة على طريق إنجاز الهدف الثاني . فلنحصر تفكيرنا الآن في الهدف الأول المتمثل بالشرق الأوسط الجديد . وهو هدفٌ معلن ومعروف .‏

إنّ مجرّد الحديث عن « شرق أوسط جديد » يعني أن هناك إعادة للصياغة . وإعادة الصياغة يمكن أن تكون على شكلين :‏

الأول – تغيير منظومات الحكم في المنطقة مع بقاء الكيانات الجغرافية للدول على حالها .‏

والثاني – إعادة رسم خريطة المنطقة على أسس دينية وطائفية ومذهبية وإثنية.‏

قد يكون كافياً بالنسبة للشكل الأول ما نراهُ واقعياً من محاولات لتمكين الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين ومن على شاكلتها من تسلم منظومات الحكم على خلفية ما أسمي بـ « الربيع العربي » بحيث يحل الإسلام السياسي محل النهج القومي أو شبه القومي . لكنّ هذا التمكين في حدّ ذاته يثير التساؤل , خاصة حين تكون بعض الأنظمة التي جرت إزاحتها موالية أصلاً للولايات المتحدة , حيث لا بدّ لنا وأن نتساءل عن المصلحة الأمريكية في إزاحة زين العابدين بن علي وحزبه أو حسني مبارك وحزبه أو علي عبد الله صالح وبعض سلطة حزبه لصالح جماعة الإخوان المسلمين أو أيّ جماعة أخرى . وحتى حين ننظر إلى محاولة استهداف منظومة الحكم في سوريةلصالح جماعة الإخوان المسلمين المهيمنة على « مجلس اسطنبول » أو « ائتلاف الدوحة » , فإننا لا بدّ وأن نتساءل عن المصلحة الأمريكية في خطوة من هذا النوع .‏

ربما قال البعض بأن « التفاهمات » أو « الاتفاقات » المبرمة بين الإدارة الأميركية وبين قيادات جماعة الإخوان المسلمين تفسّر التبنّي الأميركي لهم . لكن الحسابات المنطقية للأشياء تقول إنه لا مصلحة للولايات المتحدة وإسرائيل التي ينظر إلى مصالحها وأمنها وخططها التوسعية كجزء من السياسة الأمريكية أن تتولى جهة ما قومية كانت أو إسلامية أو أممية حكم المنطقة , لأنّ ما هو منطقي في هذه الحالة أن تسعى هذه الجهة إلى توحيد المنطقة بقيادتها . وتوحيد المنطقة , بغض النظر عن هوية الحزب أو الأحزاب التي تنجز هذه الوحدة , هو الخطر القاتل بالنسبة لإسرائيل ومشروعها . ولذلك , فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على « التفتيت الاستراتيجي» للمنطقة والحيلولة دون وحدتها بأيّ شكل من الأشكال . والسبب في ذلك بسيط , وهو أنه إذا ضمنت واشنطن ولاء هذه الصفوة القيادية أو تلك في مرحلة معينة , فإن هذه الضمانة لن تكون دائمة . فمن الممكن أن يتدخل عزرائيل لقبض أرواح البعض , أو أن يحدث انقلاب داخل الحزب تحل فيه مجموعة قيادية محل أخرى , أو أن يحدث تغيير بالوسائل الديمقراطية أو العنف لتحل صفوة أقرب إلى تلبية المطالب الشعبية محل الصفوة التي استأنس بها الأمريكيون واطمأن لها الإسرائيليون . والسياسة حين تتعلق بالحسابات الاستراتيجية ليست لعبة بوكر تقوم على المقامرة .‏

هذا الفهم للمسألة , يجعلنا نعتقد جازمين أن اعتماد الإخوان المسلمين أو ما أسموه بـ « الإسلام المعتدل » في هذه المرحلة , هو مجرّد مرحلة . وهذه المرحلة لها غايتان :‏

أولاهما – استغلال الإسلام السياسي في استبعاد النهج القومي أو أيّ نهج قريب منه أو إضعافه , مقابل تعزيز الاتجاهات الأصولية .‏

وثانيهما – جعل الإسلام السياسي مدخلاً لصراعات طائفية ومذهبية وإثنية تؤدّي إلى تفتيت الكيانات القائمة وإعادة صياغتها في كيانات صغيرة متعادية .‏

وحين تكون الخطة على هذا النحو , يصير دور « القاعدة » ومن على شاكلتها من التنظيمات الصلفية التي تدّعي السلفية دوراً ضرورياً , ذلك أنه من غير المنطقي الافتراض بأن «الإخوان المسلمين » متى أمسكوا بالسلطة في بعض الأقطار سيتصرفون تصرّف الدجاجة التي تعفر التراب على رأسها . فمنطق الأمور يقول إنهم سيحاولون – على الأقل – تثبيت أركان سلطتهم والمحافظة على وحدة البلد الذي استلموا زمام الأمور فيه خلافاً للمخطط الأميركي – الإسرائيلي المرسوم . ومثل هذا السلوك سيكون مناقضاً للهدف الذي تسعى إليه واشنطن . ومع ذلك , علينا أن نفكر في هذا السياق بالكيفية التي عولج بها ملف جنوب السودان وانتهى بتقسيم السودان بين شمال وجنوب واستمرار المحاولات الرامية إلى تقسيم شمال السودان من جديد باعتباره واحداً من نماذج التفتيت الاستراتيجي .‏

من هنا نستطيع الجزم بأن هناك مصلحة أمريكية وإسرائيلية في بقاء تنظيم القاعدة ومن على شاكلته من التنظيمات الصلفية المتشددة , لأن هذه التنظيمات هي بعض أدوات المرحلة الثانية من مراحل تنفيذ مخطط « الشرق الأوسط الجديد » . وهذه المصلحة لا علاقة لها البتة بمسألة تكييف طبيعة العلاقة بين القاعدة وبين أميركا والكيان الصهيوني .‏

قد يكون منطقياً القول بأنّ الولايات المتحدة عملت على استدراج جزء ليس بالقليل من عناصر القاعدة من أفغانستان وباكستان بالذات لنقلهم إلى سورية بما يكفل إبعادهم عن المسرح الأفغاني , ومن ثم يريح الأمريكيين من بعض أسباب المأزق الذي تواجهه قواتهم هناك . وربما عملت الولايات المتحدة والسعودية معاً على جلب جزء من عناصر القاعدة من اليمن ونقلهم إلى سورية , لتخفيف قدرات القاعدة في اليمن وخفض مخاطرها على النفوذ السعودي هناك , وهي مسألة تكشفت في الاتفاق المتعلق بنقل مقاتلي القاعدة من أبين في محافظة زنجبار إلى سوريا . فمثل هذه الأهداف التكتيكية, بما في ذلك التخلص من أكبر عدد ممكن من عناصر القاعدة في بعض مسارح القتال, هي أمر ممكن . لكن القاعدة رغم ذلك ستبقى واحدة من الأدوات التي لا غنى عنها في تنفيذ المرحلة الثانية من المخطط الأميركي للشرق الأوسط الجديد , سواء جاء هذا الدور بالصدفة أو نتيجة توزيع الأدوار من قبل اللاعب القائم على توزيع الأدوار وهو اللاعب الأميركي بالتأكيد .‏

إنّ ما حدث في سورية عملياً كان إحراقاً للمراحل اضطرت إليه القوى المتآمرة. فالخطة الأصلية كانت تفترض إنجاز هدف المؤامرة في تغيير منظومة الحكم بداية بالاستناد إلى ما أسمي بـ « الجيش الحر » الذي يتشكل من الإخوان المسلمين وعناصر تمكنوا من تعبئتها من المسلحين المحليين غير المنظمين في الجماعة . وأما دور القاعدة أو المنظمات المرتبطة بها فكان في البداية دوراً محدوداً مساعداً . لكن عجز ما يسمّى بالجيش الحر عن تحقيق الهدف أو الاقتراب من تحقيقه , أدّى إلى زج عناصر القاعدة بكثافة , بحيث باتت ما تسمّى « جبهة النصرة » أقوى مما يسمّى بالجيش الحر . وقد تطورت الأمور في بعض المناطق إلى قيام “ جبهة النصرة “ بتصفية ما يسمّى بالجيش الحر لصالح مشروعها الخاص .‏

إن تطوّراً من هذا النوع شكل إحراجاً للأمريكيين لأسباب متعددة يمكن إجمالها فيما يلي :‏

1 – إن الأمريكي الذي يدّعي بأنّ دوره يتمثل في تبنّي ما يسمّيه بـ « الإسلام المعتدل » , معتبراً أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل هذا « الإسلام المعتدل » , وجد نفسه أمام طغيان « جبهة النصرة » التابعة للقاعدة وإسهام الأطراف التابعة له في تمويلها وتسليحها وتقديم الخدمات لها , في مصيدة الدولة الراعية للإرهاب , مما يحرج الإدارة الأمريكية أمام الشعب الأميركي وكل شعوب العالم , خاصة وأن هذا التبنّي للإرهاب الذي تمارسه القاعدة من شأنه أن يكشف بأن كلّ الأدوار اللاحقة التي يمكن أن تلعبها القاعدة سينظر إليها على أنها تتم برضى ومباركة واشنطن .‏

2 – إن دور « جبهة النصرة » في سورية في حال تعمّق هذا الدور وتأثيره على وحدة سورية من شأنه أن يكشف الهدف النهائي لمخطط الشرق الأوسط الجديد قبل الأوان , مما يعرقل تنفيذ هذا المخطط في الأقطار الأخرى .‏

3 – إن تفاقم دور « جبهة النصرة » في سورية, وسواء نجحت أو فشلت في تحقيق أهدافها , من شأنه أن يفاقم هذا الدور في الأقطار المجاورة الأخرى : تركيا والعراق ولبنان والأردن . والمخطط لا يسعى أصلاً إلى تمكين القاعدة أو سواها من السيطرة على المنطقة وإنما يهدف إلى تفتيت المنطقة . وعليه , فإن دور القاعدة كفتيل إشعال أو كصاعق تفجير يجب ألا يتجاوز في قوته حداً معيناً , وإلا فإن السحر سينقلب عندئذ على الساحر . ومن الطبيعي الافتراض أنه إذا اتسع دور القاعدة في بلاد الشام فإنها ستتحول إلى سهم مرتد بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي . وعموماً يصح على القاعدة ما يصح على الإخوان المسلمين أو على التيار القومي من أن القوى المعادية ترى في توحيد المنطقة بقيادة أي طرف مأزقاً للمشروع الصهيوني .‏

هناك الآن مؤشرات على أن مشكلة هيلاري كلينتون مع الإدارة الأمريكية محورها تجاوز نمو تنظيم القاعدة لمستوى معين , بحيث بات يمثل مشكلة غير قابلة للضبط بالنسبة للأمريكيين . وثمة ما يشير إلى أن آل سعود باتوا يخشون من تفاقم أعداد مواطني مملكتهم الملتحقين بالقاعدة ممن جرى تحريضهم عل الإفساد في سورية, تحسباً من عودة جزء من هؤلاء إلى المملكة وإثارة المشاكل فيها . وهذا ما يفهم من الفتاوى الأخيرة للشيخ عبد العزيز آل الشيخ . وهذا يعني أن ثمة محاولات لضبط الفوضى التي يصنعونها ضمن حدود معينة , بحيث تنفعهم هم وتلحق الضرر بسواهم. وهذه قضية دقيقة لا نظن أن من السهل ضبطها . ويبقى في نهاية المطاف أن مجريات الأحداث أكدت وتؤكد بأن القاعدة هي حاجة أمريكية صهيونية على أن تخضع نشاطاتها لأقصى درجات الرقابة والضبط وإمكانية التدخل لإضعافها أو تقويض خلاياها في بعض الحالات .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية